
خلال أسبوع واحد أطلقت القيادة السعودية جملة مبادرات اقتصادية متكاملة أكدت للعالم أن قطار الاقتصاد والإصلاحات والمستقبل وضع فعلاً على السكة الصحيحة، وشملت تلك المبادرات المفصلية إعلان أكبر ميزانية توسعية بتاريخ المملكة، وإطلاق 13 مبادرة لحفز النشاط الاقتصادي بقيمة 72 مليار ريال، وكذلإعلان استراتيجية متكاملة للتمويل والدعم والضمان للصادرات السعودية.
ولكن كيف توالت الخطوات وكيف يمكن قراءة مدلولاتها وما الأهمية الاستثنائية التي تنطوي عليها؟
ميزانية توسعية
شكّلت الميزانية الجديدة حدثاً يستحق التوقف عنده، إذ إنها أكبر ميزانية توسعية في تاريخ المملكة (978 مليار ريال) بزيادة نسبتها 6 في المئة عن ميزانية السنة الماضية، والأهم أنها حسمت خيار العودة إلى الإنفاق الاستثماري وإعطاء دفع للنمو الاقتصادي وللقطاع الخاص. وتميّزت الميزانية بتخصيص نسبة كبيرة للإستثمار وتكوين رأس المال الثابت، وتم دعم الاستثمار في البنى التحتية ببرامج استثمار موازية بقيمة 130 مليار ريال سعودي يقوم بها صندوق الاستثمارات العامة (85 مليار ريال) وصناديق التنمية (نحو 50 مليار ريال) أي أن الإنفاق الحكومي الفعلي سيكون نحو 1113 مليار ريال ما يناهز 296 مليار دولار.
مبادرات للتحفيز الاقتصادي
وقبل أسبوع من الكشف عن ميزانية 2018، تم الإعلان عن 13 مبادرة لحفز النشاط الاقتصادي بقيمة 72 مليار ريال سعودي (نحو 19.2 مليار دولار)، وهذه المبادرات تدخل ضمن استراتيجية حكومية لتحفيز القطاع الخاص والنشاط الاقتصادي، وتتكامل هذه المبادرات في ما بينها لتطال مجموعة من القطاعات المؤثرة في النمو الاقتصادي مثل البناء وترشيد الطاقة (رفع كفاءة أجهزة التكييف) وتمويل الصادرات وضمان المشاريع الجديدة (برنامج كفالة) والاستثمار المُخاطر ((Venture Capital ودعم الشركات الصغيرة والمتوسطة (بما في ذلك إعادة نحو سبعة مليارات ريال من الرسوم إلى تلك الشركات) فضلاً عن دعم الشركات المتعثرة، والاستثمار في ترقية البنية التحتية للإقتصاد الرقمي، إضافة إلى دعم الاستثمارات الضخمة بنحو خمسة مليارات ريال.
دعم الصادرات
كما تمّ في الوقت نفسه الإعلان عن استراتيجية متكاملة لتوفير التمويل والدعم والضمان للصادرات السعودية إلى العالم، أبرز مكوناتها، تأسيس بنك الاستيراد والتصدير السعودي وتخصيص مبلغ 60 مليون ريال لبرامج تحفيز الصادرات وخمسة مليارات ريال لتغطية رأس مال صندوق الاستيراد والتصدير وتوفير الموارد اللازمة لتمويل الصادرات وتقديم الضمان اللازم للمصدرين.
فترة سماح
يمكن أن تضاف إلى المبادرات السابقة جملة من السياسات التي استهدفت تحريك النشاط الاقتصادي وزيادة الثقة في السوق. ومن هذه المبادرات إنجاز دفع المستحقات المترتبة على الحكومة للمقاولين، مع التزام الدولة بتسديد أي مستحقات جديدة في غضون 45 يوماً من إنجاز الأعمال، كما تقرر مد أمد عملية التصحيح وإعطاء فترات سماح أطول للمواطنين للتكيّف مع سياسات الترشيد والإصلاح المالي، ومن ذلك تأجيل تحرير أسعار المحروقات وكذلك إعادة العمل بالعلاوات على رواتب الموظفين الحكوميين، وكذلك البدء بتطبيق حساب المواطن في مطلع العام 2018 بتكلفة نحو 2.5 مليار ريال بهدف التخفيف من أثر تقليص الدعم على أصحاب المداخيل المنخفضة أو المحدودة، ويتم كل ذلك في إطار تعزيز القوة الشرائية وبالتالي تعزيز دور الطلب في تحريك العجلة الاقتصادية. وفي هذا السياق توقعت مصادر سعودية أن يتحوّل التضخم السلبي الذي سُجل في العام 2017 نتيجة الانكماش الاقتصادي إلى تضخم بمعدل يقارب 6 في المئة خلال العام 2018 وذلك نتيجة للتوسّع في الإنفاق وخلق المشاريع وفرص العمل وبالتالي تنامي الطلب في جميع المجالات. إحدى النتائج التي ستترتب على التريث في تحرير أسعار الوقود وتبني سياسات توسّع في الإنفاق هي تأجيل الوصول إلى التوازن المالي في الميزانية الحكومية من العام 2020 إلى العام 2023. ويبدو واضحاً أن القيادة السعودية قررت تبنّي وتيرة من الإصلاحات الاقتصادية لا تشكل صدمة للنمو الاقتصادي، وقد شجّعها على ذلك التحسن الملموس في أسعار النفط الخام، والذي وفّر مداخيل إضافية للميزانية تسمح بذلك.
التطلع إلى الأمام

ومن العناصر التي دعمت التحوّل إلى سياسات التوسّع الاقتصادي، اعتبارات مرحلية تتمثل خصوصاً بالحملة القوية على الفساد والتي طاولت نحو 300 شخصية سعودية من بينهم أمراء بارزون ورجال أعمال. وقد أثارت الحملة بالطبع ردود فعل متفاوتة بسبب اتساع نطاقها وجرأتها، وبرزت لدى البعض مخاوف من أن يؤدي اتساع الحملة وتناولها لشخصيات وشركات ومؤسسات كبيرة إلى التأثير على حركة الاستثمار وتأسيس الأعمال. وقد ساهم القرار بالانتقال إلى مرحلة التوسّع الإنفاقي في إزالة هذه المخاوف وأعطى دفعة قوية لإراحة السوق والنمو الاقتصادي.
وكانت لهذا التحوّل آثار إيجابية واسعة النطاق إذ إنه خلق ارتياحاً كبيراً ليس فقط في أوساط الأعمال والاقتصاديين والسوق المالية في المملكة بل في الأسواق الدولية ومؤسسات التصنيف الإئتماني والشركات التي قرأت في هذه التطورات أن قيادة المملكة أصبحت جاهزة للتطلع إلى الأمام والعمل على الأهداف الاستراتيجية التي وضعتها رؤية 2030، والمتعلقة بتنويع الاقتصاد السعودي وتخفيف اعتماده واعتماد الميزانية الحكومية على النفط والغاز.
أولوية إصلاح الدولة
من هذه الزاوية، فإن ميزانية 2018 وما رافقها من إجراءات تحفيز للإقتصاد وللصادرات، يمكن النظر إليها بإعتبارها البداية الفعلية للعهد السعودي الجديد. فقد انشغلت القيادة السعودية الشابة التي يمثلها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان وفريقه لأكثر من سنتين في ما يمكن اعتباره مرحلة انتقال حساسة إلى نمط جديد يحمل عناوين الدولة الحديثة والحكم الرشيد والاقتصاد القوي.
لهذا السبب، كان من المحتم تركيز معظم الجهود في السنتين الماضيتين على معالجة ملفات الإصلاح الإداري وبرامج الدعم ومواجهة العجز المالي وترشيد الطاقة وتوفير مصادر الدخل غير النفطي ووضع الأهداف المستقبلية وتهيئة الأجواء للتغييرات المقبلة، بما في ذلك طبعاً مكافحة الفساد والهدر وبعض مظاهر الإنفاق السياسي، ولأنه من دون فرض هذا النوع من النظام المدني وحكم القانون على الجميع لا يوجد أمل حقيقي بإدارة سياسية ومالية شفافة وفعالة للدولة وللاقتصاد وبالتالي لتوطيد ثقة الأسواق الدولية والمستثمرين وجاذبية الأعمال في المملكة السعودية.
مصادر الدخل غير النفطية
إن إعطاء الأولوية للتوسع في الإنفاق من قبل الحكومة السعودية سيُبقي الميزانية السعودية معتمدة في المدى المتوسط على العائدات النفطية، خصوصاً وأن أسعار النفط شهدت تحسناً ملموساً يسمح للسلطات بتمويل المشاريع من دون الحاجة إلى بلوغ السقوف المحددة للدين العام في وقت قريب. وفي ميزانية 2018 تمثل الموارد من المصادر غير النفطية نحو 37.1 في المئة من مجموع الإيرادات بزيادة طفيفة عن العام 2017 حين بلغت نحو 36.7 في المئة.
لكن اعتماد الميزانية الحكومية الكبير على العائدات النفطية أمر يعود إلى عقود طويلة ويحتاج التخفيف منه أو تجاوزه إلى وقت، فالاقتصاد السعودي قام منذ نشأته الأولى على النفط ولم تكن الحكومة السعودية في السابق ترى موجباً لإثارة الموضوع الحساس سياسياً للرسوم والضرائب طالما أن النفط كان وفيراً والخزانة تسجل فوائض سنة بعد سنة، وقد احتاج الأمر إلى دخول البلد وسوق النفط مرحلة طويلة من الركود وتراجع الأسعار حتى يتبيّن حتمية البحث عن مصادر جديدة غير نفطية لتمويل الإنفاق، وبالتالي حتمية أن تعمل السعودية مثل أي دولة في العالم أي بالاستناد إلى التكافل بين الدولة وبين المواطن. وهذه التحولات غير المسبوقة عززت توجه الحكومة لإدخال مروحة واسعة من الرسوم والضرائب التي يفترض أن تتحول مع الوقت إلى مصدر أساسي بل ربما المصدر الأساسي لمداخيل الميزانية.
والرياض تباشر مطلع العام الحالي، مع بقية دول مجلس التعاون الخليجي، تطبيق ضريبة القيمة المضافة بنسبة 5 في المئة على السلع والخدمات، وهذه الضريبة يتوقع أن تجلب إلى الخزينة مبالغ كبيرة مع مضي الوقت واتساع نطاق تطبيقها على كافة قطاعات الاقتصاد والمؤسسات، كما إن المملكة سترفع جزئياً هذا العام الدعم عن أسعار الوقود، الرخيصة جداً حالياً، كما سيتم البدء بتحصيل مجموعة من الرسوم على عائلات الوافدين والعمالة الأجنبية وهناك ضرائب انتقائية على عدد من السلع مثل السجائر والمشروبات الغازية وغيرها وقد توقعت أوساط مالية أن تبلغ حصيلة المداخيل الإضافية غير النفطية نحو 85 مليار ريال.
عوائد مكافحة الهدر والفساد
أضف إلى ما سبق، الدخل غير المباشر المحقق نتيجة لتعزيز فعالية الإنفاق الحكومي ومكافحة الهدر وازدواجية المؤسسات أو تعددها وكذلك شن الحملة على الفساد.
وعلى سبيل المثال، فإن تطبيق سياسة المشتريات الموحدة للدولة عبر جهاز واحد متخصِّص أدى إلى وفر قدره نحو 10.5 في المئة من القيمة الإجمالية للمشتريات الحكومية وهي عادة بمبالغ ضخمة. وكان توزع المشتريات في السابق على الوزارات والأجهزة المختلفة يؤدي إلى هدر كبير كما إنه كان الوسيلة التي يتسرب منها الفساد واختلاس الأموال الحكومية وهذا مع العلم، أن القيادة السعودية تعطي الأولوية لاستخدام الوفورات المحققة من سياسات ترشيد الإنفاق للاستثمار في التنمية الاقتصادية، وهو ما يبدو واضحاً من زيادة معدلات الإنفاق الرأسمالي وبرامج الاستثمار، إذ زاد الإنفاق الرأسمالي في ميزانية 2018 بنسبة 34.3 في المئة عن العام السابق إلى 180 مليار ريال (نحو 19.4 في المئة من مجموع الإنفاق) وشهد الإنفاق زياد كبيرة في الفصل الرابع من العام بسبب تخصيص ميزانية كبيرة لبنود الدفاع والصحة والتعليم.
ومن العوامل التي ستلعب دوراً في سياسات التوازن المالي النتائج المتوقعة من برنامج خصخصة العديد من القطاعات الحكومية والمصالح والمؤسسات العامة ولاسيما البيع المتوقع في الأسواق الدولية لنحو 5 في المئة من شركة أرامكو، كما إن تفعيل دور صندوق الاستثمارات العامة كصندوق سيادي يضطلع باستثمار الاحتياطات المالية للمملكة يمكن أن يقود بدوره إلى بروز مصدر جديد مهم للعائدات المالية للخزينة السعودية.

الأهمية المستمرة للنفط
من حسن طالع الدولة السعودية أن تكون رياح السوق النفطية هبت في أشرعة سفينتها فجاء التحسّن الملموس في أسعار الخام ليشعرها بالثقة ويعزز توجهها مجدداً للتركيز على التنمية الاقتصادية، وكان ذلك نتيجة مباشرة لتحسّن أسعار النفط بنسبة 26.3 في المئة خلال العام، وقد ساهمت الاتفاقات التي توصلت إليها أوبك في ما بينها ومع دول منتجة أخرى في الحفاظ على معدلات خفض الإنفاق وبالتالي دعم الأسعار، وساهم ارتفاع سعر البرميل في تعويض المملكة عن خفض معدلات الإنتاج، علماً أن المملكة أجرت خفضاً يزيد على التزامها تجاه منظمة أوبك وذلك للتعويض عن تجاوز بعض الدول الأعضاء للحصص المقررة لها.
المهم أن توقّع المملكة تحقيق التوازن بين النفقات والمداخيل في الميزانية في غضون خمس سنوات من الآن، يعتبر أمراً مهماً للغاية خصوصاً مع التحول إلى مرحلة من الإنفاق التوسّعي على المشاريع والبنى التحتية والتنمية الاقتصادية، إذ إن لهذا التوقع مغزى واحداً لا غير وهو أن السلطات المالية في المملكة تتوقع تحقيق نمو كبير في العائدات المحققة للدولة من أبواب مختلفة في السنوات المقبلة سواء النفطية منها أو غير النفطية.
عجز الميزانية نحو الإنخفاض
نتيجة إجراءات الترشيد والتحكم بالنفقات تم خفض العجز في الميزانية السعودية للعام 2017 إلى 230 مليار ريال أو ما يعادل 8.9 في المئة من الناتج المحلي بعد العجز القياسي الذي سجل في العام 2015 ثم العام 2016، وتم خفض العجز رغم زيادة الإنفاق إلى 926 مليار ريال بالنظر الى التحسن الملموس في إيرادات الميزانية إلى نحو 696 ملياراً. في المقابل، تضمّنت ميزانية 2018 تقديراً للنفقات بنحو 978 مليار ريال في مقابل إيرادات أفضل خلال العام تقدر بنحو 783 ملياراً وهو ما سيترجم بخفض جديد للعجز إلى نحو 195 مليار ريال وهو يقل عن نسبة 8 في المئة من الناتج المحلي.
عهد الشفافية المالية
من الأمور الجديدة في إعلان الميزانية السعودية، الدرجة العالية من الشفافية التي تتم بها وأمام وسائل الإعلام مع استعداد الوزراء المعنيين لشرح كل جانب من جوانبها والردّ على كل سؤال من دون أي حرج، فالميزانية أصبحت برنامج عمل حكومياً مبنياً على تقديرات دقيقة يُلتزم به أمام الرأي العام، وبالتالي تحاسب الحكومة عليه وعلى مدى النجاح أو الإخفاق في تحقيق أهدافه، ليس فقط في نهاية العام بل في نهاية كل فصل من فصول السنة المالية من خلال إصدار تقارير متابعة ربع سنوية حول الأداء المالي الحكومي وتطور العمل في الميزانية.
ومن الأمور الجديدة أيضاً إعلان وزارة المالية السعودية أرقاماً مفصلة للفترة ما بين العام 2018 والعام 2022 تضمنت الخطط المفصّلة المتعلقة بالرفع التدريجي لأسعار الطاقة، وهو أمر سيمكّن قطاعات الأعمال السعودية والأسواق من التخطيط لكيفية استيعابها كما تمكّن المحللين من وضع التوقعات بشأن هذا القطاع أو تلك الصناعة من خلال احتساب عنصر الكلفة المتعلق بالطاقة والذي لم يعد مجهولاً أو أمراً مفاجئاً.
كما تم أيضاً إصدار معلومات مفصّلة عن برنامج الاستدانة الحكومية للعام 2018، هذا مع العلم أن الدولة اعتمدت في سدّ العجز حتى الآن على إصدار السندات أكثر من الاعتماد على السحب من الاحتياط الذي يبلغ حالياً نحو 486.5 مليار دولار بينما زاد الدين العام إلى 438 مليار ريال سعودي (116.8 مليار دولار) . وتلتزم الحكومة السعودية بسقف للدين العام يتمثل بعدم تجاوزه لنسبة 25 في المئة من الناتج المحلي.



