كيف أدارت المملكة أخطر اختبارات الإقليم، فجمعت بين الردع والتهدئة، وحمت قرارها الوطني ورؤية 2030 من حرب لم تخترها؟
بقلم د. خالد عيتاني
لا تختبر الحروب قوة الجيوش وحدها. إنها تختبر قدرة الدولة على منع الحليف من استعارة جغرافيتها، والخصم من فرض كلفته عليها، والخوف من مصادرة قرارها.
وفي الخليج، تتضاعف خطورة هذا الاختبار. فقد يُتخذ قرار الحرب بعيدًا، لكن فاتورته تصل إلى ناقلة النفط، ووثيقة التأمين، وميزانية المشروع، وثقة المستثمر. وقد تطلق إسرائيل الصاروخ، وترد إيران، وتدير الولايات المتحدة مسار التصعيد؛ فيما تجد دول المنطقة نفسها مطالبةً بحماية منشآتها واقتصاداتها من قرارات لم تشارك في صنعها.
من هنا، لم يكن السؤال السعودي: مع أي طرف تقف المملكة؟ بل كان أكثر عمقًا: كيف تحمي السعودية أمنها ومشروعها الوطني، من دون أن تتحول أراضيها إلى منصة للحرب أو هدف مجاني لها؟
هذه هي الزاوية التي تكشف الفكر الاستراتيجي السعودي خلال الأزمة. فلم يكن الموقف حيادًا بين القوى، ولا ابتعادًا عن المسؤولية. كان استقلالًا في تعريف المصلحة، وقدرةً على الجمع بين الردع والحوار، وبين الشراكة الدولية والسيادة الوطنية.
ثوابت الدولة… لا تكتيكات اللحظة
في ظل قيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وصاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء – حفظهما الله – تحرك الموقف السعودي من ثوابت لم تتغير بتغير الميدان: احترام سيادة الدول، والتمسك بالقانون الدولي، وتغليب الحلول السياسية، مع الاحتفاظ الكامل بحق المملكة في حماية أراضيها ومواطنيها ومقدراتها.
وفي 28 كانون الثاني/يناير 2026، أكد سمو ولي العهد للرئيس الإيراني مسعود بزشكيان احترام المملكة لسيادة إيران، وأنها لن تسمح باستخدام أراضيها أو أجوائها في أعمال عسكرية ضدها من أي جهة. وربط هذا الموقف بدعم الحوار والجهود الهادفة إلى تعزيز أمن المنطقة واستقرارها.
وقد اكتسب هذا الموقف دلالة إضافية حين عبّر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان عن شكره للمملكة على "موقفها الثابت في احترام سيادة إيران ووحدة أراضيها"، وقدّر الدور الذي يضطلع به سمو ولي العهد في دعم المبادرات الهادفة إلى تحقيق أمن المنطقة واستقرارها.
لم تكن الرسالة دفاعًا عن سياسات طهران، ولا تجاهلًا لمخاطر الصواريخ والبرنامج النووي وشبكات الوكلاء. كانت تعبيرًا عن إدراك استراتيجي بأن معالجة الخطر الإيراني من خلال تفجير الدولة الإيرانية قد تنتج أخطارًا أكبر: فراغًا سياسيًا، واضطرابًا في الطاقة، وتوسعًا للميليشيات، وسباقًا إقليميًا لا يمكن التحكم بمآلاته.
فالفكر الاستراتيجي لا يسأل فقط كيف يُضعف الخصم؛ بل يسأل أيضًا عمّا سيحل مكانه.
لكن احترام سيادة إيران لم يتحول إلى تنازل عن السيادة السعودية. وعندما استهدفت الاعتداءات الإيرانية المملكة ودول مجلس التعاون، أكدت الرياض حقها في اتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية أمنها وردع العدوان. كما أوضحت أن تحركاتها الجوية كانت لحماية أجواء المملكة والخليج من الصواريخ والمسيّرات، لا للمشاركة في عمليات هجومية ضد إيران.
ولخّص الأمين العام لمجلس التعاون لدول الخليج العربية جاسم محمد البديوي هذا التوازن بقوله إن دول المجلس "ستظل منارة للاستقرار وشريكًا موثوقًا للعالم، لكنها لن تقبل أن تكون هدفًا للعدوان"، مؤكدًا أن أمن شعوب الخليج غير قابل للمساومة.
وهنا اكتملت المعادلة: سيادة إيران تُحترم، لكن السيادة السعودية لا تُختبر بلا ثمن.
استقلال القرار داخل الشراكة
يمكن قراءة التحركات الإسرائيلية باعتبارها محاولة لترجمة التفوق العسكري إلى نفوذ سياسي وأمني أوسع. أما الولايات المتحدة، الشريك الاستراتيجي للمملكة، فقد استخدمت القوة والضغط البحري لتحسين شروطها في مواجهة طهران. وفي المقابل، سعت إيران إلى تعويض اختلال ميزان القوة من خلال توسيع جغرافيا الكلفة، والضغط على الملاحة والطاقة، والاستفادة من الجماعات المسلحة المرتبطة بها.
لكل طرف حساباته. لكنها ليست بالضرورة حسابات المملكة.
لذلك حافظت الرياض على شراكتها الاستراتيجية مع واشنطن، من دون أن تجعل هذه الشراكة انخراطًا تلقائيًا في كل تصعيد. وأبقت باب الحوار مع طهران مفتوحًا، من دون أن يتحول الحوار إلى قبول بالاعتداء.
هذه ليست سياسة وقوف في المنتصف. إنها سياسة توزيع للمسافات وفق المصالح: اقتراب من الشريك حين يحتاج الأمن إلى الردع، واعتراض حين تصبح كلفة التصعيد أكبر من نتائجه؛ حوار مع الجار حين يكون الحوار منتجًا، ورد حازم حين يصبح ضبط النفس مدخلًا إلى سوء التقدير.
وقد ظهر ذلك عندما انطلقت مسيّرات من الأراضي العراقية نحو منشآت نفطية سعودية. نفذت القوات المسلحة السعودية، بالتنسيق مع القيادة المركزية الأميركية، ضربات نوعية محددة ضد أهداف مرتبطة مباشرة بتلك الاعتداءات. وأكدت المملكة أنها لا تسعى إلى التصعيد، لكنها سترد على أي عدوان تتعرض له.
يمكن وصف ذلك بـالردع المحدود والمنضبط: تحديد مصدر الخطر، وحصر الرد في الأهداف المتصلة به، ومنع العملية من التحول إلى حرب بلا سقف، مع إبقاء المسار السياسي مفتوحًا.
القوة هنا ليست غاية. إنها أداة لاستعادة التوازن. وهذه إحدى أصعب وظائف القيادة؛ لأن الإفراط فيها يحرق المكاسب، فيما يشجع غيابها الخصم على تكرار الاختبار.
حين يصبح الاستقرار أصلًا اقتصاديًا
دخل الاقتصاد السعودي الأزمة من موقع أكثر متانة مما كان عليه في أزمات إقليمية سابقة. فقد نما الناتج المحلي الحقيقي بنسبة 4.6% خلال 2025، مدعومًا بنشاط غير نفطي قوي، واحتياطيات مريحة، وقطاع مصرفي متماسك. لكن الحرب والتوقف شبه الكامل للملاحة عبر مضيق هرمز عطّلا التجارة والصادرات وأثرا في الثقة.
وهذه النسبة مصدرها تقرير مشاورات المادة الرابعة لعام 2026، الذي أصدره صندوق النقد الدولي في 29 يوليو 2026. وقد أرجع الصندوق نمو عام 2025 إلى انحسار تخفيضات إنتاج «أوبك+»، وقوة الطلب المحلي، ونمو الناتج غير النفطي بنسبة 4.2%. كما وصف الاقتصاد السعودي بأنه أظهر "مرونة وصلابة" في مواجهة الصدمة، مستندًا إلى قوة الأسس الاقتصادية وتنوع البنية النفطية واللوجستية.
وفي الربع الثاني من 2026، انكمش الناتج الحقيقي بنسبة 4.8% على أساس سنوي، مدفوعًا بصورة أساسية بتراجع الأنشطة النفطية، فيما حافظت الأنشطة غير النفطية على نمو محدود.
والأرقام هنا ليست تقديرات صحفية، بل تقديرات سريعة صادرة عن الهيئة العامة للإحصاء السعودية. فقد نسبت الهيئة الانكماش إلى هبوط الأنشطة النفطية بنسبة 24.7%، في مقابل نمو الأنشطة غير النفطية بنسبة 0.6%، والأنشطة الحكومية بنسبة 0.9%. كما أسهم القطاع النفطي وحده بنحو 5.4 نقاط مئوية سالبة في معدل النمو.
غير أن الرقم لا يروي قصة انهيار، بل يكشف طبيعة الصدمة وحدودها. فقد ساعد خط الأنابيب شرق–غرب وموانئ البحر الأحمر على تقليص تراجع الشحنات، بينما عوض ارتفاع أسعار النفط جزءًا كبيرًا من انخفاض الكميات. ومع ذلك، خفّض صندوق النقد الدولي توقع النمو لعام 2026 إلى 1.7%، بسبب اضطراب التجارة وارتفاع كلفة الشحن والتأمين وتراجع الثقة.
وقدّر الصندوق نمو الناتج غير النفطي خلال 2026 بنحو 2.6%، مع ارتفاع التضخم المتوقع إلى 2.2% تحت تأثير زيادة تكاليف الشحن والتأمين. لكنه توقع استمرار دعم النشاط من خلال استقرار التوظيف، والإنفاق الحكومي، والتنفيذ المتواصل للمشروعات الرأسمالية.
هذه المفارقة هي جوهر اقتصاد الحرب: قد تتحسن الإيرادات النفطية، فيما يتباطأ الاقتصاد. وقد تربح الخزانة من السعر، بينما يدفع المستثمر كلفة المخاطر. فالحرب لا تصبح مكسبًا لدولة نفطية لمجرد ارتفاع البرميل؛ لأن الاقتصاد الحديث لا يعيش على السعر وحده، بل على استقرار الموانئ، وانسياب التجارة، وقابلية التخطيط طويل الأجل.
وتزداد أهمية هذه المعادلة في ظل «رؤية السعودية 2030». فالمملكة لا تبني موازنة سنوية فقط، بل تبني ثقةً دولية في اقتصاد يمتد عبر الصناعة والتقنية والسياحة والخدمات اللوجستية. وقد بلغت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر 32.6 مليار دولار في 2025، بنمو يقارب 53%، بما يعكس ما راكمته المملكة من جاذبية قبل الأزمة، وما بات عليها حمايته خلالها.
والمصدر الأصلي لهذا الرقم هو تقرير الاستثمار العالمي لعام 2026 الصادر عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية «الأونكتاد». وقد أظهر التقرير تقدم المملكة من المرتبة السابعة عشرة إلى المرتبة الثالثة عشرة عالميًا بين أكبر الاقتصادات المستقبلة للاستثمار الأجنبي، وارتفاع رصيد الاستثمارات الأجنبية التراكمي إلى 293.3 مليار دولار.
لذلك لم تكن الدعوة السعودية إلى التهدئة خطابًا دبلوماسيًا ناعمًا. كانت سياسة اقتصادية. فالاستقرار، بالنسبة إلى دولة تستثمر في المستقبل، أصل إنتاجي لا يقل أهمية عن الميناء والطريق ورأس المال البشري.
من حماية الممرات إلى المشاركة في تصميم الأمن
كشفت الأزمة أن تنويع الاقتصاد لا يلغي أثر الجغرافيا؛ بل يرفع أهمية حمايتها. فمضيق هرمز يضغط على الصادرات من الشرق، بينما يبقى البحر الأحمر وباب المندب عرضةً لتهديدات أخرى من الجنوب الغربي.
وكان يمكن للمملكة أن تتعامل مع المسألة بوصفها أزمة ناقلات وحسب. لكنها اختارت نقلها إلى مستوى مؤسسي أوسع.
ففي 30 تموز/يوليو 2026، استضافت وزارة الدفاع اجتماعًا شارك فيه ممثلون عن 43 دولة والاتحاد الأوروبي، لبحث مبادرة سعودية لإنشاء تحالف دفاع بحري متعدد الجنسيات. وأعلنت 14 دولة دعم الترتيبات التأسيسية، واختيرت المملكة دولةً مؤسسة وقائدة ومقرًا دائمًا للتحالف، مع إنشاء قيادة مشتركة ومراكز للسيطرة والعمليات البحرية. وأكد الإعلان أن التحالف دفاعي، وأن مشاركة كل دولة في عملياته تبقى قرارًا سياديًا.
لا يعني ذلك أن السعودية تدّعي إعادة تشكيل النظام الإقليمي منفردة. لكنه يكشف انتقالًا مهمًا: من التكيف مع ترتيبات أمن يصممها الآخرون، إلى رفع مساهمة المملكة في تصميمها وقيادتها.
وهذا تحول يتجاوز حماية النفط. فالدولة التي تشتري الأمن تبقى رهينةً لتوقيت مَن يقدمه وأولوياته. أما الدولة التي تشارك في إنتاجه مؤسسيًا، فتحول الجغرافيا من نقطة تعرض إلى مصدر نفوذ ومسؤولية.
المكاسب وحدود النجاح
حققت إسرائيل بعض أهدافها العسكرية المباشرة، لكنها لم تحصل على تفويض عربي بتحويل تفوقها إلى قيادة سياسية للمنطقة. وأكدت الولايات المتحدة أنها قوة دفاعية لا يمكن لدول الخليج تجاهلها، لكنها أظهرت في الوقت نفسه أن حسابات حربها لا تتطابق دائمًا مع أولويات الاستقرار الخليجي.
أما إيران، فأثبتت قدرتها على التعطيل ورفع كلفة المواجهة. لكنها أضعفت الثقة التي حاولت بناءها مع السعودية منذ اتفاق 2023، ودفعت دول الخليج إلى تعاون دفاعي أكثر تنظيمًا.
وربحت المملكة مساحةً أوسع لاستقلال القرار، وحافظت على شراكاتها، ووسعت دورها في أمن الملاحة، وأظهرت قدرتها على استخدام القوة من دون أن تصبح أسيرةً لها. لكنها تحملت في المقابل كلفة اقتصادية وأمنية حقيقية، وما زالت بعض قدراتها الدفاعية تعتمد على الشراكة مع الولايات المتحدة.
إذًا، النجاح السعودي مهم، لكنه ليس انتصارًا نهائيًا. الاختبار الحقيقي هو تحويل الدروس إلى بنية دائمة: دفاع جوي وصاروخي خليجي أكثر تكاملًا، وتحالف بحري قادر على العمل، ومسارات لوجستية أقل تعرضًا، وحضور سعودي وخليجي مؤثر في أي تسوية مستقبلية مع إيران.
وقد ظهر وزن المملكة السياسي حين أسهمت اتصالات صاحب السمو الملكي ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، إلى جانب اتصالات بعض قادة دول الخليج، في ترجيح خيار التهدئة لدى الرئيس الأميركي دونالد ترمب وتعليق ضربة جديدة على إيران. لم يكن ذلك دفاعًا عن طهران، بل حمايةً لأمن الخليج من ارتدادات تصعيد لا يملك وحده تحديد أهدافه أو توقيته.
وفي الاتصال نفسه، أكد سمو ولي العهد "ضرورة تغليب لغة الحوار لخفض التصعيد"، وبذل الجهود التي تمهد لحلول دبلوماسية وتحول دون الانجرار إلى صراع أوسع يمس الأمن الإقليمي والدولي.
أما الرئيس ترمب، فقد لخّص أثر المشاورات الخليجية بقوله إن القادة الخليجيين "فضّلوا الاتفاق على الهجوم، لأن أحدًا لا يعرف إلى أين تقود الضربات". وأضاف أن السعودية لم تكن تريد تنفيذ الهجوم، لأنها رأت أن التوصل إلى اتفاق أصبح وشيكًا.
الحكم الاستراتيجي
في تقديري، لم تتجسد حكمة المملكة في الابتعاد عن القوة، بل في وضع القوة داخل مشروع سياسي واقتصادي أكبر منها.
حافظت على شراكتها مع واشنطن، من دون أن تتنازل عن استقلال قرارها. احترمت سيادة إيران، من دون أن تمنح اعتداءاتها حصانة. ردت عندما أصبح الرد ضرورة، ثم دفعت نحو التهدئة عندما أصبح التصعيد تهديدًا للمصلحة.
وبين الاندفاع الذي قد يحرق المكاسب، والتردد الذي قد يشجع الخصوم، اختارت القيادة السعودية الطريق الأكثر صعوبة: أن تكون قادرةً على الرد، وقادرةً في الوقت نفسه على منع الرد من التحول إلى حرب بلا نهاية.
فالدولة التي تبني مستقبلًا لا تقيس قوتها بعدد المعارك التي تدخلها، بل بقدرتها على حماية مشروعها الوطني عندما يحاول الآخرون جرّها إلى معاركهم.
وهذه كانت حكمة المملكة: لم تجعل السلام بديلًا من القوة، ولم تجعل القوة عدوًاً للسلام؛ بل جعلت كليهما في خدمة السيادة والاستقرار والمستقبل.




