شهدت العلاقات الاقتصادية السعودية-العُمانية خطوة جديدة مع توقيع عقود تنفيذ المرحلتين الثالثة والرابعة من مشروع تطوير البنية الأساسية للمنطقة الاقتصادية الخاصة بمحافظة الظاهرة في سلطنة عُمان، بتمويل من الصندوق السعودي للتنمية تبلغ قيمته نحو 317 مليون دولار، في مشروع يعكس انتقال التعاون بين البلدين من مرحلة التفاهمات والاستثمارات المتفرقة إلى بناء منصات اقتصادية ولوجستية طويلة الأمد على الحدود المشتركة.
وجرى توقيع عقود التنفيذ بحضور الرئيس التنفيذي لـ الصندوق السعودي للتنمية سلطان بن عبدالرحمن المرشد، ورئيس الهيئة العامة للمناطق الاقتصادية الخاصة والمناطق الحرة قيس بن محمد اليوسف، إلى جانب مسؤولين من الجانبين وسفارة المملكة العربية السعودية لدى سلطنة عُمان.
استكمال بناء قاعدة اقتصادية جديدة على الحدود
يمثل المشروع جزءاً من خطة متكاملة لإنشاء البنية الأساسية للمنطقة الاقتصادية الخاصة بمحافظة محافظة الظاهرة، وهي منطقة اكتسبت أهمية متزايدة خلال السنوات الأخيرة بسبب موقعها الجغرافي القريب من الحدود السعودية، ودورها المتوقع كمنصة صناعية ولوجستية وتجارية تخدم حركة البضائع والاستثمارات بين البلدين وتربط الأسواق الخليجية بممرات التجارة الإقليمية.
وتشمل أعمال التطوير استكمال البنية التحتية الأساسية اللازمة لجذب الاستثمارات الصناعية والخدمية واللوجستية، بما يتضمن شبكات الطرق والمرافق والخدمات التي تسمح بتهيئة المنطقة لاستقبال المشاريع الخاصة ورفع قدرتها التنافسية.
ويحمل دخول شركات سعودية وعُمانية إلى تنفيذ المرحلتين بعداً إضافياً يتجاوز التمويل نفسه، إذ يعكس توجهاً نحو بناء سلاسل قيمة مشتركة وزيادة مشاركة القطاع الخاص في المشاريع العابرة للحدود، وهو اتجاه أصبح أكثر وضوحاً في السياسات الاقتصادية للبلدين خلال السنوات الأخيرة.
من تمويل مشاريع إلى بناء ممر اقتصادي سعودي–عُماني
لا يأتي المشروع بمعزل عن التحول الذي شهدته العلاقات السعودية-العُمانية في السنوات الاخيرة، عندما دخل البلدان مرحلة جديدة من التقارب الاقتصادي والاستثماري بعد سنوات كانت فيها العلاقات السياسية جيدة لكن النشاط الاقتصادي أقل كثافة.
ومنذ ذلك الحين، اتجه الجانبان إلى بناء روابط أكثر عمقاً عبر الاستثمار والبنية التحتية والتكامل الصناعي والخدمات اللوجستية، مدفوعين برؤية مشتركة تقوم على تنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على مسارات التجارة التقليدية وتعزيز الربط الإقليمي.
وتكتسب محافظة الظاهرة أهمية خاصة ضمن هذا التوجه لأنها تقع على امتداد مشروع الطريق البري المباشر بين السعودية وعُمان الامر الذي ساعد على خفض المسافات وتكاليف النقل وفتح المجال أمام إعادة رسم تدفقات التجارة وحركة الشحن بين البلدين.
مشاريع أخرى تعكس تسارع الشراكة السعودية–العُمانية
خلال الأعوام الأخيرة شهدت العلاقات الاقتصادية بين البلدين عدداً من المشاريع والاستثمارات البارزة، من أبرزها: تطوير وتشغيل أجزاء من ميناء الدقم واستقطاب استثمارات سعودية إلى المنطقة الاقتصادية المحيطة به، توسع الاستثمارات السعودية في قطاعات التعدين والطاقة والصناعات التحويلية داخل سلطنة عُمان، ومشروع الطريق البري المباشر بين المملكة العربية السعودية وسلطنة عُمان الذي أصبح أحد أبرز مشاريع الربط الإقليمي في الخليج، تنامي التعاون بين الصناديق والمؤسسات التمويلية في البلدين لدعم مشاريع البنية التحتية والتنمية، و زيادة الاستثمارات الصناعية المشتركة واستكشاف فرص إقامة مناطق إنتاج وخدمات لوجستية مرتبطة بالتجارة الإقليمية.
الظاهرة… اختبار لقدرة الخليج على بناء مراكز نمو جديدة
يحمل المشروع أيضاً دلالة أوسع تتعلق بطريقة تفكير اقتصادات الخليج في المرحلة الحالية. فالتركيز يتجه إلى إنشاء مراكز نمو جديدة داخل المناطق الحدودية وربطها بشبكات الطرق والصناعة والخدمات اللوجستية والاستثمار.
ومن هذا المنطلق، تبدو المنطقة الاقتصادية الخاصة بالظاهرة محاولة لبناء عقدة اقتصادية جديدة بين السعودية وعُمان يمكن أن تستقطب التصنيع والخدمات والتخزين وإعادة التصدير، وأن تتحول تدريجياً إلى أحد المسارات التي تدعم تنويع الاقتصادين ورفع مستوى التكامل الخليجي على الأرض.




