أعلنت شركة الأول للاستثمار، الذراع الاستثمارية لـ البنك السعودي الأول (ساب)، تسجيلها رسمياً لدى السوق المالية السعودية كأول صانع سوق لصناديق المؤشرات المتداولة (ETF) في "تداول"، في خطوة تعكس تسارع تطور البنية المؤسسية للسوق السعودية واتساع دور المؤسسات المالية المحلية في تطوير أدوات الاستثمار والتداول المتقدمة.
خطوة تتجاوز إطلاق منتج استثماري
تتجاوز أهمية الخطوة على كونها مرتبطة بصندوق مؤشرات متداول جديد. فهي تؤشر على دخول السوق السعودية مرحلة أكثر تقدماً في إدارة السيولة والتسعير داخل سوق صناديق المؤشرات المتداولة. فصناعة السوق تعد من الركائز الأساسية لرفع كفاءة الأسواق المالية المتقدمة، إذ يقوم صانع السوق بتوفير أوامر بيع وشراء مستمرة، بما يخفف من تقلبات الأسعار ويقلص الفجوة بين سعري العرض والطلب، ويزيد من سهولة دخول المستثمرين وخروجهم من الأداة الاستثمارية.
وفي السوق السعودية، التي شهدت خلال السنوات الأخيرة توسعاً كبيراً في عدد الإدراجات والأدوات الاستثمارية وتدفقات المستثمرين الأجانب، تبرز الحاجة بصورة أكبر إلى مؤسسات قادرة على توفير عمق وسيولة مستمرة للمنتجات المالية، خصوصاً مع تنامي الاهتمام بصناديق المؤشرات المتداولة باعتبارها أدوات منخفضة التكلفة تمنح المستثمرين فرصا كبيرة للوصول الى كافة الأسواق والقطاعات.
دعم لتطور سوق صناديق المؤشرات المتداولة
ستتولى الأول للاستثمار بموجب التسجيل مهمة صناعة السوق لصندوق "الأول للاستثمار السعودي الكمي المتداول" المدرج في السوق، والذي تصفه الشركة بأنه أول صندوق مؤشرات متداول متوافق مع الشريعة الإسلامية يعتمد على استراتيجيات استثمار كمية في السوق السعودية.
ويعكس ذلك اتجاهاً أوسع داخل السوق السعودية نحو إدخال استراتيجيات استثمار أكثر تطوراً تعتمد على النماذج الكمية والتحليل المنهجي، وهي توجهات كانت حتى وقت قريب أكثر انتشاراً في الأسواق العالمية الكبرى مقارنة بأسواق المنطقة.
كما أن دخول صناعة السوق إلى قطاع صناديق المؤشرات المتداولة قد يساعد على زيادة جاذبية هذه الصناديق للمستثمرين الأفراد والمؤسسات، خاصة أن أحد أبرز التحديات التي تواجه بعض صناديق المؤشرات في الأسواق الناشئة يتمثل في محدودية السيولة واتساع الفروقات السعرية.
ماذا يعني ذلك بالنسبة إلى "الأول للاستثمار" و"ساب"؟
تمثل الخطوة توسعاً نوعياً في نشاط "الأول للاستثمار"، التي تدير أصولاً بقيمة 37.5 مليار ريال وحققت إيرادات بلغت 564.6 مليون ريال خلال عام 2025، بحسب بيانات الشركة.
وبالنسبة إلى البنك السعودي الأول، فإن تطوير الذراع الاستثمارية بهذا الشكل ينسجم مع توجه البنوك السعودية الكبرى إلى تنويع مصادر الإيرادات وتعزيز الأنشطة المرتبطة بأسواق المال وإدارة الأصول والوساطة، في وقت تشهد فيه المملكة توسعاً سريعاً في سوق الاستثمار المؤسسي وإدارة الثروات.
كما تمنح هذه الخطوة "ساب" حضوراً أكبر في أحد أسرع قطاعات السوق المالية نمواً، خصوصاً مع توسع استخدام الصناديق المتداولة من قبل المستثمرين المحليين والدوليين كأداة للدخول إلى السوق السعودية أو بناء مراكز استثمارية قطاعية ومنهجية.
السوق السعودية تنتقل إلى مرحلة أعمق
تأتي هذه التطورات في وقت تعمل فيه السعودية على تعميق سوقها المالية ضمن مستهدفات رؤية 2030 وبرنامج تطوير القطاع المالي، عبر زيادة الأدوات الاستثمارية، وتحسين البنية التنظيمية والتقنية، واستقطاب المستثمرين الأجانب والمؤسسات العالمية.
وخلال السنوات الماضية، انتقلت السوق السعودية من مرحلة التركيز على الطروحات والإدراجات إلى مرحلة أكثر تعقيداً تشمل تطوير المشتقات المالية، وصناديق المؤشرات، وصناعة السوق، والاستثمار الكمي، وخدمات الحفظ والوساطة المؤسسية، وهو ما يعكس تحوّل السوق تدريجياً إلى منصة مالية أكثر قرباً من خصائص الأسواق العالمية الكبرى.
وتكتسب هذه التحولات أهمية إضافية في مرحلة تشهد فيها المنطقة تغيرات كبيرة في تدفقات رؤوس الأموال وإعادة تموضع المستثمرين بعد حرب إيران وما رافقها من تقلبات في أسواق الطاقة والائتمان العالمية، إذ تسعى السعودية إلى تعزيز قدرة سوقها المالية على استيعاب التدفقات الاستثمارية وتوفير أدوات أكثر تنوعاً وكفاءة للمستثمرين المحليين والدوليين.
منافسة متزايدة على إدارة الثروات والاستثمار المؤسسي
تعكس الخطوة كذلك احتدام المنافسة بين البنوك السعودية الكبرى وشركات الاستثمار التابعة لها على قطاعات إدارة الأصول والثروات والخدمات الاستثمارية المتقدمة، في ظل توقعات باستمرار نمو هذه الأنشطة مع ارتفاع حجم السيولة المحلية، وتوسع مشاركة المستثمرين الأجانب، وتسارع تطوير المنتجات الاستثمارية المتوافقة مع الشريعة الإسلامية.
ومن المرجح أن يشجع نجاح تجربة صناعة السوق لصناديق المؤشرات المتداولة دخول مؤسسات مالية أخرى إلى هذا المجال، ما قد يسهم تدريجياً في رفع مستويات السيولة وكفاءة التسعير داخل السوق السعودية بشكل عام، ويعزز جاذبية "تداول" كمركز مالي إقليمي عميق ومتطور.




