لا يمثل إعلان اتحاد الغرف السعودية عن إستراتيجيته للفترة 2026–2030 مجرد اعلان عادي أو تحديث في أدوات العمل المؤسسي بقدر ما يمثل لحظة تأسيسية يعيد فيها الاتحاد تعريف نفسه ودوره في الاقتصاد السعودي.
للمرة الأولى، يتجاوز اتحاد الغرف السعودية دوره التقليدي كمظلة تمثيلية للغرف التجارية السعودية ليرسم لنفسه دوراً مؤسسياً أكثر تقدماً ونشاطاً، يقوم على تعزيز مساهمته في صياغة السياسات الاقتصادية، وتنسيق توجهات القطاع الخاص، وبناء شراكات استراتيجية تعزز حضوره محلياً ودولياً، بما يجعله فاعلاً مباشراً في دعم وتوجيه مسارات النمو الاقتصادي، لا مجرد جهة تعبّر عن مصالحه.
توقيت يكشف عمق التحول في رؤية 2030
تكتسب هذه الخطوة دلالتها من توقيتها المتزامن مع دخول رؤية السعودية 2030 مرحلتها التنفيذية الثالثة، حيث تتقدم أولويات تعظيم الأثر الاقتصادي والاجتماعي والاستدامة وخلق فرص العمل وتعزيز المحتوى المحلي. في هذه المرحلة، بات المطلوب وجود مؤسسات قادرة على تحويل الممكنات المتوافرة إلى نتائج اقتصادية ملموسة. هنا يأتي الاتحاد ليعلن انتقاله إلى هذا الدور، بوصفه منصة تنظيمية واستراتيجية تقود القطاع الخاص نحو مرحلة أكثر تأثيراً ومشاركة في الاقتصاد. فمع تحول دور الدولة إلى وضع الاطر التنظيمية وتحديد الأولويات الاستراتيجية وتوفير البنية التحتية الداعمة، أصبح هناك فرصة كبيرة أمام القطاع الخاص للتقدم إلى موقع قيادي في الاستثمار والانتاج والتشغيل.
عبدالله صالح كامل… من رئاسة الاتحاد إلى بناء دور جديد له
في قلب هذا التحول يبرز اسم عبدالله بن صالح كامل كقوة دافعة لإعادة صياغة موقع الاتحاد ووظيفته. ما يميّز هذه المرحلة هو أن الاستراتيجية تأتي كإطار عمل يعكس رؤية قيادية تسعى إلى تحويل الاتحاد من كيان تنسيقي إلى مؤسسة ذات دور اقتصادي مباشر.
وتعكس المنهجية التي استندت إليها الإستراتيجية، من تحليل الوضع الراهن إلى الاستفادة من أفضل الممارسات الدولية وإشراك أصحاب المصلحة، توجهاً واضحاً نحو بناء مؤسسة حديثة قادرة على العمل بمعايير عالمية، وهو ما يرتبط بشكل وثيق برؤية القيادة الجديدة للاتحاد وطبيعة عبدالله صالح كامل كصاحب رؤية وتجربة واسعة وكرجل تخطيط وتنفيذ وتحفيز.
من الصوت إلى التأثير
يتمثل التحول الأبرز في الإستراتيجية في الانتقال من تمثيل صوت القطاع الخاص إلى تعزيز تأثيره. ويعكس هذا الفارق نقلة نوعية في طبيعة الدور. فبدلاً من الاكتفاء بنقل مطالب القطاع الخاص، يسعى الاتحاد إلى أن يكون شريكاً في صياغة السياسات الاقتصادية وفي الاستثمار، عبر بناء قنوات تأثير مؤسسية قائمة على البيانات، والشراكات، والتكامل مع الجهات الحكومية.
ركائز ثلاث… لكنها تعيد بناء المنظومة بالكامل
ترتكز الإستراتيجية على دعائم رئيسية أهمها تمثيل المصالح المشتركة، وتمكين الغرف التجارية، وترسيخ الحوكمة والتميز المؤسسي. إلا أن أهمية هذه الركائز تكمن في أنها تعيد بناء المنظومة من الداخل، عبر رفع كفاءة الغرف، وتعزيز التكامل بينها، وتطوير أدوات العمل المؤسسي بهدف خلق شبكة أكثر انسجاماً وقدرة على التحرك ككيان موحد.
تنفيذ يترجم الطموح إلى نتائج
تركز الإستراتيجية على التنفيذ عبر 10 أهداف و22 مبادرة عملية. ويُظهر هذا التصميم فهماً بأن التحدي الحقيقي يتعدى صياغة الطموحات ليشمل تحويلها إلى أثر اقتصادي. ومن هنا، تركز المبادرات على مجالات مباشرة مثل دعم الصادرات، جذب الاستثمارات، وتوسيع الشراكات، وهي أدوات تمس صلب النشاط الاقتصادي وتؤثر في ديناميكيته.
القطاع الخاص… من شريك في التنفيذ إلى شريك في القيادة
تعكس الإستراتيجية إدراكاً متقدماً بأن المرحلة المقبلة من التحول الاقتصادي تتطلب إعادة تموضع القطاع الخاص ليكون شريكاً في قيادة النمو. وهذا ما يسعى الاتحاد إلى ترسيخه، عبر تمكين القطاع الخاص من أدوات التأثير، وتعزيز حضوره في الأسواق المحلية والدولية.
إشارة على نضج مؤسسي يتجاوز الإطار التقليدي
في جوهرها، تعكس هذه الإستراتيجية انتقال الاتحاد إلى مرحلة نضج مؤسسي، يصبح فيها لاعباً أكثر فعالية في المنظومة الاقتصادية، يمتلك رؤية، وأدوات تنفيذ، وقدرة على التأثير. وهي خطوة تعكس أيضاً تطور البيئة الاقتصادية السعودية، التي باتت تتطلب مؤسسات وسيطة قوية قادرة على الربط بين السياسات والقطاع الخاص بكفاءة عالية.
بداية مرحلة جديدة… لا للاتحاد فقط بل لدور القطاع الخاص
بهذا المعنى، يمكن النظر إلى الإستراتيجية كبداية مرحلة جديدة في علاقة القطاع الخاص بالاقتصاد السعودي. مرحلة يقود فيها الاتحاد، بدفع من قيادة جديدة ورؤية أكثر طموحاً، تحولاً في كيفية تنظيم هذا القطاع، تمثيله، وتأثيره.
إنها مرحلة ينتقل فيها الاتحاد من موقع المراقب المنسق إلى موقع الفاعل المؤثر، في انسجام واضح مع متطلبات المرحلة الثالثة من رؤية 2030، حيث يصبح الأداء المؤسسي والقدرة على التنفيذ والتأثير هي المعيار الحقيقي للنجاح.
فيصل أبو زكي




