السعودية: صندوق الاستثمارات العامة
استراتيجية جديدة لعالم مختلف

18.05.2026
محافظ صندوق الاستثمارات العامة ياسر الرميان
Twitter icon
Facebook icon
LinkedIn icon
e-mail icon
شارك هذه الصفحة مع آخرين
Print Friendly, PDF & Email

كتب فيصل أبوزكي

يحمل إعلان الاستراتيجية الجديدة لصندوق الاستثمارات العامة في خضم حرب إيران دلالة تتجاوز التوقيت. فالرسالة التي أرادت السعودية إيصالها ترتبط أكثر بثبات المسار نفسه منه باستمرار المشاريع أو الحفاظ على الإنفاق الاستثماري. لم توقف الحرب الرؤية التي دخلت ربعها الأخير، ولم تدفع إلى تجميد التحول أو إعادة النظر في أهدافه الكبرى، لكنها فرضت إعادة ضبط لإيقاع التنفيذ وطريقة إدارة الموارد والأولويات في عالم مختلف تماماً عن ذلك الذي انطلقت فيه رؤية 2030 قبل نحو عقد.

هذه النقطة أساسية لفهم ما يجري اليوم. فإعادة ضبط المشروع السعودي لا تنطلق من أزمة مالية كما تحاول بعض القراءات تصويرها، بل من تراكم الخبرة والتجربة خلال عقد استثنائي من حيث كثافة تحولاته واختباراته. ما مرت به السعودية خلال هذه السنوات، من إطلاق مشاريع عملاقة، وإعادة بناء قطاعات، ومواجهة صدمات عالمية، وصولاً إلى حرب إيران، يعادل في كثافته ما تختبره دول خلال عقود كاملة. ولهذا، فإن إعادة ترتيب الأولويات تبدو أقرب إلى مؤشر نضج مؤسسي وقدرة على التعلم والتكيّف، لا إلى تراجع أو انكفاء.

العالم الذي بدأت فيه الرؤية لم يعد قائماً

حين أُطلقت رؤية 2030 عام 2016، كان العالم يتحرك ضمن إيقاع مختلف. العولمة كانت لا تزال في ذروة تمددها، وسلاسل الإمداد تعمل بكفاءة عالية، والاقتصاد العالمي يدور حول نموذج تقوده الأسواق المفتوحة والتكامل الاقتصادي. اليوم تبدلت الصورة جذريا.

يشهد العالم عملية إعادة تفكيك تدريجية للعولمة كما تشكلت بعد الحرب العالمية الثانية. تجاوز التوتر الأميركي-الصيني التجارة إلى التكنولوجيا والطاقة والذكاء الاصطناعي والتمويل والثقافة. أصبحت سلاسل الإمداد جزءاً من الأمن القومي. عادت الحمائية بقوة. والجغرافيا السياسية استعادت تأثيرها المباشر في الاقتصاد.

في الوقت نفسه، ظهرت قوى صاعدة لم تكن تتمتع بالوزن نفسه قبل عقد، سواء الصين أو مجموعة واسعة من البلدان النامية التي تسعى إلى توسيع هامش حركتها واستقلال قرارها الاقتصادي والسياسي.

لا تشكل هذه التحولات خلفية بعيدة للتحول السعودي. انها تدخل مباشرة في صلب إعادة ضبطه. فالاقتصاد الذي تسعى المملكة إلى بنائه لم يعد يتحرك في عالم مستقر يمكن فيه الفصل بين التجارة والسياسة أو بين الاستثمار والأمن.

الصندوق… أداة إعادة تشكيل الاقتصاد

ضمن هذا السياق، لعب صندوق الاستثمارات العامة دور القاطرة التي أعادت تشكيل بنية الاقتصاد وفق رؤية 2030. تحرك  الصندوق كمستثمر طليعي يؤسس القطاعات الجديدة، وكصانع سوق يخلق الطلب، وكمنصة تبني منظومات اقتصادية متكاملة، لا كمستثمر تقليدي يبحث عن عوائد مالية فقط.

دخل الصندوق قطاعات لم تكن قائمة فعلياً بهذا الحجم، من السياحة والترفيه والثقافة إلى التقنية والصناعة والخدمات اللوجستية. أسس شركات وطنية، وخلق نشاطاً اقتصادياً جديداً، ودفع القطاع الخاص إلى الدخول في مجالات كانت تتطلب في بدايتها مستوى مرتفعاً من رأس المال والمخاطرة.

كانت هذه المرحلة ضرورية لكسر النموذج الاقتصادي التقليدي القائم على الاعتماد شبه الكامل على النفط والإنفاق الحكومي، والانتقال إلى اقتصاد أكثر تنوعاً وقدرة على إنتاج القيمة.

من بناء الحجم إلى إدارة القيمة

في هذا الإطار، تأتي الاستراتيجية الجديدة للصندوق للسنوات الخمس المقبلة كتعبير عن انتقال المشروع إلى مرحلة أكثر تعقيداً. لقد أعلن الصندوق بوضوح أن المرحلة المقبلة ستركز على تحقيق القيمة، وتعظيم العائد المعدل بالمخاطر، ورفع كفاءة رأس المال، وتعزيز الأثر الاقتصادي، وزيادة مساهمة القطاع الخاص، ورفع المحتوى المحلي، وخلق فرص العمل.

كما أعاد الصندوق تنظيم محفظته الاستثمارية ضمن مسارات أكثر وضوحاً تشمل محفظة الرؤية، والمحفظة الاستراتيجية، والمحفظة المالية، مع انتقال متزايد من الاستثمار في مشاريع منفصلة إلى بناء منظومات اقتصادية مترابطة.

لا تعني هذه التحولات التخلي عن المشاريع الكبرى أو التراجع عنها، إنما إعادة ضبط إيقاعها وربطها بقدرتها على خلق أثر اقتصادي أوسع. فالمشاريع في الحالة السعودية أصبحت تُقيم بدورها في بناء الاقتصاد الجديد الذي تستهدفه رؤية 2030.

تشكل مشاريع نيوم، ومشاريع البحر الأحمر، والاستثمارات اللوجستية والصناعية وغيرها، ركائز في مشروع بناء اقتصاد جديد يربط بين قوة المملكة التاريخية في الطاقة والتمويل، وزخم التحول الذي تشهده اليوم، والطموح لترسيخ موقع السعودية كمركز للتقنية واللوجستيات والاستثمار خلال العقود المقبلة.

في هذه الحالة، تتحول إعادة الضبط إلى جزء من عملية أوسع لإدارة مشروع اقتصادي بحجم دولة تتحرك في عالم شديد التقلب، حيث تتداخل اعتبارات النمو والاستثمار مع متطلبات الصلابة الاقتصادية والقدرة على التكيف مع التحولات العالمية والإقليمية.

من المشاريع إلى المنظومات

يظهر التغيير الأعمق في طريقة التفكير نفسها. وينتقل التركيز من التعامل مع كل مشروع بمعزل عن الآخر إلى بناء شبكات مترابطة من القطاعات والأنشطة.

ترتبط السياحة بالمطارات والنقل والخدمات. تتكامل الصناعة مع الطاقة والخدمات اللوجستية. تتحول المدن الجديدة إلى منصات تجمع بين التقنية والطاقة والأنشطة الاقتصادية. ويرفع هذا الترابط الكفاءة ويزيد القيمة المضافة ويخلق بيئة أكثر قدرة على جذب الاستثمار الخاص.

كما يفتح مفهوم المنظومات المجال أمام استخدام أوسع للبيانات والذكاء الاصطناعي والتقنيات المتقدمة في تحسين الأداء ورفع الإنتاجية، في وقت تتحول فيه التكنولوجيا إلى أحد أهم مصادر النفوذ الاقتصادي والجيوسياسي في العالم.

حرب إيران… اختبار للتحول

جاءت حرب إيران لتضع هذا النموذج أمام اختبار عملي مباشر. الحرب كانت أكثر من أزمة إقليمية. كانت اختبارا أظهر طبيعة العالم الذي يتحرك فيه المشروع السعودي الجديد.

لقد تعرضت أسواق الطاقة لضغوط حادة لم تشدها من قبل. اضطربت سلاسل الإمداد. قفزت كلفة التأمين والشحن، ودخلت التوازنات الإقليمية مرحلة جديدة، مع تراجع النفوذ الإيراني في عدد من الساحات وصعود إسرائيل عسكرياً ومحاولتها فرض نفسها كقوة إقليمية أولى.

في هذه البيئة، ظهرت نتائج التحول السعودي بصورة أوضح.  اقتصادياً، حافظت المملكة على استقرارها المالي واستمرارية مشاريعها، واستمرت القطاعات غير النفطية في العمل رغم الضغوط.

عسكرياً وأمنياً، نجحت السعودية في التصدي لمعظم الهجمات التي استهدفت منشآتها الحيوية، مع الحفاظ على سلامة المجتمع واستمرارية البنية التحتية. هذه النتيجة تعكس استثمارات طويلة في الجاهزية والقدرات الدفاعية.

لوجستياً، تحولت المملكة إلى مسار رئيسي للتجارة عبر موانئ البحر الأحمر وشبكات الطرق والسكك الحديدية، وهذا ما عزز دورها كمحور لوجستي إقليمي في لحظة اضطراب حقيقية.

وفي قطاع الطاقة، لعب خط أنابيب شرق-غرب دوراً حاسماً في استمرار تدفق الصادرات عبر البحر الأحمر، الأمرالذي ساهم في الحد من اضطراب الأسواق العالمية وتجنب صدمة أعمق في الإمدادات.

سياسياً، أدارت المملكة الأزمة بتوازن دقيق، مع مساهمة في دعم الوساطة التي قادتها باكستان، وهذا ما يعكس توظيفاً متزايداً للثقل الاقتصادي والسياسي في إدارة التوازنات الإقليمية.

السعودية… قوة بطموح عالمي

تضع هذه التحولات السعودية في موقع مختلف عن ذلك الذي كانت عليه قبل عقد. أصبحت  المملكة تتحرك كقوة إقليمية صاعدة ضمن العالم النامي، تمتلك أدوات اقتصادية ولوجستية وسياسية متزايدة.

يفرض هذا التموضع على السعودية إدارة توازنات دقيقة في عالم يتجه نحو تعدد الأقطاب، حيث تتنافس الولايات المتحدة والصين على النفوذ، وتزداد أهمية القوى الوسطى القادرة على الحفاظ على هامش حركة مستقل.

وعلى هذه الموجة، يتحول الاقتصاد إلى أداة نفوذ بقدر ما هو أداة نمو، وتصبح التكنولوجيا واللوجستيات والطاقة عناصر متكاملة في بناء المكانة الدولية.

إدارة التوازن… الدور الجديد للصندوق

ضمن هذه البيئة، يتطور دور صندوق الاستثمارات العامة من قيادة التوسع إلى إدارة التوازن في المرحلة الحالية التي تركز على تحقيق نمو مستدام مع الحفاظ على كفاءة رأس المال، وتعزيز دور القطاع الخاص، ورفع قدرة الاقتصاد على الصمود أمام الصدمات.

يرتبط هذا التحول مباشرة بالإطار الذي وضعه ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان ضمن رؤية 2030، حيث جرى استخدام الصندوق كأداة لإعادة بناء الاقتصاد وفق قواعد جديدة. وعلى المستوى التنفيذي، يقود ياسر الرميان عملية ترجمة هذه التوجهات إلى قرارات استثمارية أكثر انتقائية وانضباطاً.

اليوم يتحرك الصندوق كمنظم للإيقاع الاقتصادي، يوجّه الاستثمار نحو القطاعات الأعلى تأثيراً، ويعيد ترتيب الأولويات بما ينسجم مع تعقيدات المرحلة الجديدة.

المرحلة المقبلة… اختبار الاستدامة

يدخل التحول السعودي الآن مرحلة مختلفة يُعرَّف فيها النجاح بقدرة الاقتصاد على الاستمرار وتحقيق القيمة في عالم يتغير اقتصادياً وجيوسياسياً وتكنولوجياً.

تعكس الاستراتيجية الجديدة للصندوق هذا الانتقال بوضوح. فهي لا تُعبر عن تراجع في الطموح بقدر ما تعبر عن انتقال المشروع إلى مستوى أعلى من التعقيد والتطور، حيث تصبح إدارة المخاطر، والمرونة، والكفاءة، والقدرة على التكيف، عناصر لا تقل أهمية عن سرعة النمو وحجم الاستثمار.

وهنا تحديداً يبدأ الاختبار الأصعب وهو كيفية تحويل الزخم الذي بُني خلال العقد الماضي إلى نموذج اقتصادي مرن ومستدام، وتعزيز موقع السعودية كقوة اقتصادية ولوجستية وسياسية في عالم يتغير بسرعة.