سابك: من تغيير القيادة
إلى إعادة صياغة موقعها عالمياً

09.04.2026
Twitter icon
Facebook icon
LinkedIn icon
e-mail icon
شارك هذه الصفحة مع آخرين
Print Friendly, PDF & Email

جاء إعلان سابك في أواخر آذار/مارس 2026 تعيين رئيس تنفيذي جديد امتداداً مباشراً لنتائجها السنوية التي أُعلنت قبل أسابيع، والتي كشفت عن خسائر تجاوزت 24 مليار ريال سعودي. هذا التتابع بين النتائج والتغيير القيادي يشكّل محطة مفصلية في مسار الشركة، ويعكس بوضوح أن ما يجري يتجاوز كونه مجرد تبديل إداري، ليمثل بداية تحول أعمق يعيد صياغة موقع سابك ودورها في صناعة البتروكيماويات العالمية.

ومن هنا، يمكن قراءة هذه المرحلة كتحول استراتيجي نحو نموذج أكثر تركيزاً وكفاءة، يستهدف تمكين سابك من أن تكون ضمن كبار اللاعبين في البتروكيماويات المتقدمة ذات القيمة المضافة، مستندة إلى تكاملها مع أرامكو السعودية، مع ما يتيحه ذلك من دمج سلسلتين ضخمتين للقيمة هما: النفط الخام والتكرير من جهة، والبتروكيماويات من جهة أخرى.

نتائج 2025: استقرار الايرادات وتراجع الارباح

أظهرت نتائج 2025 استقراراً نسبياً في الإيرادات عند 116.53 مليار ريال، مقارنة بـ 117.74 مليار ريال في 2024، ما يوحي للوهلة الأولى بثبات في النشاط. إلا أن هذا الاستقرار يخفي تحولاً جوهرياً في بنية الربحية، حيث انخفض الربح الإجمالي بنحو 17 في المئة، وتراجع دخل العمليات بأكثر من 50 في المئة نتيجة ضغوط الأسعار العالمية وارتفاع تكاليف الإنتاج.

لكن التحول الأكبر يظهر في صافي النتائج، إذ سجلت الشركة خسارة قدرها 25.78 مليار ريال في 2025، مقابل صافي ربح بلغ 1.54 مليار ريال في 2024.  ويعكس  هذا التغيير تراجع الهوامش، ويرتبط بشكل أساسي بخسائر دفترية كبيرة ناتجة عن إعادة الهيكلة.

جدول 1: أهم المؤشرات المالية

(مليار ريال)

 

ويظهر هذا التباين بين استقرار الإيرادات وتدهور الربحية بوضوح أن جوهر التحدي لم يكن في حجم النشاط، إنما في جودة العوائد وهوامش التشغيل.

من أصول مرتفعة الكلفة إلى محفظة أكثر كفاءة

جاء الجزء الأكبر من الخسارة من جراء تصنيف أنشطة كعمليات متوقفة وإعادة تقييمها بالقيمة العادلة قبل التخارج، لا سيما في أوروبا وأميركا، حيث بلغت خسائر العمليات المتوقفة نحو 24.38 مليار ريال.

لذا لا يمكن فهم ما قامت به سابك بمعزل عن التحولات التي تشهدها الصناعة عالمياً، حيث تواجه الأصول الأوروبية تحديداً ضغوطاً متزايدة نتيجة ارتفاع تكاليف الطاقة والتشغيل، مقابل توسع الطاقات الإنتاجية في آسيا. وعليه، اتجهت الشركة إلى إغلاق بعض الأصول غير التنافسية، مثل وحدة التكسير في تيزايد بالمملكة المتحدة، والتخارج من مجموعة أوسع من الأصول الأوروبية.

كما شمل هذا المسار بيع أعمال البتروكيماويات الأوروبية، التي تضم مواقع في المملكة المتحدة وهولندا وألمانيا وبلجيكا، إلى جانب التخارج من أعمال اللدائن الهندسية في أوروبا والأميركيتين، والتي تشمل مواقع إنتاج في الولايات المتحدة والمكسيك والبرازيل وإسبانيا وهولندا.

جدول 2: أبرز عناصر إعادة الهيكلة

 

بهذا المعنى، تمثل خسائر 2025 كلفة مباشرة لإعادة تشكيل المحفظة، ونقطة تحول نحو نموذج تشغيلي أكثر كفاءة، يتخلص من الأصول الأعلى كلفة ويعيد توجيه رأس المال نحو فرص أعلى عائداً.

التكامل مع أرامكو

ضمن هذا التحول، يبرز التكامل مع أرامكو السعودية كأحد أهم مرتكزات المرحلة المقبلة. فالعلاقة بين الشركتين أصبحت إطاراً لإعادة تنظيم سلاسل القيمة الصناعية.

ويتيح هذا التكامل تطوير مشاريع مشتركة تمتد من النفط إلى الكيماويات، وتعزيز كفاءة استخدام الموارد، وتنسيق الاستثمارات على مستوى المنظومة. كما يمنح سابك قدرة أكبر على التخطيط طويل الأجل، والاستفادة من البنية اللوجستية والقوة المالية والحضور العالمي لأرامكو، خصوصاً في الأسواق الآسيوية التي تمثل مركز الطلب العالمي الأسرع نمواً.

ويضع هذا الدمج بين سلسلتي النفط والبتروكيماويات سابك ضمن نموذج صناعي أكثر تكاملاً وقدرة على المنافسة.

نحو آسيا ومنتجات أعلى قيمة

في مقابل التخارج من بعض الأصول في أوروبا وأميركا، يتجه ثقل التوسع نحو آسيا، حيث تنفذ سابك مشروعها الأكبر في الصين، وهو مجمع فوجيان للبتروكيماويات، باستثمار يتجاوز 6 مليارات دولار وطاقة إنتاجية كبيرة. ويؤكد هذا الشمروع توجه الشركة نحو الأسواق ذات النمو المرتفع.

بالتوازي مع ذلك، تتحرك سابك نحو توسيع حضورها في المنتجات المتخصصة ذات القيمة المضافة، مثل المواد الهندسية والبوليمرات المتقدمة، التي توفر هوامش أعلى وتقلل من الاعتماد على المنتجات الأساسية الأكثر تقلباً.

كما بدأت الشركة في توظيف التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي لتحسين كفاءة التشغيل، في إطار تحول أوسع نحو نموذج صناعي أكثر تطوراً يعتمد على التكنولوجيا.

جدول 3: التمركز الاستراتيجي الجديد

 

بين اضطراب الإمدادات وفرص الأسعار

تضيف التطورات الجيوسياسية في المنطقة والعالم بعداً جديداً لهذا التحول. فاضطراب سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف الشحن نتيجة حرب إيران قد يفرضان تحديات تشغيلية، في حين أن نقص المعروض العالمي يدعم أسعار بعض المنتجات، خصوصاً الأسمدة.

بالنسبة لسابك، فإن قدرتها على الاستفادة من هذه المعادلة ستعتمد على قدرتها على الحفاظ على تدفق صادراتها. فإذا نجحت في ذلك، قد تتحول هذه الظروف إلى عامل دعم، أما إذا تعثرت سلاسل الإمداد، فقد تتراجع هذه الاستفادة.

ركيزة في اقتصاد متنوع

في الإطار الأوسع، تمثل هذه التحولات جزءاً من رؤية أكبر، حيث تُعد سابك إحدى الركائز الأساسية في رؤية السعودية 2030 لتطوير محركات جديدة للنمو. ويتجلى ذلك في دورها في تعميق المحتوى المحلي، وإدماج الشركات السعودية، لا سيما المتوسطة والصغيرة، في سلاسل الإمداد، إلى جانب رفع المحتوى التكنولوجي للصناعة.

ومن خلال هذا الدور، تسهم سابك في تحويل الموارد المالية إلى قاعدة إنتاجية صناعية متقدمة، تعزز الاستدامة الاقتصادية وتدعم تنويع مصادر الدخل في المملكة.

ولادة نموذج جديد

ما يجري في سابك اليوم هو إعادة تموضع تتماشى مع التحولات العالمية في الصناعة. فالتغيير القيادي، ونتائج 2025، وإعادة الهيكلة، والتكامل مع أرامكو، والتوسع في آسيا، كلها محطات مترابطة ضمن مسار واحد يقود إلى ولادة شركة أكثر تركيزاً وكفاءة وقدرة على تحقيق الربحية عبر الدورات الاقتصادية، وأوسع حضوراً في الأسواق العالمية. ومن هنا، تقف سابك على أعتاب مرحلة جديدة تعيد تثبيت موقعها كأحد أبرز اللاعبين في صناعة البتروكيماويات العالمية.