الإقتصاد والأعمال
تكشف نتائج "جاهز" لعام 2025 عن شركة تتحرك في قطاع لم يعد يشبه نفسه قبل سنوات قليلة. فالسوق السعودية التي كانت تكافئ النمو السريع باتت اليوم أكثر ازدحاماً، وأكثر حساسية للأسعار، وأكثر ميلاً إلى معاقبة أي لاعب لا يملك حجماً كافياً أو تنويعاً في مصادر الدخل. ومن هذه الزاوية، تبدو هذه النتائج أقرب إلى قراءة في لحظة تحول يعيشها قطاع التوصيل والخدمات عند الطلب في المملكة والخليج معاً.
نمو في النشاط وتباطؤ في الربحية
تظهر نتائج جاهز إن نشاطها ما زال ينمو. فقد ارتفع إجمالي قيمة البضائع (الطلبات التي تمت عبر المنصة) لدى جاهز إلى 7.2 مليارات ريال سعودي في 2025، بزيادة 10.8 في المئة، مع صعود عدد الطلبات إلى 111.6 مليون وارتفاع متوسط قيمة الطلب إلى 64.9 ريال. هذا مهم لأن ارتفاع هذا المؤشر يعني أن المنصة ما زالت تكسب طلبات وتدير حركة تجارية أكبر.
اما الإيرادات فقد ارتفعت بوتيرة أبطأ من نمو قيمة البضائع، إلى 2.32 مليار ريال فقط، بزيادة 4.7 في المئة، فيما تراجع إجمالي الربح قليلاً إلى 530.1 مليون ريال، وانخفض هامش الربح الإجمالي من 24.4 في المئة إلى 22.8 في المئة. أما الأرباح المعدلة قبل الفوائد والضرائب والإهلاك والإطفاء فتراجعت إلى 193 مليون ريال من 250 مليوناً، وهبط صافي الربح العائد للمساهمين إلى 73 مليون ريال من 188 مليوناً في العام السابق. ولا تعني هذه الفجوة بين نمو النشاط وتراجع الربحية انحسارا في الطلب على خدمات الشركة، انما تعني أن تكلفة المنافسة على الحصص في السوق قد ارتفعت. فقد زادت المصروفات التشغيلية 26.1 في المئة إلى 469.1 مليون ريال مع تكثيف الإنفاق التسويقي والترويجي، وإدخال تكاليف منصة سنونو في قطر، التي تملكتها جاهز في اكتوبر 2025، ضمن القوائم المالية اعتباراً من الربع الرابع.
المنافسة في السعودية: سوق أكبر… وهوامش أضيق
من الوضح أن جاهز كانت تختار أن تستثمر في الدفاع عن موقعها داخل سوق دخلت مرحلة تنافس أكثر شراسة. حتى السوق السعودية نفسها تعكس هذا التحول. فالمنصات المحلية الكبيرة، وفي مقدمتها جاهز وهنقرستيشن، لم تعد تواجه فقط بعضها البعض، بل باتت تتعامل أيضاً مع دخول لاعبين جدد ذوي شهية هجومية. ومن أبرز الأمثلة تطبيق كيتا التابع لميتوان الصينية، الذي أصبح، بحسب بعضالتقارير ، ثالث أكبر منصة توصيل طعام في السعودية خلال أشهر قليلة من دخوله، مع حصة تقارب 10 في المئة من السوق من حيث حجم الطلبات بحلول يناير 2025، مدفوعاً بسياسة أسعار شديدة النافسية وإعفاءات واسعة من رسوم التوصيل. وهذا ما يفسر لماذا لم يعد معيار النجاح في السعودية هو النمو وحده، بل القدرة على النمو من دون الانزلاق إلى التضحية بالهوامش.
التحول إلى منصة متعددة الخدمات
وقد يكون هذا الوضع الاف الاساسي امام قرار الشركة التحول من مجرد تطبيق لتوصيل الطعام الى منصة متعددة النشاطات والايرادات. وهذا يتضح من مزيج الإيرادات نفسه. فقد نمت إيرادات العمولات بنسبة 16.3 في المئة، وإيرادات الإعلانات بنسبة 17.5 في المئة، بما ساعد في تعويض جزء من تراجع إيرادات رسوم التوصيل. كما ارتفعت مساهمة الأنشطة غير الغذائية، وقفزت مبيعات البضائع والاشتراكات، في حين توسعت الشركة في دمج البقالة والتجزئة داخل التطبيق، وعقدت شراكة مع نون تتيح خدمة “نون مينتس” عبر جاهز، مقابل إتاحة خدمات مطاعم جاهز داخل تطبيق نون في السعودية. وتمثل هذه التحولات دليلا على رهان أكبر وهو أن تصبح المنصة أكثر قدرة على استخراج الإيرادات من العميل نفسه عبر أكثر من خدمة.
من توصيل الطعام إلى اقتصاد المنصات
وعند النظر إلى وضع القطاع ككل في السعودية، يصبح هذا الرهان منطقياً. فالسوق لا تزال تنمو، لكن مركز الثقل فيها يتغير. وتشير تقديرات بحثية منشورة في عام 2025 إلى أن سوق الطلب والتوصيل الرقمي في السعودية مرشحة لمواصلة النمو بقوة حتى 2030، مدفوعة بارتفاع استخدام الهواتف الذكية، وتوسع قاعدة المستهلكين الرقميين، واتساع أنماط الطلب نحو البقالة والاحتياجات اليومية الاخرى. ومع ذلك، تشير هذه التقديرات نفسها إلى أن الطعام ما زال يمثل الحصة الكبرى من السوق، بينما تبدو البقالة والتجارة السريعة الأسرع نمواً. معنى ذلك أن القطاع لم يعد يُقاس فقط بعدد الطلبات من المطاعم، بل بقدرة المنصة على مرافقة المستهلك في استخدامات أكثر تكراراً واتساعاً.
الاتجاه نفسه في الخليج… لكن بوتيرة متفاوتة
ولا يخص هذا التحول السعودية وحدها، فالنتيجة نفسها تقريباً تظهر في بقية بلدان الخليج ولكن بدرجات متفاوتة. فطلبات، وهي أكبر منصة إقليمية مدرجة في هذا المجال، أنهت 2025 بإجمالي قيمة بضائع بلغ 9.5 مليارات دولار، وإيرادات 3.9 مليارات دولار، وأرباح معدلة قبل الفوائد والضرائب والإهلاك والإطفاء عند 615 مليون دولار، فيما ارتفعت مساهمة البقالة والتجزئة إلى 32 في المئة من إجمالي قيمة البضائع بعد نموها 45 في المئة، مقابل 68 في المئة للطعام. كما أوضحت الشركة أن ارتفاع مساهمة “طلبات مارت” والاشتراكات ساعد في رفع معدل تحويل قيمة البضائع إلى إيرادات، رغم انخفاض بعض معدلات العمولة. ويعني هذا التطور أن فكرة المنصة المتعددة الخدمات بدأت تُترجم إلى أثر مالي فعلي، ولو على حساب بعض الضغط المرحلي على الهوامش.
صفقة سنونو: رهان إقليمي محسوب
الأمر نفسه يظهر، بصورة أخرى، في قطر عبر سنونو. فجاهز استحوذت على 76.56 في المئة من سنونو في قطر. والصفقة ووفق تقارير منشورة قُيّمت الصفقة على أساس قيمة إجمالية للشركة تقارب 1.16 مليار ريال قطري، أي نحو 320 مليون دولار، وتشمل ضخ رأسمالي إضافي بقيمة 20 مليون دولار. أما عرض المستثمرين الخاص بالصفقة فذكر أن سنونو حققت في 2024 إيرادات قدرها 526 مليون ريال سعودي وأرباحاً قبل الفوائد والضرائب والإهلاك والإطفاء بنحو 55 مليون ريال، وأن الصفقة يُتوقع أن تكون داعمة للأرباح وربحية السهم من اليوم الأول بعد الإقفال. وفي نتائج جاهز السنوية، ساهمت سنونو وحدها بـ626.8 مليون ريال في إجمالي قيمة البضائع خلال 2025، بينما أوضحت الشركة أن سنونو سجلت 2.36 مليار ريال قيمة بضائع و904.8 مليون ريال إيرادات و53.7 مليون ريال EBITDA معدلة، مع نمو قوي في العملاء والطلبات ومتوسط الطلب.
هل نجح نموذج المنصة المتنوعة؟
والتوجه نحو توسيع وتنويع الخدمات عبر منصات التوصيل يطرح سؤالا اساسيا وهو هل نجحت فكرة المنصات المتنوعة في الخليج حتى الآن؟ ويمكن القول هنا أنها نجحت تشغيلياً أكثر مما نضجت مالياً بشكل كامل. فالنمو في البقالة والتجارة السريعة والاشتراكات والإعلانات اصبح واضحا، واثبت اللاعبون الكبار أن توسيع التطبيق إلى ما بعد الطعام يرفع وتيرة الاستخدام ويزيد فرص تحقيق المزيد من الإيراد من العميل نفسه. لكن النجاح لم يصل بعد إلى مرحلة يمكن فيها القول إن كل التوسعات تحولت إلى أرباح مريحة ومستقرة.
كلفة التوسع وشروط نجاحه
فالقطاع لا يزال في طور مرحلة استثمار كثيف، وبعض الخدمات الجديدة لا تزال أقل ربحية من خدمة توصيل الطعام، وقد تحتاج إلى كثافة تشغيلية عالية وبنية لوجستية دقيقة كي تصبح مجدية مالياً. حتى طلبات، مع متانة نتائجها، أعلنت أنها ترصد أكثر من 100 مليون دولار من الاستثمارات خلال 2026 لتوسيع البقالة وتعزيز برنامج الاشتراكات، ما يعني أن مسار المنصة المتنوعة لا يزال يحتاج إلى إنفاق رأسمالي قبل أن يترسخ بالكامل.
بالنسبة إلى جاهز، فإن مردود التملكات والتوسعات الجديدة يبدو واضح الاتجاه، لكنه ليس مضموناً تلقائياً. فنجاح صفقة سنونو مثلاً لا يقاس فقط بكونها أدخلت الشركة إلى قطر أو رفعت حجم الإيرادات الدولية، انما بمدى مساهمتها في تحويل جاهز الى منصة تشغيل إقليمية قابلة للتكرار في الكويت والبحرين وأسواق أخرى. ويحتاج هذا النجاح إلى عدة شروط: أولها الحفاظ على ربحية سنونو وعدم تآكلها مع التوسع؛ ثانيها ترجمة الوفورات التشغيلية والتقنية إلى انخفاض فعلي في كلفة التوصيل واكتساب العملاء؛ ثالثها أن ينجح الدمج بين الخدمات المختلفة في رفع تكرار الاستخدام ومتوسط الإيراد لكل مستخدم، لا أن يضيف فقط أعباء تشغيلية جديدة؛ ورابعها أن تظل الشركة منضبطة في التسعير بحيث لا تتحول محاولات الدفاع عن الحصة السوقية إلى نزف طويل للأرباح.
اختبار أصعب في عام 2026
لذا تبدو نتائج 2025 أقرب إلى سنة تمهيد لا سنة حصاد. الشركة ما زالت رابحة على مستوى المجموعة، وما زال نشاطها الأساسي في السعودية يحقق أرباحاً، وما زالت العمليات الدولية تقلص خسائرها بسرعة، لكن السوق المحيطة بها تغيّرت. قطاع التوصيل في السعودية والخليج أصبح سباقاً على من يملك المنصة الأوسع، والعميل الأكثر ولاءً، والقدرة الأكبر على توليد الإيراد من أكثر من خدمة. ومن الواضح أن جاهز فهمت هذا التحول، ولهذا توسعت في البقالة واللوجستيات والشراكات والاستحواذات. غير أن اختبار 2026 سيكون أصعب، لأن البيئة الاقتصادية والجيوسياسية في المنطقة تضيف إلى المنافسة التجارية مصادر أخرى من الضغوط.
فالحرب الإيرانية، حتى إن لم تضرب الطلب الاستهلاكي مباشرة في كل سوق، ترفع المخاطر التشغيلية والاقتصادية على القطاع كله. فارتفاع كلفة الطاقة والنقل، واضطراب سلاسل الإمداد، واحتمال تأثر ثقة المستهلك في بعض الأسواق، كلها عوامل يمكن أن تضغط على الطلب وعلى هوامش التوصيل، خصوصاً في الأنشطة ذات الحساسية السعرية العالية. وفي المقابل، فإن التطبيقات التي نجحت في تنويع مصادر دخلها، وبنت اشتراكات وخدمات بقالة وإعلانات وشراكات لوجستية، قد تكون أكثر قدرة على امتصاص الصدمة من المنصات التي ما زالت تعتمد على طلب المطاعم وحده. وتؤكد هذه النقطة تحديداً صوابية استراتيجية جاهز، حتى لو ادت مؤقتا الى انخفاض الربحية.
يمكن القول ان نتائج عام 2025 تُظهر أن جاهز تنفق كي لا تتراجع لاحقاً، وأن توجهها نحو تنويع المنصة والاسواق بدأ يعطي ثماره، وأن هذا التوجه يبدو كالطريق المنطقي الوحيد للبقاء والنمو، وإن كان طريقاً مكلفاً ويحتاج إلى مثابرة وانضباط تشغيلي. أما القيمة الحقيقية لهذه التوسعات فستقاس بقدرة الشركة على تحويل كل ذلك إلى إيرادات أعلى وأكثر تنوعا، وربحية أكثر تماسكاً، وموقع أقوى في سوق لم يعد يتسع إلا لمن يملك الحجم والكفاءة التشغيلية والمالية معا.




