هيمنة متصاعدة للعلامات الفاخرة
في الساعات السويسرية
والخليج في صدارة الأسواق الداعمة

25.02.2026
Twitter icon
Facebook icon
LinkedIn icon
e-mail icon
شارك هذه الصفحة مع آخرين
Print Friendly, PDF & Email

تشهد صناعة الساعات السويسرية مرحلة تحول عميق تعيد ترتيب موازين القوة داخل القطاع، حيث تكشف نتائج تقرير Morgan Stanley بالتعاون مع LuxeConsult لعام 2025 عن واقع اقتصادي يتجه نحو درجة أعلى من التركّز في القمة، مع استمرار العلامات الأكثر فخامة في تحقيق أداء قوي مقابل ضغوط متزايدة على الفئات المتوسطة. ولا تقتصر هذه التحولات على أوروبا وآسيا، بل تمتد آثارها إلى أسواق الشرق الأوسط، وخصوصاً دول الخليج، التي تبرز بشكل متزايد كأحد أهم محركات الطلب العالمي على الساعات الفاخرة.

تشير البيانات الأساسية إلى أن صناعة الساعات لم تعد تعتمد على الحجم بقدر اعتمادها على القيمة، وهو تحول ينعكس بوضوح في الفجوة المتزايدة بين عدد الساعات المصدّرة وقيمتها الإجمالية. فوفق اتحاد صناعة الساعات السويسرية، بلغت الصادرات نحو 25.5 مليار فرنك سويسري في عام 2025 بانخفاض طفيف يقارب 1.7 في المئة مقارنة مع العام السابق، بينما تراجعت الكميات بنسبة أكبر بلغت نحو 4.8 في المئة. هذه المعادلة تعني أن متوسط الأسعار يرتفع، وأن القيمة تنتقل تدريجياً نحو الفئات الأعلى سعراً.

أربعة عمالقة يسيطرون على نصف السوق

الاستنتاج الأكثر لفتاً في تقرير Morgan Stanley يتمثل في تعمّق تركّز السوق بشكل غير مسبوق. فالعلامات الأربع الكبرى، رولكس، باتيك فيليب، أوديمار بيغه وريتشارد ميل، باتت تستحوذ على ما يقارب نصف قيمة السوق العالمية، وهو مستوى يعكس قوة العلامة التجارية والقدرة على التسعير والندرة في الإنتاج.

هيمنة رولكس تبدو الأكثر وضوحاً، إذ تتجاوز مبيعاتها عشرة مليارات فرنك سويسري سنوياً، ما يجعلها أكبر لاعب منفرد في الصناعة بفارق كبير عن المنافسين. هذا الواقع يعكس انتقال السوق نحو نموذج يعتمد على عدد محدود من العلامات التي تحقق الجزء الأكبر من الأرباح.

صعود العلامات الفاخرة

التحول الأكثر عمقاً في الصناعة يتمثل في صعود الفئات السعرية المرتفعة جداً، حيث تشير تقديرات التقرير إلى أن الساعات التي تتجاوز قيمتها 50 ألف فرنك تمثل نسبة ضئيلة من الكميات لكنها تولد أكثر من ثلث قيمة السوق. هذا الاتجاه يعكس تغيراً في هيكل الطلب العالمي، حيث أصبحت شريحة الأثرياء المحرك الأساس للنمو، في حين تواجه الفئات المتوسطة ضغوطاً متزايدة بسبب الظروف الاقتصادية العالمية والمنافسة من الساعات الذكية.

 تباطؤ بعد طفرة ما بعد الجائحة

القطاع شهد خلال السنوات التي تلت الجائحة نمواً استثنائياً مدفوعاً بالطلب المكبوت وارتفاع المدخرات، إلا أن عام 2025 يمثل مرحلة عودة إلى مستويات أكثر استدامة. تباطؤ الاقتصاد الصيني، وتقلبات أسعار الصرف، وارتفاع أسعار المواد الخام، جميعها عوامل ساهمت في تباطؤ الطلب، لكن العلامات الأقوى تمكنت من الحفاظ على الأداء بفضل قوة التسعير والطلب على المنتجات النادرة.                  

الجغرافيا الجديدة للطلب العالمي

من الناحية الجغرافية، بقيت الولايات المتحدة أكبر سوق لصادرات الساعات السويسرية، بينما شهدت الصين تباطؤاً ملحوظاً. في المقابل، برزت أسواق جديدة بوضوح، من بينها الهند ومنطقة الشرق الأوسط، التي سجلت نمواً إيجابياً في الصادرات خلال العام.

هذا التحول يعكس انتقال مراكز الطلب نحو الاقتصادات التي تشهد نمواً في الثروة الفردية وارتفاعاً في أعداد أصحاب الملاءة المالية.

الخليج يتحول إلى سوق استراتيجية للصناعة

التحول الأبرز خلال السنوات الأخيرة يتمثل في صعود منطقة الخليج كأحد أهم الأسواق العالمية للساعات الفاخرة. فالمنطقة لم تعد مجرد سوق استهلاكي يعتمد على الإنفاق المرتبط بأسعار النفط، بل أصبحت بيئة طلب مستقرة نسبياً مدفوعة بعوامل هيكلية تشمل تنوع الاقتصادات، وزيادة أعداد المقيمين الأثرياء، والنمو السياحي، وبرامج التحول الاقتصادي في دول مثل السعودية والإمارات.

الطلب الخليجي يتميز بتركيز مرتفع على الفئات الأعلى سعراً، وهو ما يتوافق مع الاتجاه العالمي نحو الفخامة العالية. كما أن مدناً مثل دبي والرياض أصبحت منصات عرض رئيسية للعلامات العالمية من خلال المتاجر الكبرى والإصدارات الحصرية والفعاليات الفاخرة، ما يعزز دور المنطقة في استراتيجية الشركات الدولية.

تزايد الثروة في المنطقة، إلى جانب الاستقرار النسبي مقارنة ببعض الأسواق الآسيوية، يجعل الخليج مرشحاً ليكون أحد أهم محركات النمو في الصناعة خلال العقد المقبل.

في هذا السياق، تبرز السعودية كأحد أسرع أسواق الساعات السويسرية نمواً في المنطقة. فوفق بيانات اتحاد صناعة الساعات السويسرية، بلغت الصادرات إلى المملكة نحو 352 مليون فرنك سويسري في عام 2025 بنمو يقارب 9 في المئة مقارنة بالعام السابق. هذا النمو يعكس تحولات أعمق من مجرد ارتفاع الدخل، إذ يرتبط بتوسع الاقتصاد غير النفطي، ونمو المدن الكبرى، وارتفاع الإنفاق على نمط الحياة الفاخر، إضافة إلى ظهور جيل جديد من المشترين المهتمين بالساعات كمنتج ثقافي واستثماري. ومع استمرار برامج التحول الاقتصادي والاستثمار الحضري، من المرجح أن تتحول السعودية إلى أحد أهم محركات الطلب على الساعات الفاخرة في المنطقة خلال السنوات المقبلة.

 في المقابل، تحتفظ الإمارات بموقع فريد يجمع بين قوة السوق المحلي ودور المركز الإقليمي للتجارة والتوزيع. فقد تجاوزت صادرات الساعات السويسرية إلى الدولة 1.3 مليار فرنك سويسري في عام 2025، ما يضعها ضمن أكبر عشرة أسواق عالمية. غير أن أهمية الإمارات تتجاوز الأرقام، إذ أصبحت دبي تحديداً منصة عالمية للعلامات الفاخرة بفضل البيئة التجارية المفتوحة والتدفقات السياحية المرتفعة ووجود شبكات توزيع تخدم الشرق الأوسط وأفريقيا. كما أن توسع الفعاليات المتخصصة والسوق الثانوية للساعات يعزز مكانة الدولة كمركز عالمي للثقافة المرتبطة بالساعات الفاخرة، وليس فقط للتجارة.

 القيمة وليس الحجم

نتائج التقرير وبيانات الصناعة تشير إلى مجموعة اتجاهات رئيسية ستحدد مستقبل القطاع اهمها: زيادة تركّز الأرباح لدى عدد محدود من العلامات، استمرار ارتفاع متوسط الأسعار، وتزايد أهمية الأسواق ذات الثروة المرتفعة، نمو السوق الثانوية للساعات المستعملة، وتحول الصناعة نحو نموذج يعتمد على القيمة وليس الحجم.

 تمر صناعة الساعات السويسرية بمرحلة تحول ترسم فيها خريطة اقتصادية جديدة، حيث يزداد التركّز في القمة ويتغير توزيع الطلب الجغرافي. في هذا السياق، تبرز منطقة الخليج كأحد أهم المراكز الجديدة للطلب العالمي، ليس فقط كسوق استهلاكي، بل كمنصة استراتيجية للعلامات الفاخرة في مرحلة تتجه فيها الصناعة نحو الفخامة العالية والقيمة المرتفعة.