كتب فيصل أبوزكي
حين تطلق دولة بحجم السعودية برنامج تحول اقتصادي شامل، فإن السنوات الأولى تُخصص عادة لبناء الزخم، وكسر الأنماط التقليدية، وتوسيع مساحة المُمكن. بعد ذلك تأتي مرحلة أكثر تعقيداً وهي مرحلة إدارة التحول نفسه بوصفه عملية طويلة الأمد تتطلب مفاضلة مدروسة بين المشاريع والاستثمارات، وتوزيعاً دقيقاً لرأس المال، وحمايةً للاستدامة المالية والقدرة التنفيذية والموارد. وفي هذا السياق تحديداً، يمكن فهم ما يجري اليوم في السعودية من مراجعة لبعض الأولويات الاقتصادية وإعادة ضبط إيقاع عدد من المشاريع الكبرى. ويمكن اعتبار هذا التطور انتقالاً مدروساً من مرحلة التأسيس السريع إلى مرحلة الإدارة المتقدمة للاقتصاد الوطني والرؤية.
ثبات البوصلة الاستراتيجية… وتطور أدوات القرار
الاتجاه الاستراتيجي الذي رسمته رؤية 2030 ما زال ثابتاً وهو تنويع القاعدة الإنتاجية، رفع مساهمة القطاع الخاص، تعميق المحتوى المحلي، وتطوير قطاعات جديدة في السياحة والصناعة والخدمات اللوجستية والتقنية والتعدين والطاقة المتجددة. ما تطور هو آليات اتخاذ القرار داخل هذا الإطار. فحين يتسع حجم الاقتصاد غير النفطي، وتتنامى الأصول التي تديرها الدولة، وتتعمق ارتباطات الاقتصاد السعودي بالأسواق العالمية، يصبح من الطبيعي أن تنتقل الدولة من منطق الدفع المتزامن لمجموعة واسعة من المشاريع إلى منطق ترتيب الأولويات وفق العائد والمخاطر والتوقيت.
اقتصاد يتقدم بثقة نحو مرحلة جديدة
بحسب بيانات نهاية عام 2025، نما الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للمملكة بنسبة تقارب 4.5 في المئة، مدفوعاً بأداء قوي في الأنشطة غير النفطية التي نمت بنسبة 4.9 في المئة إلى جانب تحسن نسبي في القطاع النفطي. وارتفعت مساهمة الأنشطة غير النفطية إلى نحو 57 في المئة من إجمالي الناتج المحلي الإجمالي، في إشارة واضحة إلى تعمّق مسار التنويع الاقتصادي. أما على مستوى الاستثمار السيادي، فقد بلغ حجم أصول صندوق الاستثمارات العامة نحو 1.15 تريليون دولار في نهاية عام 2025، ما يعكس توسعاً كبيراً في قدرة الدولة على إدارة محفظة استثمارية ضخمة ذات بعد محلي وعالمي. هذه المعطيات تعني أن السعودية أثبتت بوضوح قدرتها على التغيير وتنفيذ اصلاحات عميقة وشاملة، وهي حالياً تدير اقتصاداً متنامياً وأكثر انفتاحاً على العالم، وهي في طور الانتقال إلى مرحلة متقدمة من التحول والتموضع الهيكلي.
سؤال المرحلة: أين يُوجه رأس المال؟
عندما ينمو الاقتصاد وتنمو المشاريع ومحفظة الاستثمار الوطنية بهذا القدر، يصبح السؤال المركزي هو أين يُخصص رأس المال الآن لتحقيق أعلى أثر خلال السنوات الخمس أو العشر المقبلة؟ أي المشاريع تخلق مضاعفاً اقتصادياً أعلى؟ أيها يُسرّع تكوين سلاسل قيمة محلية ويساعد على خلق وظائف عالية القيمة؟ وأيها يحتاج إلى جدول زمني مختلف كي تتوازن الكلفة مع العائد في بيئة عالمية تتأرجح فيها كلفة رأس المال ويعاد تسعير المخاطر على الدوام؟
الصين: إعادة التوازن في اقتصاد عملاق
لفهم هذه اللحظة بصورة أعمق، من المفيد مقارنتها بتجارب دول أدارت تحولات كبرى بنجاح.
في الصين، شهد العقدان الأولان من الألفية توسعاً استثمارياً هائلاً في البنية التحتية والعقار والصناعة الثقيلة. ومع اقتراب الاقتصاد من مستويات دخل أعلى، بدأت بكين عملية إعادة توازن تدريجية نحو الابتكار والاستهلاك الداخلي والتقنيات المتقدمة، مع تشديد الرقابة على التوسع المفرط في بعض القطاعات مثل العقار والطاقة الانتاجية في السيارات الكهربائية والواح الطاقة الشمسية. لم يكن ذلك تخلياً عن النمو، بل انتقالاً إلى مرحلة أكثر نضجاً في إدارة اقتصاد أصبح ضخماً ومتشابكاً. ويظهرالمنطق ذاته حين تُعيد دولة بحجم السعودية ترتيب أولويات مشاريعها، من خلال المحافظة على الاتجاه العام، بينما تغير بعض الاولويات وفق المتغيرات وحاجات الاقتصاد في دورة تطوره الحالية.
كوريا الجنوبية: هندسة الانتقال الصناعي
كوريا الجنوبية تقدم مثالاً آخر. في الستينيات والسبعينيات، ركزت سياساتها الصناعية على قطاعات ثقيلة كالسفن والصلب والسيارات. ومع تقدمها في سلاسل القيمة العالمية، أعادت توجيه الموارد نحو الإلكترونيات والتقنيات المتقدمة، ورفعت معايير الدعم والحوافز. هذه القدرة على تعديل مزيج القطاعات وفق المرحلة التنموية كانت أحد أسرار نجاحها. السعودية اليوم تواجه مفاضلات مشابهة بين قطاعات ناشئة تتنافس على رأس المال والموارد البشرية. إدارة هذه المفاضلات عنصر من عناصر هندسة الانتقال نحو اقتصاد متعدد المحركات.
سنغافورة: الانضباط المؤسسي وقابلية التنبؤ
سنغافورة بدورها طورت نموذجاً يقوم على قابلية التنبؤ والاستقرار المؤسسي والانضباط في اختيار القطاعات. لم يكن نجاحها نتيجة إطلاق مشاريع رمزية، بل نتيجة مراجعات دورية للأولويات استجابة لتحولات البيئة الإقليمية والعالمية. يقرأ المستثمر المؤسسي هذه الإشارات بعناية. الدولة التي تُظهر قدرة على تعديل سياساتها بهدوء ووضوح تعزز جاذبيتها الطويلة الأجل.
ألمانيا: من المشروع إلى المنظومة الإنتاجية
أما ألمانيا، فقد بنت قوتها الصناعية على شبكة كثيفة من الشركات المتوسطة عالية التخصص، وعلى منظومة صناعية مترابطة. التجربة الألمانية تُبرز أهمية الانتقال من التركيز على المشروع إلى التركيز على المنظومة. المشاريع الكبرى يمكن أن تكون محركات أولية، لكن القيمة المستدامة تتولد عندما تتحول إلى منصات لسلاسل توريد محلية وشركات صغيرة ومتوسطة وتكامل بين البحث العلمي والصناعة.
النموذج الإسكندنافي: الاستدامة بين الأجيال
الدول الإسكندنافية، وفي مقدمتها النرويج، تقدم نموذجاً في إدارة رأس المال الوطني عبر قواعد واضحة لإعادة التوازن والاستدامة بين الأجيال. الاستدامة المالية والقدرة على تعديل السياسات وفق دورات الاقتصاد تشكل أساساً لنجاح طويل الأمد.
وضوح الاتجاه...مرونة الادوات...وانضباط التنفيذ
بالنسبة للمستثمر المؤسسي، الإشارة الأساسية في هذا المسار هي تطور حوكمة رأس المال. المشاريع تُدار ضمن معايير أوضح للأثر والعائد والمخاطر. الجداول الزمنية قابلة للتعديل وفق معطيات السوق، من دون المساس بالاتجاه الاستراتيجي العام.
أما بالنسبة لصناع السياسة، فإن الدرس المستفاد من تجارب الصين وكوريا وسنغافورة وألمانيا والدول الإسكندنافية وغيرها يتلخص في ثلاث ركائز: وضوح الاتجاه، مرونة الأدوات، وانضباط التنفيذ. السعودية أظهرت وضوحاً في الاتجاه منذ إطلاق الرؤية، واليوم تُظهر مرونة في الأدوات والسياسات، مع تركيز متزايد على الانضباط المؤسسي وتعظيم العائد الاقتصادي.
نحن أمام اقتصاد يدخل مرحلة متقدمة من النضج المؤسسي، حيث يتحول التغيير ذاته إلى سياسة تنافسية. في عالم يتسم بتغيرات جيوسياسية واقتصادية، وإعادة تشكيل سلاسل القيمة العالمية، وتسارع التحولات التكنولوجية، تُعد القدرة على إعادة توزيع الموارد وفق الأولويات المتغيرة، مع الحفاظ على الاتجاه العام، أحد أهم مصادر القوة.
السعودية، من خلال مراجعة إيقاع بعض مشاريعها الكبرى، تقدم مثالاً على الانتقال من الدفع السريع إلى الإدارة الدقيقة، ومن اتساع المشاريع إلى عمق أثرها، ومن التوسع الكمي إلى تحسين نوعية النمو. هذه مرحلة تعكس قوة في القرار وثقة في المسار، وقدرة على التعلم، واستعداداً لتحويل رؤية بعيدة المدى إلى منظومة مؤسساتية متماسكة قادرة على المنافسة بفعالية في النظام الاقتصادي العالمي.




