مؤتمر العلا لإقتصادات الأسواق الناشئة:
تنامي الدور السعودي
في هندسة الحوار الاقتصادي العالمي

17.02.2026
Twitter icon
Facebook icon
LinkedIn icon
e-mail icon
شارك هذه الصفحة مع آخرين
Print Friendly, PDF & Email

الاقتصاد والأعمال:

في وقت تتعرض فيه بنية الاقتصاد العالمي لضغوط متزامنة، من اضطراب سلاسل الإمداد إلى تشدد الأوضاع المالية وتزايد الانقسامات الجيوسياسية، وتكرس الانفصال التجاري والتكنولوجي بين الولايات المتحدة الاميركية والصين، جاء مؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة ليعكس تحولاً نوعياً في موقع المملكة العربية السعودية داخل النظام الاقتصادي الدولي. فالمؤتمر، الذي نظمته وزارة المالية السعودية للعام الثاني على التوالي، بالشراكة مع صندوق النقد الدولي، شكل منصة منظمة للنقاش حول قضايا تمس الاقتصادات النامية بشكل مباشر، وأتاح لها مساحة أوسع للتفاعل مع القضايا العالمية من موقع جماعي أكثر تماسكا.، شكل منصة منظمة للنقاش حول قضايا تمس الاقتصادات النامية بشكل مباشر، وأتاح لها مساحة أوسع للتفاعل مع القضايا العالمية من موقع جماعي أكثر تماسكا.

مساحة استراتيجية لتقاطع السياسات المالية والنقدية الدولية

أهمية مؤتمر العلا تنبع من إدراك متزايد بأن الاقتصادات الناشئة باتت طرفاً محورياً في معادلة النمو العالمي، في وقت تتزايد فيه التحديات المرتبطة بالدين، وتقلبات رأس المال، والتحولات في التكنولوجيا الرقمية والتجارة والتمويل الدوليين. هذه الاقتصادات تواجه تأثيرات مباشرة لقرارات تُتخذ غالباً خارج دوائرها، سواء في السياسات النقدية العالمية أو في قواعد التجارة والتمويل. من هنا، وفر المؤتمر إطاراً يسمح بتقريب وجهات النظر، وتبادل الخبرات، وطرح مقاربات مشتركة حول كيفية التعامل مع هذه المتغيرات ضمن بيئة دولية غير مستقرة.

الشراكة مع صندوق النقد الدولي منحت المؤتمر ثقلاً مؤسسياً واضحاً، وأدخلته في صلب النقاشات الاقتصادية العالمية. وفي الوقت نفسه، أبرزت هذه الشراكة قدرة السعودية على الجمع بين المؤسسات الدولية والدول النامية ضمن مساحة واحدة، من دون أن يطغى خطاب طرف على آخر. هذا التوازن أتاح نقاشات أكثر واقعية حول السياسات المالية والنقدية، وإدارة الصدمات، ومستقبل النظام المالي الدولي، بما يعكس تنوع التجارب والاحتياجات بين البلدان المشاركة.

الاقتصادات النامية تبحث عن تعزيز حضورها الدولي برعاية سعودية

رعاية السعودية للمؤتمر تعكس تطوراً في أدوات حضورها الدولي، فالمملكة تُوسع اليوم نطاق تأثيرها من خلال بناء منصات للحوار الاقتصادي، وتوفير بيئة سياسية وتنظيمية قادرة على استقطاب صناع القرار والخبراء من مختلف المناطق. وقد حمل اختيار العلا كموقع لانعقاد المؤتمر دلالات تتجاوز البُعد الجغرافي، ليعكس توجهاً نحو ترسيخ صورة السعودية كمركز للحوار الدولي، يجمع بين الاستقرار، والانفتاح، والقدرة على إدارة النقاشات المعقدة في مرحلة انتقالية يشهدها الاقتصاد العالمي.

التجربة السعودية كنموذج للنقاش

في العمق، يرتبط مؤتمر العلا بثقة سعودية متنامية بتجربة الإصلاح الاقتصادي التي خاضتها المملكة خلال السنوات الماضية. فقد شهد الاقتصاد السعودي تحولات جوهرية على مستوى المالية العامة، وتنويع مصادر الدخل وقاعدة الاقتصاد، وتعزيز دور القطاع الخاص، وتحسين بيئة الاستثمار. هذه التجربة، التي تشكّلت عبر اصلاحات تدريجية وتراكم مؤسسي، توفر مادة عملية للنقاش مع الدول النامية الأخرى التي تبحث عن مسارات نمو متوازنة تراعي الاستقرار المالي والاجتماعي في آن واحد.

المؤتمر أتاح لهذه التجارب أن تُعرض ضمن سياق حواري مفتوح، بعيداً عن القوالب الجاهزة. فقد ناقش المشاركون قضايا الدين، والتمويل التنموي، والسياسات النقدية في ظل بيئة عالمية متقلبة، انطلاقاً من تجارب فعلية واجهت تحديات مشابهة. هذا الطابع العملي عزز من قيمة النقاش، وفتح المجال أمام بناء فهم أعمق لكيفية تكييف السياسات مع الخصوصيات الوطنية لكل اقتصاد.

رؤية 2030 رافعة لدبلوماسية اقتصادية ذات بعد عالمي

ولا ينفصل مؤتمر العلا عن الإطار الأوسع الذي ترسمه رؤية السعودية 2030.  فالرؤية، التي ركزت منذ انطلاقتها على التحول الاقتصادي الداخلي، حملت أيضاً بعداً خارجياً يتمثل في تعزيز دور المملكة في الاقتصاد العالمي وبناء شراكات متعددة الأطراف. في هذا السياق، يندرج المؤتمر ضمن مسار أوسع يهدف إلى ترسيخ حضور السعودية كمحور للنقاشات الاقتصادية الدولية، ومكان تلتقي فيه الرؤى المختلفة حول مستقبل النمو والتنمية.

الأثر التراكمي لمؤتمر العلا يتجلى في قدرته على تعزيز التواصل بين الاقتصادات النامية، وفتح قنوات منتظمة للحوار مع المؤسسات الدولية. ومع استمرار انعقاده، يمكن أن يسهم في بلورة مقاربات مشتركة تجاه قضايا عالمية معقدة، ويمنح هذه الاقتصادات مساحة أوسع للتأثير في النقاشات التي تحدد ملامح النظام المالي والتجاري الدولي.

لا شك أن مؤتمر العلا يعكس مرحلة جديدة في تموضع السعودية الدولي، حيث توظف تجربتها الإصلاحية، واستقرارها الاقتصادي، وقدرتها التنظيمية لبناء منصة حوار ذات بعد عالمي. هذا الدور يعزز من حضور الاقتصادات النامية في لحظة يعاد فيها تشكيل الأولويات الاقتصادية الدولية، ويؤكد أن السعودية باتت طرفاً فاعلاً في صياغة مسارات النقاش حول مستقبل الاقتصاد العالمي.