الشراكة مع القطاع الخاص
تقود الاستثمار ات المقبلة

16.02.2026
Twitter icon
Facebook icon
LinkedIn icon
e-mail icon
شارك هذه الصفحة مع آخرين
Print Friendly, PDF & Email

كتب فيصل أبو زكي

جاء انعقاد منتدى القطاع الخاص 2026 في الرياض، الذي نظمه مؤخراً صندوق الاستثمارات العامة، في زمن يحمل دلالات تتجاوز إطار الحدث السنوي. فالمملكة دخلت مرحلة مختلفة من مسارها الاقتصادي، مرحلة يتركز فيها الاهتمام على تحويل الإصلاحات إلى نتائج ملموسة وتعظيم أثرها على الاقتصاد والمجتمع، وعلى تعزيز مساهمة القطاع الخاص في الاستثمار والإنتاج والتشغيل. المنتدى عكس هذا التحول بوضوح، سواء في طبيعة المشاركين، أو في بنية البرنامج، أو في الاتفاقيات والفرص التي طُرحت خلال يومين من النقاشات المكثفة.

خلال الأعوام الماضية، شهدت السعودية إصلاحات واسعة طالت منظومة الاستثمار والتمويل والتشريعات والانظمة. هذه الإصلاحات عززت استقرار السياسات، ورفعت مستوى الحوكمة، ووسّعت نطاق الشراكات بين القطاعين العام والخاص، وفتحت مجالات جديدة أمام رأس المال المحلي والأجنبي. ومع انتقال هذه الإصلاحات من الإطار التشريعي إلى التطبيق العملي، أصبح السؤال الأساسي بالنسبة للمستثمرين: كيف يمكن تحويل هذا التحول المؤسسي إلى فرص وعقود قابلة للتنفيذ؟

اقتصاد يحول تركيزه من الإنفاق الحكومي إلى هندسة السوق

أحد أهم التطورات في النموذج الاقتصادي السعودي يتمثل في انتقال مركز الثقل من الإنفاق الحكومي المباشر إلى تصميم سوق أكثر اتساعاً وتنوعاً. الدولة تركز اليوم على وضع الأطر التنظيمية، وتحديد الأولويات الاستراتيجية، وتوفير البنية التحتية الداعمة، فيما يتقدم القطاع الخاص إلى موقع قيادي في الاستثمار والتشغيل.

هذا التحول له آثار مباشرة على طبيعة المخاطر والعوائد. فالمشاريع لم تعد تعتمد حصراً على عقود تقليدية، بل باتت ترتبط بنماذج شراكة أكثر تعقيداً، تتضمن توزيعاً واضحاً للأدوار والمخاطر، وتستند إلى دراسات جدوى طويلة الأجل، وتخضع لرقابة تنظيمية أعلى. هذه البيئة توفر للمستثمرين المؤسسيين وضوحاً أكبر عند تقييم المخاطر، خصوصاً في قطاعات البنية التحتية، والطاقة، والصناعة المتقدمة، والخدمات اللوجستية.

منتدى بحجم السوق

النسخة الرابعة من المنتدى جمعت آلألاف من المشاركين، وشاركت فيها أكثر من 120 شركة من شركات محفظة صندوق الاستثمارات العامة، إلى جانب 18 جهة حكومية، ضمن أكثر من 100 جلسة متخصصة. هذا الحضور يعكس تزايد التنسيق بين الجهات العامة وشركات الصندوق والمستثمرين، ويؤشر إلى نضج مؤسسي في إدارة العلاقة مع القطاع الخاص.

تم خلال المنتدى الإعلان عن أكثر من 190 فرصة استثمارية، وتوقيع أكثر من 135 مذكرة تفاهم تجاوزت قيمتها 60 مليار ريال سعودي، إضافة إلى عرض فرص استثمارية وعقارية تتجاوز 70 مليار ريال. هذه الأرقام مهمة من زاوية الثقة، لكنها أكثر أهمية من زاوية الاتجاه؛ فهي تشير إلى أن المشاريع أصبحت تُطرح ضمن إطار منظم، وأن مسارات الدخول إلى السوق باتت أكثر تحديداً.

قراءة في أولويات المرحلة

محاور المنتدى ركزت على خمسة قطاعات استراتيجية وهي: السياحة والترفيه، التصنيع المتقدم، التنمية الحضرية، الخدمات اللوجستية، والطاقة النظيفة. اختيار هذه القطاعات يعكس أولويات واضحة.

السياحة والترفيه تمثل ركيزة لتنويع مصادر الدخل وخلق وظائف مباشرة وغير مباشرة. التصنيع المتقدم يعكس توجهاً نحو توطين سلاسل القيمة ورفع المحتوى المحلي. التنمية الحضرية ترتبط بمشاريع ضخمة تعيد توزيع الأنشطة الاقتصادية داخل المدن. الخدمات اللوجستية تستفيد من الموقع الجغرافي للمملكة كمركز عبور بين ثلاث قارات. أما الطاقة النظيفة فترتبط بتحولات عالمية في أسواق الطاقة والاستدامة.

هذه القطاعات تتطلب استثمارات طويلة الأجل، وتستدعي شراكات تجمع بين رأس المال والخبرة التقنية والادارية. المنتدى وفر منصة لتوضيح طبيعة هذه الشراكات، ومتطلبات الدخول، والفرص المتاحة أمام الشركات الصغيرة والمتوسطة إلى جانب الشركات الكبرى.

الرميان: تعميق الأثر وتوسيع المشاركة

في كلمته الافتتاحية، أكد محافظ صندوق الاستثمارات العامة ياسر الرميان أن المنتدى تطور ليصبح منصة مركزية للشراكات، وأن المرحلة المقبلة تتطلب مشاركة أوسع من القطاع الخاص في خلق القيمة. أشار كذلك إلى أهمية توطين سلاسل الإمداد، وتعزيز جاهزية الشركات المحلية، والاستفادة من التقنيات المتقدمة، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي، في رفع كفاءة الأعمال.

هذا الخطاب يحمل دلالة استراتيجية. فالصندوق يتجاوز دوره الاساسي  كمستثمر السيادي، ليعمل على تحفيز منظومة متكاملة تضم الموردين، والمقاولين، والشركات التقنية، والمؤسسات المالية. التركيز على توطين سلاسل الإمداد يعني أن المشاريع الكبرى ستخلق طلباً مستداماً على خدمات ومنتجات محلية، ما يعزز استدامة النمو خارج إطار المشروع نفسه.

صندوق الاستثمارات العامة كمحفز للنظام الاقتصادي

الدور الذي يلعبه الصندوق يتجاوز التمويل. فهو يجمع بين التخطيط الاستثماري طويل الأجل، وإدارة شركات المحفظة، والتنسيق مع الجهات الحكومية، وفتح قنوات مع المستثمرين الدوليين. هذا الدور يساهم في تقليل فجوات التنسيق، ويوفر رؤية متكاملة للمشاريع، ويعزز الثقة في استمرارية السياسات.

بالنسبة للمستثمر المؤسسي، وجود جهة مركزية بهذا الحجم يوفر قدراً من الاطمئنان بشأن استقرار الاتجاهات الاستراتيجية، خصوصاً في مشاريع تتطلب استثمارات ضخمة وآجالاً زمنية طويلة.

ثبات في سياق عالمي مضطرب

المنتدى انعقد في بيئة دولية تتسم بتقلبات اقتصادية وجيوسياسية، وتنافس متزايد على تدفقات الاستثمار. في هذا السياق، تبرز السعودية كسوق كبيرة ذات طلب محلي قوي، وبرامج إنفاق رأسمالي ممتدة، وأطر تنظيمية ذات درجة عالية من الاستقرار.

اقتصادات عالم الجنوب تبحث عن نماذج تنموية قادرة على الجمع بين النمو والاستدامة. السعودية تقدم مثالاً على اقتصاد يسعى إلى تنويع مصادر دخله، وبناء محركات جديدة للنمو، وتوسيع مشاركة القطاع الخاص، ضمن إطار مؤسسي واضح.

من منصة حوار إلى أداة تنفيذ

النتائج العملية للمنتدى، سواء في حجم الاتفاقيات أو في نوعية الفرص المطروحة، تشير إلى انتقال واضح نحو التركيز على التنفيذ. النقاشات تركزت على هيكلة المشاريع، سلاسل الإمداد، متطلبات التمويل، والتقنيات الداعمة، بدلاً من الاكتفاء بعرض توجهات عامة.

بالنسبة لصنّاع القرار، يمثل المنتدى أداة لقياس جاهزية السوق، ورصد مستوى التفاعل بين القطاعين العام والخاص، وتحديد نقاط القوة والثغرات في مسار التنفيذ. أما بالنسبة للمستثمرين، فهو يوفر قراءة مباشرة لأولويات الدولة، ونوعية المشاريع المطروحة، وإشارات واضحة بشأن الاتجاه الاستثماري في السنوات المقبلة.

يمثل منتدى القطاع الخاص 2026 مرحلة متقدمة في التحول الاقتصادي السعودي، حيث تتكامل الإصلاحات المؤسسية مع الفرص الاستثمارية، ويتعزز دور القطاع الخاص في خلق القيمة، ويتجه الاقتصاد نحو نموذج يقوم على الشراكة، والاستدامة، والقدرة على التكيف مع بيئة عالمية متغيرة.