فيصل أبوزكي
في التاسع والعشرين من يناير 2026 الماضي، دشّنت السعودية مرحلة تنفيذية جديدة من برنامج الخصخصة، في خطوة تحمل أبعاداً تتجاوز إطار القرارات المالية التقليدية. الإعلان عكس تحولاً مؤسسياً في طريقة إدارة الاقتصاد، حيث تتجه الدولة إلى تصميم الأسواق وتنظيمها وتوجيهها، مع توسيع دور القطاع الخاص في التمويل والتشغيل.
أرقام طموحة ومنهج مختلف
الأرقام المعلنة تعكس حجم الطموح: أكثر من 220 عقد شراكة حتى عام 2030، واستقطاب استثمارات تتجاوز 240 مليار ريال، وخلق عشرات الآلاف من الوظائف النوعية عبر 18 قطاعاً. غير أن الدلالة الأهم تكمن في المنهج الذي يحكم هذه المرحلة، وفي الطريقة التي يُدار بها رأس المال العام وتُرتَّب بها الأولويات.
اختبارات جدوى مستمرة وانضباط استثماري
تعمل المملكة على رفع كفاءة الاستثمار وتعظيم أثره الاقتصادي في بيئة عالمية أصبح فيها المستثمر أكثر حذراً وانتقائية. وخلال الفترة التي سبقت الإعلان، سرعت الحكومة السعودية وتيرة الاصلاحات ورسّخت نهجاً يقوم على الإخضاع المستمر للمشاريع لاختبارات الجدوى الاقتصادية والتمويلية والتوقيتية، مع مراجعة دورية للأولويات وإعادة ترتيب المحافظ الاستثمارية وفق معايير العائد والكفاءة والأثر التنموي، وتوجيه الموارد نحو القطاعات الأكثر ارتباطاً بالتحول الاقتصادي والتنويع مثل اللوجستيات والبيانات والذكاء الاصطناعي والتعدين والسياحة. هذا الانضباط الاستثماري يمهّد لمرحلة تُدار فيها المشاريع وفق منطق الإنتاجية والاستدامة.
خصخصة عبر الشراكة
السؤال الأهم أصبح حول كيفية الحفاظ على الزخم الاستثماري نفسه بكفاءة أعلى واستدامة مالية أطول. وهنا تبرز الشراكات كأداة مركزية لأنها تنقل جزءاً من مسؤولية التمويل والتشغيل والمخاطر إلى القطاع الخاص، فيما تبقى الدولة في موقع المنظم والموجّه. وبهذا المعنى، تتخذ الخصخصة بعداً يتجاوز القرار المالي، لتجسّد تطوراً في طبيعة العلاقة الاقتصادية بين القطاعين العام والخاص، حيث تتركز قوة الدولة في القواعد والحوافز والرقابة وحماية المنافسة وجودة الخدمات، لا في الإدارة اليومية للأصول.
آلية لصناعة سوق
الفرق بين الخصخصة كصفقة والخصخصة كتحول هيكلي هو أن الثانية تصنع سوقاً. فعندما تُطرح عشرات العقود طويلة الأجل، يتشكل دفتر مشاريع مستدام قابل للتمويل المؤسسي، ما يجذب صناديق البنية التحتية والمشغلين العالميين والبنوك وسوق الدين وشركات التأمين. وفي هذا السياق، يصبح المشروع عقداً محدداً بمخرجات ومؤشرات أداء وآليات تسعير وتعويض وتوزيع مخاطر. جودة هذه الهندسة التعاقدية هي ما يمنح المستثمر الثقة لتمويل وتشغيل الأصول لعشرين أو ثلاثين عاماً، ويحوّلها إلى أصول أكثر إنتاجية.
نقل المعرفة وبناء القدرات التشغيلية
وتتجلى إحدى أهم المكاسب في نقل المعرفة وبناء القدرات. فدخول شركات تشغيل عالمية في قطاعات مثل الصحة والمياه والنقل والخدمات البلدية يجلب أنظمة إدارة ومعايير جودة وأدوات قياس متقدمة، ومع الوقت ينشأ مشغلون وطنيون قادرون على المنافسة إقليمياً وعالميا. وهنا تتضح الصلة بين الخصخصة والتنويع الاقتصادي، إذ إن الاقتصاد غير النفطي لا يقتصر على الاستثمار، بل يمتد ليشمل كفاءة التشغيل والإنتاجية.
رافعة لتعميق الاسواق المالية
كما تُعيد هذه العقود تكوين العلاقة بين الاقتصاد الحقيقي والقطاع المالي. فعندما تتراكم مشاريع قابلة للتمويل، تتوسع شهية البنوك للإقراض، وتنمو أدوات السندات والصكوك، وتظهر إمكانات إعادة التمويل والتوريق وصناديق البنية التحتية. وبهذا تتحول الخصخصة إلى رافعة لتعميق ألاسواق المالية المحلية، من خلال توجيه السيولة نحو استثمارات إنتاجية طويلة الأجل بدلاً من بقائها في أدوات قصيرة الأمد. وتتحول المشاريع إلى أصول تشغيلية ذات تدفقات نقدية مستقرة، يمكن تمويلها وإعادة تمويلها وتداولها، وهو ما يخلق طبقة جديدة من الاستثمارات طويلة الأجل داخل الاقتصاد.
نقل الخبرات وبروز شركات قادرة على المنافسة اقليميا وعالميا
ولا يقتصر الأثر على التمويل. دخول شركات تشغيل دولية في قطاعات مثل الصحة والمياه والنقل والخدمات البلدية يجلب خبرات إدارية وتقنية ومعايير جودة متقدمة. ومع الوقت، تتكون قاعدة من المشغلين الوطنيين القادرين على المنافسة إقليمياً، ما يرفع إنتاجية الاقتصاد غير النفطي ويعزز قدرته على النمو الذاتي.
جودة الخدمة والتسعير في صلب الأولويات
وفي صلب هذا المسار، تضع الحكومة جودة الخدمة وسعرها في مقدمة الأولويات. وقد صُممت الأطر التنظيمية والتعاقدية لضمان المنافسة ومنع تركز الامتيازات وربط العوائد بالأداء الفعلي. تُقاس النتائج بمؤشرات واضحة للجودة والكفاءة، وتُراجع الأسعار دورياً بما يحمي المستفيد ويحقق عائداً عادلاً للمستثمر. وبهذا الأسلوب تتحول العقود إلى أدوات لرفع مستوى الخدمة وخفض الهدر، مع خلق أصول استثمارية قابلة للتمويل والتداول.
وتبرز هذه المقاربة بوضوح في قطاعات تمس الحياة اليومية للمواطن مثل الصحة والتعليم والخدمات البلدية. فالشراكات زاعقود تُبنى على أساس الدفع مقابل النتائج وتحقيق مستويات محددة من الرضا والجودة، مع رقابة تنظيمية مشددة تضمن العدالة في التسعير والكفاءة.
مرحلة نضج في مسار التحول الاقتصادي
إن برنامج الخصخصة يعكس مرحلة أكثر نضجاً في مسار التحول الاقتصادي السعودي، مرحلة ترتكز على كفاءة الأصول، وانضباط الاستثمار، وتعميق أسواق التمويل، وجذب مستثمرين استراتيجيين، وتحسين جودة الخدمات للمواطن. وبهذه الأدوات يتشكل سوق استثماري وتمويلي أوسع وأكثر تنافسية، يدعم استدامة المالية العامة ويمنح الاقتصاد قاعدة نمو أكثر متانة على المدى الطويل.




