نائب رئيس مجلس إدارة صندوق التنمية الوطني محمد التويجري:
من بناء منظومة التمويل التنموي إلى الانفتاح على الأسواق

29.01.2026
Twitter icon
Facebook icon
LinkedIn icon
e-mail icon
شارك هذه الصفحة مع آخرين
Print Friendly, PDF & Email

منذ انطلاق رؤية السعودية 2030، شكّل صندوق التنمية الوطني إحدى الأدوات المركزية لترجمة التحول الاقتصادي إلى برامج وتمويلات قابلة للتنفيذ. فالصندوق لم يُنشأ بوصفه جهة تمويل تقليدية، بل كمظلة تنسيقية تضم تحتها منظومة متكاملة من الصناديق التنموية، وتعمل على توجيه الإنفاق الرأسمالي نحو القطاعات القادرة على خلق نمو مستدام خارج النفط.

في هذه المقابلة مع "الاقتصاد والأعمال"، يشرح محمد التويجري، نائب رئيس مجلس إدارة صندوق التنمية الوطني، كيف انتقل الصندوق من مرحلة التأسيس وبناء الأطر والحوكمة، إلى مرحلة الابتكار والانفتاح على الأسواق، ودوره في دعم القطاع الخاص، وتمويل القطاعات التحولية، وتعظيم الأثر الاقتصادي والاجتماعي في المراحل المتقدمة من رؤية 2030.

  لماذا مؤتمر "مومنتم" الان؟ وما هي الرسالة الرئيسية التي اردتم إيصالها من خلاله؟

تأسس صندوق التنمية الوطني قبل سبع سنوات، وكان يضم آنذاك ستة صناديق تنموية قائمة منذ عقود. ومع إطلاق رؤية السعودية 2030، دخل الاقتصاد السعودي مرحلة جديدة قوامها التنويع وبناء محركات نمو إضافية. عند تأسيس الصندوق، كان أحد أهدافه الرئيسية توسيع منظومة التمويل التنموي لتشمل القطاعات التحولية الجديدة، وهو ما قاد إلى إنشاء ستة صناديق إضافية، هي: الصندوق السياحي، الصندوق الثقافي، بنك التصدير والاستيراد، صندوق البنية التحتية، صندوق المنشآت الصغيرة والمتوسطة، وصندوق الفعاليات.

رحلة التأسيس تطلبت بناء الأطر القانونية والتنظيمية، وتطوير الأنظمة، واستقطاب الكفاءات البشرية المناسبة. كما كان من الضروري تجهيز منظومة متكاملة لدعم القطاع الخاص بمختلف فئاته، ما استدعى إنشاء خزينة مركزية، والتركيز على العمل الاستراتيجي، والحوكمة، والانضباط المؤسسي. وقد تم إنجاز ذلك. ومع دخول رؤية 2030 مراحلها الأخيرة، رأينا أهمية فتح حوار أوسع مع القطاع الخاص، لتعريفه بشكل أوضح على عمل الصندوق وأدائه ومنظومته الكاملة، وكذلك على رؤيتنا لمستقبل التمويل التنموي في المملكة.

 هل يمكن اعتبار المؤتمر مؤشراً على دخول الصندوق مرحلة جديدة؟

بلا شك. تضم منظومة الصندوق اليوم 12 صندوقاً، لكل منها مجلس إدارته. ومنذ البداية، كان دور صندوق التنمية الوطني أن يكون المنظم والمُنسق والمُشرّع لهذه المنظومة، مع الحرص الدائم على تقديم أفكار نوعية. نحن اليوم ننتقل إلى مرحلة جديدة تتضمن الانفتاح على السوق، وتدوير بعض الأصول، والسعي للحصول على تصنيف ائتماني، ضمن أبعاد استراتيجية مختلفة. هذه مرحلة انطلاق جديدة، تستند إلى قاعدة متينة من الحوكمة العالية والتكامل مع الصناديق العاملة تحت مظلة الصندوق.

 هل يمكن القول إنكم أصبحتم جاهزين لمرحلة الابتكار والتجديد بعد مرحلة التأسيس؟

نعم. مرحلة البناء والتأسيس كانت أساسية. منظومة التمويل التنموي العالمية تمثل جزءاً مهماً من عملنا، من خلال الصندوق السعودي للتنمية تحديداً. وقد بدأنا العمل مع شركات في أوروبا وآسيا للانفتاح على الأسواق، كما نعمل مع مديري أصول عالميين لدراسة أنواع المنتجات الجديدة التي يمكن تطويرها. يمكن القول إننا دخلنا فعلياً مرحلة انطلاق جديدة بعد استكمال متطلبات التأسيس المؤسسي.

 ما هي أبرز عناوين المرحلة المقبلة في عمل الصندوق؟

هناك تركيز واضح على قطاعات الابتكار والتكنولوجيا والمنشآت الصغيرة والمتوسطة، التي نعتبرها عنصر الاستقرار والأمان للاقتصاد السعودي. هذا القطاع لا يحتاج فقط إلى الوصول إلى التمويل التنموي، بل إلى منظومة متكاملة تتيح له الوصول إلى الفرص وبيئة مُمَكِنة للنمو والتوسع. هذا كله يأتي في صميم عمل صندوق التنمية الوطني.

في الوقت نفسه، يمر العالم بتغيرات وتحديات متسارعة، فيما تواجه المصارف التجارية حدوداً وسقوفاً إقراضية وقدرات محددة في إدارة أنواع مختلفة من الأصول. هنا يأتي دور الصندوق في التكامل مع الجهات المعنية الأخرى، لسد الفجوات ودعم القطاعات التي نركز عليها.

 هل السعي للحصول على تصنيف ائتماني وتطوير نموذج العمل مقدمة لدخول أسواق رأس المال؟ وهل هناك أدوات مبتكرة للوصول إلى هذه الأسواق؟

لدينا أصول كبيرة. قطاع العقار، على سبيل المثال، يعد من القطاعات الحيوية في المملكة. صندوق التنمية العقارية، وهو أحد الصناديق الرئيسية لدينا، طبق خلال السنوات الماضية برنامج الإسكان، ونجح في الوصول إلى شرائح واسعة من المستفيدين بالشراكة مع المصارف التجارية، وكانت النتائج إيجابية. السؤال هو: ماذا يمكن تحقيقه إذا أُعيد توظيف هذه الأصول عبر الأسواق الراغبة في الاستثمار بها؟

من خلال الأسواق، يمكننا إعادة تدوير هذه الأصول. وقد أنشأنا بالفعل شركة متخصصة لإعادة التدوير، وبدأنا الحوار مع مديري أصول ومستثمرين حول هذا الموضوع. هناك أيضاً أفكار تتعلق بتنفيذ عمليات خارج الميزانية، وهي لا تعتمد على التمويل التقليدي، بل على أدوات تمويل ابتكارية، من بينها التمويل الممزوج  (Blended Finance) .  الهدف هو أن نكون دائماً جاهزين لتمويل القطاعات ذات الأولوية، بما يخدم رؤية المملكة 2030 وما بعدها.

 هل يعني ذلك السعي إلى موارد رأسمالية جديدة لتمويل قطاعات الرؤية؟

نعم. من أهدافنا، على سبيل المثال، دعم الشركات الناشئة للنمو والتوسع والتحول إلى شركات مليارية  (Unicorns)، ومساعدتها على الوصول إلى الأسواق من خلال إدراج أسهمها.

 يساهم الصندوق في معالجة تحديات اجتماعية مثل الإسكان. هل سيبقى البعد الاجتماعي حاضراً في عملكم؟

بالتأكيد. لدينا بنك التنمية الاجتماعية المتخصص في دعم الأسر المنتجة، ولدينا أيضاً صندوق تنمية الموارد البشرية الذي يدعم التدريب والتأهيل وإحلال المواطنين في الوظائف، ويساهم في دعم الأجور في بعض الحالات. البعد الاجتماعي عنصر أساسي ودائم في عمل الصندوق. كما أننا لا نُسعّر قروضنا على أسس تجارية بحتة، بل على أسس تنموية مستدامة، ونعتمد صيغاً مبتكرة للحصول على موارد جديدة، وهي صيغ مستخدمة لدى مؤسسات التمويل التنموي حول العالم.

 ما هي رسالتكم للقطاع الخاص؟ وكيف يمكن جذب مشاركته بشكل أكبر؟

القطاع الخاص يحتاج إلى وضوح فيما يتعلق بالفرص المتاحة، وحجمها، وتوقيتها، وتفاصيلها. هذا ما نعمل على توفيره من خلال الاستراتيجيات الوطنية والقطاعية والمناطقية، والإعلانات الحكومية المتكررة. ويتطلب ذلك تواصلاً مستمراً مع القطاع الخاص.

في قطاع المنشآت الصغيرة والمتوسطة، على سبيل المثال، تقوم هيئة "منشآت" بدور محوري في دعم الشركات منذ مرحلة الفكرة، مروراً بالاحتضان والتأسيس والتمويل والحوافز. لدينا اليوم منظومة متكاملة للحوافز والسياسات وسهولة ممارسة الأعمال، إضافة إلى إطار قانوني واضح يحدد حقوق الشركات والتزاماتها. هذا لا يعني أننا بلغنا نهاية الطريق، بل إن العمل مستمر على تطوير السياسات والأدوات.

القطاع الخاص السعودي لعب دوراً أساسياً في بناء الاقتصاد ولا يزال يواصل النمو، ولدينا قصص نجاح عديدة. في المقابل، يواجه القطاع تحديات خارجة عن إرادته، مثل تقلبات أسعار السلع، واضطرابات سلاسل الإمداد، والتغيرات الجيوسياسية، والتطورات التكنولوجية المتسارعة كحال الذكاء الاصطناعي. لذلك تستثمر المملكة في مجالات استراتيجية، مثل شركتي "آلات" و"هيومين"، في مجالات أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي، بما يخدم الأهداف الوطنية ويدعم القطاع الخاص.

 كيف تنسقون بين الصناديق القديمة والجديدة لتفادي الازدواجية؟ وهل هناك نية لتأسيس صناديق إضافية؟

هذا السؤال يرتبط بالحوكمة. مجلس إدارة الصندوق يضم جميع رؤساء مجالس إدارة الصناديق التابعة له، وهو الذي يختار الرؤساء التنفيذيين. نحن ممثلون في مجالس إدارة الصناديق، وهم ممثلون في مجلس إدارتنا، ما يضمن اطلاع الجميع على الأولويات والتوجهات والتطورات بشكل مستمر، وبما يتسق مع توجيهات القيادة والحكومة.

يضم مجلس الإدارة أيضاً أعضاء من خارج منظومة الصناديق، مثل وزير المالية ووزراء دولة، ما يثري النقاش ويمنحه بعداً إضافياً. رئيس مجلس الإدارة هو ولي العهد، وأنا نائب رئيس مجلس الإدارة. المنظومة مترابطة، متوازنة، وقائمة على النقاش وتبادل الآراء.

إنشاء الصناديق الجديدة جاء استجابة لحاجات قطاعات محددة، مثل السياحة والثقافة، ولدينا أيضاً صناديق ذات دور أفقي، كصندوق البنية التحتية الذي يخدم قطاعات متعددة. هناك معايير صارمة لتأسيس أي صندوق جديد، والمقياس الأساسي هو الأثر: الإسهام في نمو الاقتصاد غير النفطي، خلق وظائف مستدامة، تحسين ميزان المدفوعات، وتعزيز المحتوى المحلي.

هل تسعون إلى تعزيز دور المملكة كمنصة لاستقطاب رواد الأعمال والمواهب من الخارج؟

تجارب الدول التي نجحت في بناء بيئات متقدمة لريادة الأعمال تظهر أن تنوع الموارد البشرية عنصر أساسي للنجاح. الأفكار لا وطن لها. بدأنا، على سبيل المثال، من خلال جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية (KAUST) العمل على استقطاب شركات ناشئة ورواد أعمال، إلى جانب دعم البحث العلمي. لدينا هيئة للابتكار وهيئة للبحث والتطوير، كما أُعيدت هيكلة برنامج الابتعاث للتركيز على التخصصات المرتبطة بريادة الأعمال ووظائف المستقبل. برامج التأشيرات في المملكة تدعم هذا التوجه.

تاريخياً، استفادت المملكة من كفاءات عربية وآسيوية وأوروبية وأميركية أسهمت في البناء منذ التأسيس. نرحب بجميع الكفاءات ورواد الأعمال، وكما يقال في نجد: "هذا الميدان يا حميدان". الحكومة تدعم كل ما يخدم النمو والتوظيف والاستدامة وتحسين مستوى المعيشة.

 هل أصبح نموذج التمويل التنموي في المملكة تجربة ناضجة يمكن الاستفادة منها عالمياً؟

التجارب الدولية تظهر أن الدول التي طورت منظومات فعالة للتمويل التنموي كانت أكثر قدرة على تحقيق النمو والازدهار. وجود منظومة تمويل تنموي قوية يشجع الاستثمار ويستقطب المستثمرين. كمستثمر، من المهم أن أعمل في دولة تمتلك منظومة واضحة وقوية للتمويل التنموي، مع دعم حكومي يكمل دور القطاع الخاص.

نحن محظوظون بأن المملكة كانت سباقة في تأسيس صناديق التنمية التي شكلت النواة التي انطلق منها صندوق التنمية الوطني قبل سبع سنوات. هذه المنظومة تمثل اليوم أحد عناصر القوة الاقتصادية للمملكة.