مؤتمر "مومنتم"
يضع التمويل التنموي
في قلب التحول الاقتصادي السعودي

29.01.2026
Twitter icon
Facebook icon
LinkedIn icon
e-mail icon
شارك هذه الصفحة مع آخرين
Print Friendly, PDF & Email

كتب فيصل أبوزكي

جاء انعقاد مؤتمر "مومنتم" Momentum  للتمويل التنموي في الرياض اواخر العام الماضي في لحظة نضوج واضحة للتجربة السعودية في إدارة التحول الاقتصادي، حيث تجاوز التمويل التنموي دوره التقليدي كأداة مساندة للسياسات العامة، ليصبح أحد أعمدة النموذج الاقتصادي الجديد الذي تتبناه المملكة. فقراءة برنامج المؤتمر، بما يتضمنه من نقاشات حول تعظيم الأثر، وبناء المنظومات التمويلية، وتمويل المناخ، والأمن الغذائي والمائي وغيرها من المواضيع، تكشف التركيز على مناقشة التمويل التنموي بوصفه احد لغات التنفيذ الفعلي للتحول الذي أطلقته رؤية السعودية 2030.

 أكثر من تريليون ريال منذ 2015

ومنذ عام 2015، ومع بدء الانتقال من مرحلة التخطيط والرؤى إلى مرحلة التنفيذ، ضخت منظومة التمويل التنموي السعودي التي تضم 12 مؤسسة تعمل تحت مظلة صندوق التنمية الوطني، تمويلات تراكمية تجاوزت تريليون ريال سعودي (حوالي 267 مليار دولار). وقد توزعت هذه التمويلات بين قروض مباشرة طويلة الأجل، وضمانات ائتمانية، وحلول تمويل مشتركة مع البنوك التجارية، ودعم لرأس المال العامل والاستثمار الإنتاجي، بما غطى قطاعات استراتيجية تشمل الصناعة، والإسكان، والسياحة، والبنية التحتية، والخدمات اللوجستية، والطاقة المتجددة، والمنشآت الصغيرة والمتوسطة والقطاع الاجتماعي. هذا الحجم من التدخل التمويلي يمكن النظر إليه كمسار تمويلي موازٍ أصبح جزءاً بنيوياً من هيكل الاقتصاد السعودي.

تعبئة تمويلية غير مسبوقة حتى 2030

وتشير الخطط المعلنة والتوجهات التشغيلية للصناديق إلى أن حجم التمويل التراكمي المتوقع حتى عام 2030 قد يتراوح بين 1.7 و 2 تريليون ريال سعودي، ما يعني أن العقد الحالي يشهد أكبر عملية تعبئة منظمة للتمويل التنموي في تاريخ المملكة. والأهم من ذلك أن هذه التمويلات لا تعمل بمعزل عن بقية أدوات الدولة، بل تتكامل عضوياً مع ميزانية الدولة ومع صندوق الاستثمارات العامة، لتشكل معاً ثلاثية تمويلية أصبحت المصدر الرئيسي لتمويل التحول السعودي، ودعم القطاعات الجديدة، وتسريع تنفيذ المشاريع الكبرى، وضمان استدامة الإنفاق الرأسمالي حتى في ظل تقلبات الاقتصاد العالمي ودورات أسعار الطاقة.

الوظائف والمحتوى المحلي في صلب المعادلة

غير أن أهمية هذه المنظومة تتعدى حجم التمويل وحده، لتشمل طبيعة الأثر الاقتصادي الذي تسعى إلى تعظيمه. فالتمويل التنموي السعودي لم يُصمم ليكون بديلاً عن الاستثمار الخاص، ولا أداة دعم مباشر غير مشروط، بل أداة ذكية لتقاسم المخاطر، وتحسين جدوى المشاريع، وفتح قطاعات جديدة أمام رأس المال المحلي والأجنبي. ومن خلال هذا الدور، ساهمت تمويلات صناديق الصندوق منذ 2015 في خلق مئات الآلاف من فرص العمل المباشرة وغير المباشرة، وفي رفع المحتوى المحلي في سلاسل الإمداد، وفي دعم التوطين الصناعي والتقني، وفي تسريع نمو القطاعات غير النفطية، بما انعكس مباشرة على هيكل الناتج المحلي، خاصة في القطاعات غير النفطية، وعلى ديناميكية سوق العمل.

شراكة طويلة الأجل مع القطاع الخاص

هذا النموذج يعكس فهماً سعودياً متقدماً لدور الدولة في الاقتصاد، حيث لا تكتفي الدولة بالإنفاق، ولا تترك السوق وحده أمام المخاطر، بل تتدخل عبر التمويل التنموي لتوجيه الاستثمار نحو القطاعات ذات الأولوية الاستراتيجية. ومن هنا، يصبح التمويل التنموي أداة لإعادة هندسة العلاقة بين الدولة والقطاع الخاص، تقوم على شراكة عضوية طويلة الأجل، وليس على منطق الدعم المؤقت أو الإحلال. وهذا ما يفسر التركيز الواضح في مؤتمر "مومنتم" على مفاهيم مثل المنظومات التمويلية وتعظيم الأثر والتكامل بين الصناديق، وهي مفاهيم تتجاوز التفكير المالي الضيق إلى تفكير اقتصادي شامل يستهدف بناء اقتصاد متنوع وأكثر مرونة.

صندوق التنمية الوطني ينتقل إلى مرحلة الأسواق

وبعد انقضاء اكثر من 7 سنوات على تأسيسه تم خلالها تطوير البنى التنظيمية والقانونية والكفاءات البشرية وانظمة الحوكمة وتأمين التناغم التام بين الصناديق، والوصول الى النضج المؤسساتي، دخل صندوق التنمية الوطني مرحلة الابتكار والريادة وتطوير المتطلبات والادوات التي تساعده على تعظيم موارده واثره. وهذا ما يتوقع ان يتم من خلال اليات وادوات جديدة تتيح له اعادة تدوير اصوله عبر الاسواق. وهو يستعد حاليا للحصول على تصنيف ائتماني يمهد له الدخول الى الاسواق المالية.

من التمويل المباشر إلى الشراكات الدولية متعددة الأطراف

وفي البعد الدولي، انتقلت السعودية من تمويل مشاريع أو دول بشكل مباشر إلى دور أوسع واكثر تأثيرا في صياغة نماذج وأدوات التمويل التنموي، وبناء شراكات متعددة الأطراف، والتأثير في أجندة التنمية العالمية. فجلسات المؤتمر التي تناولت التعاون الثلاثي، والتقاطع بين التنمية والسلام، وتمويل التكيف المناخي، والأمن الغذائي والمائي، وضعت المملكة في موقع الشريك القادر على الربط بين احتياجات الدول النامية وقدرات المؤسسات المالية الدولية ورأس المال العالمي. وهنا، تقدم السعودية نموذجاً مؤسسياً وخبرة تنفيذية مستمدة من تجربة التحول الداخلي، وهو ما يجعل تجربتها ذات جاذبية خاصة للدول التي تبحث عن مسارات تنموية قابلة للتطبيق لا عن وصفات نظرية.

التمويل التنموي كأداة استقرار في بيئة عالمية مضطربة

كما يبرز من خلال المؤتمر أن التمويل التنموي أصبح جزءاً من الدور التوازني الأوسع الذي تلعبه السعودية في الاقتصاد والسياسة الدولية. ففي عالم يشهد تزايداً في المخاطر الجيوسياسية، وارتفاعاً في فجوات التمويل، وتراجعاً في قدرة بعض المؤسسات التقليدية على الاستجابة السريعة، تقدم السعودية نموذجاً يجمع بين الاستقرار المالي، والقدرة على تعبئة الموارد، والمرونة المؤسسية، بما يؤهلها لأن تكون نقطة جذب وتوازن في آن واحد. هذا الدور لا ينفصل عن التحول الداخلي، بل يستند إليه، ويستمد مصداقيته من قدرة المملكة على تحويل الرؤية إلى نتائج ملموسة وتعظيم اثرها على الانسان والاقتصاد.

"مومنتم" كمؤشر على مرحلة جديدة في مسار التحول

مؤتمر "مومنتم" يمكن قراءته كمؤتمر تخصصي حول التمويل التنموي وايضا كإعلان ضمني عن مرحلة جديدة في مسار التحول السعودي، مرحلة يصبح فيها التمويل التنموي أحد المحركات الأساسية للاقتصاد، وأحد أدوات السياسة الاقتصادية، وجسراً بين الداخل السعودي والدور العالمي المتنامي للمملكة. فالأرقام التي تحققت منذ 2015، والطموحات التمويلية حتى 2030، والتكامل بين الصناديق والميزانية وصندوق الاستثمارات العامة، والاستعداد لمرحلة الابتكار ودخول الاسواق المالية، كلها تؤكد أن السعودية تضفي تعريفا جديدا على التمويل التنموي، كما تعيد توظيفه كأداة مركزية لبناء اقتصاد جديد، وتعظيم الأثر الاقتصادي للاستثمار، وترسيخ موقعها كلاعب محوري في صياغة مستقبل التنمية في عالم يتغير بسرعة.