فيصل أبوزكي
زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان الأخيرة الى الولايات المتحدة الاميركية تاريخية بكافة المقاييس، وهي توازي في مفصليتها ومحوريتها لقاء المؤسس الراحل الملك عبد العزيز مع الرئيس الاميركي روزفلت في عام 1945. فهي دخلت مناطق جديدة غير مسبوقة في الاستثمار والدفاع والطاقة النووية والتكنولوجيا المتقدمة. وتأتي هذه الزيارة في لحظة حاسمة تتجاوز بمعانيها هذه الابعاد. فهي بالتأكيد ليست خطوة بروتوكولية ولا محطة تفاوضية ظرفية، بل فصل جديد في مشروع سعودي واسع يسعى لإعادة رسم موازين القوى في المنطقة ويؤسس لمرحلة مختلفة في تاريخها.
فالسعودية، بعدما أنجزت تحولاً داخلياً غير مسبوق عبر رؤية 2030، تتقدم اليوم لتلعب دور القوة الدافعة للاستقرار والسلام والازدهار في محيطها المباشر، وتقدّم نموذجاً سياسياً واقتصادياً يقطع مع عقود من الاضطراب والعنف والتراجع في المنطقة.
على مدى عقود، اختل ميزان القوى الإقليمي مرات عدة تحت وطأة سياسات بعض الدول التي زرعت أزمات لا نهاية لها وحروباً تدميرية استنزفت عدد العديد من دول المنطقة واضعفت حكوماتها المركزية وأغرقت مجتمعاتها في الفقر والانقسام وأبقت القضية الفلسطينية معلقة، وقتلت كل الفرص الممكنة لاقامة دولة فلسطسينية وفق حل الدولتين، مانعة أي مسار مستدام لحل عادل ودائم.
قوة توازن جديدة
هذه السياسات حوّلت المنطقة إلى مسرح صراعات متداخلة أنهكت دولها وأضعفت قدراتها واستنزفت مواردها. في قلب هذه المعادلة، تتقدم السعودية اليوم كقوة توازن جديدة. ليس بوصفها طرفاً يصارع على النفوذ، بل كدولة تؤسس لنموذج مختلف: نموذج يجعل الأمن الإقليمي وظيفة للاستقرار الاقتصادي، ويجعل التنمية أساساً للسلام، ويضع الاعتدال كشرط لدخول المنطقة عصر المنافسة التكنولوجية بدلاً من الغرق في سباق نحو الهاوية.
من تحالف الأمن الى الشراكة
زيارة واشنطن تأتي كمحطة استراتيجية في هذا المشروع. فالعلاقة السعودية-الأميركية تتحول تدريجياً نحو صيغة شراكة متكافئة تُعيد تحديد الأولويات: من الدفاع التقليدي إلى الأمن الإقليمي المستدام، من النفط كمحور للتعاون إلى الاستثمار والتكنولوجيا والطاقة النووية. ويبدو واضحاً أن واشنطن تدرك اليوم أن لا يمكن اعتبار السعودية مجرد شريك اقتصادي، بل لاعب رئيسي قادر على ضمان توازنات المنطقة في مرحلة تتغير فيها موازين القوى عالمياً. لكن الدور السعودي لا يقف عند حدود التنسيق مع الولايات المتحدة. فالمملكة تملك رصيداً جيوسياسياً كبيراً نابع من علاقات متوازنة مع الدول الفاعلة في العالم والمنطقة، وهي تبني وبصبرهندسة سياسية لمرحلة جديدة في المنطقة. هذه الهندسة تُترجم في ملفات لبنان وسوريا والعراق واليمن وفي الملف المركزي: فلسطين.
فالسعودية تملك القدرة على تحريك المسارات الراكدة، وعلى فتح نوافذ للحلول في ساحات كان يُعتقد أنها مغلقة نهائياً. تملك القدرة لأنها الطرف العربي الأكثر ثباتاً وتأثيراً وقدرة على جمع القوى المتناقضة وفتح مسارات للتسويات.
قوة حلول
في لبنان، يمكن للدور السعودي أن يعيد الدفع نحو استعادة الدولة المركزية، وإنهاء زمن الفراغات التي تآكلت خلالها المؤسسات. وفي سوريا، تستطيع المملكة أن تكون جسراً بين القوى الدولية والإقليمية لإعادة إدماج الدولة السورية في منظومة عربية طبيعية تُهيئ ظروف إعادة بناء الدولة والإعمار وتعافي الاقتصاد وحلول اللاجئين. وفي العراق، تشكل السعودية بوابة أساسية لعودة بغداد إلى محيطها الطبيعي، بعيداً عن التنازع بين المحاور. أما في اليمن، فالمملكة تمضي نحو حل سياسي ينهي الحرب ويؤسس لدولة مستقرة تعود إلى منظومة التنمية الخليجية والعربية. أما الملف الفلسطيني، فيبقى في قلب الرؤية السعودية للاستقرار الإقليمي. فالرياض تمتلك القدرة على ربط أي مسار تطبيع أو تقارب مع إسرائيل بشرط واضح وهو حل دائم للقضية الفلسطينية يضع حداً لدورة الحروب والقتل والتشريد، ويعيد فتح الأفق السياسي الذي أقفلته مشاريع اليمين الإسرائيلي المتطرف.
وفي الوقت نفسه، تُدرك المملكة أن أي استقرار دائم في المنطقة لا يمكن تحقيقه من دون معالجة المأزق القائم بين إيران والولايات المتحدة والغرب. لذلك، يمكن للسعودية أن تلعب دوراً محورياً في بناء صيغ جديدة لخفض التوتر، وتوفير بيئة تُعيد دمج إيران في معادلة إقليمية أكثر عقلانية وتوازناً، بعيداً عن منطق الوكالات والحروب بالوكالة.
كل ذلك يجعل السعودية مفتاح مرحلة جديدة في المنطقة. انها مرحلة تُعيد فيها الدول المأزومة بناء سيادتها، وتستعيد فيها المؤسسات دورها، ويعود فيها الاقتصاد ليكون محرك السياسة لا ضحيتها. مرحلة تُغلق باب الحروب والاضطرابات المفتوحة، وتفتح باب التنافس الإيجابي على التكنولوجيا والعلوم والثقافة والاستثمار والازدهار وجودة الحياة.
قوة نموذج وليست قوة املاء
إن التحول الذي تعيشه المملكة في الداخل، اقتصاداً ومجتمعاً، يمنحها شرعية وقدرة لتقود تحولاً مشابهاً في المنطقة. فالسعودية التي تبني اقتصادا عصريا منفتحا ومتنوعا ومدناً جديدة، وتضع التكنولوجيا في قلب مسارها التنموي، تُقدم اليوم نموذجاً يُلهم المنطقة للخروج من أسر الماضي والانطلاق نحو مستقبل تُصنع فيه القوة عبر الابتكار والخوارزميات والعلوم، لا عبر الحروب.
وفي هذا الاطار، تكون زيارة ولي العهد لواشنطن خطوة متقدمة في رحلة سعودية أكبر بكثير وهي رحلة نحو منطقة جديدة، مستقرة، متوازنة، مزدهرة، تنتهي فيه فصول الحروب وعدم الاستقرار الطويلة، وتبدأ فيه حقبة تُكتب فيها أولويات المنطقة بجهود أهلها لا بأقلام القوى الخارجية. السعودية، ببساطة، تفتح الباب لمرحلة تاريخية وهي مرحلة الاستقرار والازدهار، وعودة الدولة، وانطلاق سباق البناء والابتكار في منطقة عانت طويلاً من سباق الخراب.




