ميزانية السعودية 2019
من الترشيد إلى التحفيز

11.01.2019
وزير المالية محمد الجدعان
Twitter icon
Facebook icon
LinkedIn icon
e-mail icon
شارك هذه الصفحة مع آخرين
Print Friendly, PDF & Email

بعد مرحلة الضبط المالي وترشيد الاقتصاد والإدارات والمصالح الحكومية، عادت الحكومة السعودية للتركيز على تحفيز الاقتصاد عبر ميزانية قياسية تضمّنت زيادات ملحوظة في معدلات الإنفاق الاستثماري وزيادات كبيرة في الإعتمادات المخصصة لمختلف القطاعات. ورغم استفادة الميزانية من التحسن الملموس خلال العام 2018 لأسعار النفط، فإن الحكومة السعودية مستمرة في العمل على تحسين موارد الميزانية غير النفطية وتنفيذ الإصلاحات الهيكلية، إلا أنها باتت تعطي الأولوية لتحريك الاقتصاد والطلب وتحفيز القطاع الخاص، كما إنها مستمرة في توفير شبكة أمان لذوي الدخل المحدود تستوعب الآثار المترتبة على رفع الدعم عن عدد من السلع والخدمات سواء من خلال برنامج «حساب المواطن» أم من خلال العلاوات التي أمر بها خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز لكافة موظفي الدولة، إلا أن الأسر السعودية ستستفيد أيضاً بصورة غير مباشرة من زيادة الإنفاق الحكومي على خدمات التعليم والخدمات الصحية والاجتماعية.

 

زيادة الإنفاق الرأسمالي

يتضح التركيز على تنمية الاقتصاد وتحريك الأسواق في تخطيط ميزانية 2019 لزيادة الإنفاق بنسبة 7 في المئة إلى 1.1 تريليون ريال (295 مليار دولار) بهدف تحفيز الاقتصاد، وذلك من خلال توجيه جزء من موارد الميزانية نحو برامج رؤية 2030 التي تسهم بصورة مباشرة في النمو الاقتصادي وتوليد الوظائف للمواطنين. وأحد المؤشرات المهمة هنا هو زيادة المبالغ المخصصة للإنفاق الرأسمالي بنسبة 20 في المئة من 205 مليارات ريال في العام 2018 إلى 246 مليار اً في 2019 وهذا إلى جانب الدور الاستثماري الذي يتوقع أن يلعبه صندوق الاستثمارات العامة من خارج الميزانية وذلك عبر استخدام موارده الكبيرة لإطلاق عدد من المشاريع الكبرى في البلاد في قطاعات الترفيه والسياحة والعقار والمدن الجديدة. 

وتشير الأرقام الرسمية إلى أن الاقتصاد السعودي حقق في العام الماضي نمواً بنسبة 2.3 في المئة وهي نسبة تقل عن معدلات النمو المسجّلة في فترة الوفرة مطلع العقد الجاري حين بلغت أسعار النفط أرقاماً قياسية قبل بدء التراجع في 2014، وقد أعاد إعطاء الأولوية لهدف تحفيز الاقتصاد إلى مرتبة أقل في سلم الأوليات، ولهدف خفض العجز المالي الذي نجم عن سنوات من تراجع أسعار النفط. 

تراجع العجز المالي 

وكانت الحكومة السعودية تعهدت بخفض عجز الميزانية تدريجياً وصولاً إلى مرحلة التوازن في حلول العام 2023، وتراجع العجز بصورة ملحوظة في ميزانية 2019 إلى 136 ملياراًوهو أقل من العجز الذي كان مخططاً في ميزانية 2018 والبالغ 195 مليار ريال. 

وتراجع العجز في ميزانية العام 2018 عما كان متوقعاً بسبب التحسن خلال العام في أسعار النفط، إذ بلغ متوسط سعر نفط برنت نحو 73 مقابل 54 دولاراً للعام 2017، أضف إلى ذلك أن المملكة زادت إنتاجها خلال العام 2018 بمعدل 300 ألف برميل يومياً، الأمر الذي ساهم في زيادة العائدات النفطية، كما نجم تحسن العجز في الميزانية أيضاً عن الزيادة في الإيرادات غير النفطية وبصورة خاصة الشروع في تطبيق ضريبة القيمة المضافة المحددة بنسبة 5 في المئة في مطلع العام 2018.

الأولوية للنمو 

مع توجه الحكومة السعودية إلى تحفيز النمو الاقتصادي، فقد تمّ غض النظر هذا العام عن إجراء المزيد من الخفض في عجز الميزانية الذي تتوقع الحكومة حسب بيان الميزانية أن ينخفض بنسبة بسيطة من 136 إلى 131 مليار ريال، لذلك، توقعت مصادر مصرفية أن يؤدي تركيز الحكومة على حفز الاقتصاد وتنفيذ المشاريع الاستثمارية إلى توسيع نطاق العجز الفعلي في الميزانية، وسيمثل ذلك عودة إلى مذهب سابق في أوساط الدولة السعودية وهو تمويل التنمية عبر العجز المالي الحكومي خلال فترات الشح وذلك في انتظار تحسن أسعار النفط وعودة الفائض إلى مالية الدولة، ولا تعلن المملكة عن سعر النفط الذي يحقق لها التوازن بين النفقات والواردات، إلا أن عدداً من الخبراء الماليين الذين تفحصوا الميزانية يعتقدون أنها بُنيت على الأرجح على سعر للنفط الخام يبلغ كمعدل وسطي 70 دولاراً للبرميل وعلى معدل إنتاج يقدر بنحو 10.2 ملايين برميل يومياً. 

لكن الحكومة السعودية رغم اقتناعها بأهمية الإنفاق الحكومي في تحريك الاقتصاد لن تعود إلى سياسات الإنفاق الواسع التي كانت مطبقة في الماضي، وهي تتبع سياسة حذرة في زيادة الإنفاق بشكل لا يؤدي إلى التضخم أو إلى تفاقم العجز المالي، وبالتالي ازدياد الحاجة الى السحب من الاحتياط أو تضخيم الدين العام بما يزيد على الأهداف المقررة. وتجدر الإشارة إلى أنه وفي ضوء فرضيات الإنفاق لميزانية العام 2019 فمن المتوقع أن يبلغ إجمالي متطلبات الحكومة من الدين العام في 2019 نحو 118 مليار ريال، وهو ما سيؤدي بإفتراض عدم تسديد أي مبالغ خلال العام، إلى ارتفاع الدين الحكومي إلى 678 مليار ريال) 22 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي( في نهاية 2019 ، مقارنة بنحو 560 مليار ريال في نهاية 2018 .

نمو الواردات غير النفطية 

على صعيد الواردات، توقّع مشروع ميزانية 2019 أن تنمو واردات الميزانية بنسبة 9 في المئة إلى 662 مليار ريال وربما بني هذا التقدير المتفائل على توقع تحسن ملحوظ في أسعار النفط، وهذا احتمال غير مؤكد، إلا أن الزيادة المقدّرة في الإيرادات قد تكون بنيت بالدرجة الأولى على ما يتوقع أن تحصل عليه الدولة من المرحلة التالية لرفع الدعم عن بعض السلع والخدمات، وهذا الأمر أكّدت الحكومة في أكثر من مناسبة أنها ملتزمة به، إلا أنها لم توضح في معرض الإعلان عن الميزانية الجديدة إذا كان تطبيق الدفعة التالية لإجراءات رفع الدعم سيكون قريباً. 

يبقى القول إن حفز الاقتصاد سيأتي أيضاً من جانب صندوق الاستثمارات العامة والذي يستعد لتنفيذ مشاريع ضخمة في المملكة في قطاعات الترفيه والسياحة والعقار وتطوير المناطق الجديدة وهي مشاريع تدخل في رؤية 2030 وبرامج التحوّل الوطني. 

وأحد مصادر الدخل التي يمكن أن تكون استفادت منها الخزينة السعودية في العام 2018 قد تكون التسويات المالية التي تمّت خلال العام الماضي مع رجال أعمال وشخصيات تمّ التحقيق معها بتهم الفساد، مع الإشارة إلى أن وزير المالية محمد الجدعان كان قد أعلن في نهاية العام الماضي أن التسويات التي استفادت منها الخزينة السعودية تقدر بنحو 50 مليار ريال. 

وبصورة إجمالية فإن الإيرادات غير النفطية سجلت ارتفاعاً كبيراً في السنة المالية 2018 بلغ نحو 35 في المئة بالمقارنة مع العام 2017 وجاءت هذه الزيادة بصورة خاصة من ارتفاع الإيرادات من الضرائب على السلع والخدمات كسبب رئيسي، ومن المتوقع أن تتواصل الجهود لزيادة الإيرادات غير النفطية العام 2019 حيث تشير تقديرات الميزانية إلى ارتفاع متوقع في هذه الشريحة بنسبة 9 في المئة للسنة المالية 2019 بالمقارنة مع العام السابق.