كتب د. غسّان رباح*
أصدر العميد المتقاعد أنور يحيى كتابه الوثائقي "الشرطة القضائية في لبنان" الذي حوى تأريخاً لنشاط ومهام هذه المؤسسة منذ قيام دولة لبنان الكبير حتى إحالته على التقاعد. وعن هذا الكتاب كتب القاضي المتقاعد د. غسان رباح مقيماً ما تضمنه الكتاب من حقائق ومعلومات وإنجازات:
عندما التقيته للمرة الأولى ملازماً في قوى الأمن الداخلي، وفي مكتب العميد المتقاعد الصديق سامي منقارة، شعرت أن لديه الشغف بالعمل الأمني ومقاربته للمهمة القضائية المتّكلة على همّته، كما لمحتُ ابتسامة نوّرت وجهه السموح عندما توقعت له مساهمة أمنية لافتة في مستقبل الأيام المقبلة وهي حبلى بفوضى الحياة الاجتماعية على أنواعها، سيما الخطرة منها كجرائم القتل والسلب والمخدرات والتعدّي على حقوق المواطنين.
حرّضت هذا الضابط على استكمال تحصيله العلمي حتى نال درجة الماجستير في دراسة الحقوق بتفوّق، وبعدها شجعته على متابعة الطريق وصولاً إلى درجة الدكتوراه، ليفاجئني بأنه يعمل على مشروع أهم من الدرجة المذكورة، وصولاً إلى تأريخ مؤسسة قوى الأمن الداخلي بشكل عام، ثم الشرطة القضائية في لبنان بشكل خاص.
في ذلك الوقت، أحسست بإحباط أصابني في ثقافتي الحقوقية على مدى الأربعين سنة الماضية قاضياً في مختلف مجالات الخدمة، سيما العقابية منها، كما واجهته بخسارة محتملة لتاريخه العلمي...
مرّت الأيام، والعميد منكّب على مشروعه الأمني التأليفي من دون معرفة مخططه البديل، متوقعا ندمه في ما اختار للوصول إليه، حتى كانت مفاجأته اللافتة، مولوداً أنيقاً، بشكل كتاب بالغ الإتقان، صدر عن الدار العربية للعلوم (ناشرون)، المتميزة بمختلف أوجه تقنية الإخراج العلمي، بحيث يستمتع قارىء إصداراتها بشتى حقول المعرفة؛ وكأن هذا الحادث أراده العميد أنور، رداً مباشراً على ما توقعته من الندم على ترك تحصيله درجة الدكتوراه في الحقوق كما كنتُ أتمنى كمشرف على الأطروحات بمنحها لطالبيها في لبنان والعالم...
في فاتحة هذا الكتاب، بعنوان "الشرطة القضائية في لبنان" حقائق وإنجازات؛ يُدهشك المدخل للتعرّف على صفحاته التالية، تأريخاً مختصراً مفيداً لمهمات هذه الشرطة كمرجع للتحري عن مرتكبي الجرائم الملاحقة قانوناً والرجال الأوائل ممن تولّوا هذه المهمة، معرّفاً المهام الموكولة إليهم بحكم القانون والمذكرات الإدارية الصادرة عن المراجع الأمنية التي تولّت تلك الإدارة، ولاسيما في مجالات الأدلة الجنائية، الوسيلة الوحيدة التي تشكل القاعدة لدى المحاكم الجزائية لإصدار الأحكام المناسبة بحق الجناة.
وهذا ما كنت أترقبه في عملي القضائي، نائبا عاماً، ومحققاً أو رئيساً لمحكمة جنايات الأحداث في الجنوب، وفي فترات زمنية صعبة عشتها على مرّ حقبات عصيبة زمن اندلاع الحرب اللبنانية السيئة الذكر؛ وهي لازالت تؤرقني، شعوراً مني بدوام تردّداتها على واقعنا المعاش بعد اعلان نهايتها الظاهرة في بداية التسعينات؛ لتكرّ سُبحة الكاتب، عارضاً بأسلوبه المشوّق لتاريخ القسم العدلي في البوليس منذ قيام دولة لبنان الكبير، وحتى إحالته على التقاعد، بعد خدمته لهذا القسم على مر سنوات خمس، لم يترك فيها شاردة أو واردة من الأحداث الأمنية التي رافقته طوال عمله، إلّا وأوردها، قاصداً حقيقة حصولها، مبعداً نفسه عن مطلق مسايرة أو وجل قد ينتابه لعرضها وتحليلها - عاملاً على إظهار تداعياتها- عاريةً من كل شائبة طائفية أو فئوية وحتى مناطقية أو غيرها من المسايرات التي أصبحت ولاتزال تطبع يوميات حياتنا الحاضرة لأسباب أصبحت معروفة؛ وهو وثّقها بمصادر عدة مطبوعة ومعمّمة بمناسبات وأوقات مختلفة صادرة عن المراجع المعنية في أزمنة الإنتداب والإستقلال معاً. وهنا يشعر القارىء بمدى الجهود التي بذلها الكاتب في توثيق مختلف الأحداث التي اطّلع عليها من خلال المراجع التاريخية والإجتماعية التي عرضها تأكيداً للمعلومات المطلوب التعرّف عليها وبالصدقية الموثّقة بمراجعها وأرقامها من الجهات ذات الصلة، وهذا ما تابعه الكاتب في القسم الخاص بالشرطة القضائية كوحدة ضمن المديرية العامة في الحقبة الممتدّة من العام 1959 حتى العام 1990.
من خلال تقليبك لصفحات هذا المرجع الأمني النادر والمهم معاً ( 639 صفحة من الحجم الكبير)؛ تشعر بجدارة لافتة لكاتبها، وبأنه الشاهد الصادق حولها من دون حلفه اليمين على مجريات الأحداث التي اطلع عليها أو عاشها بكل جوارحه الشخصية الشفافة، ويُقدّر لديه مدى الحرص على حقائقها، حتى أنه لامس موضوع مكافحة الفساد فيها، حرصاً منه على استمرار مقاربتها مسؤولاً في خدمة المواطن - الإنسان، أياً كان ماضياً ومستقبلاً.
*قاضٍ متقاعد




