قصة تطوير قطاع إنتاج الطاقة الكهربائية في مصر ما بين العامين 2014 - 2019 تستحق أن تُروى وأن تكون نموذجاً يُحتذى به في بلدان المنطقة الساعية إلى إجراء إصلاحات حقيقية في قطاع الطاقة الكهربائية. ما حدث خلال السنوات الخمس الماضية هو إنجاز بكل ما للكلمة من معنى، وما نُفّذ على صعيد زيادة الإنتاج يختصر العقلية التي تُدير هذا الملف والتي تميّزت بالسرعة والإلتزام والشفافية.
فقد وضعت القيادة السياسية قضية الطاقة الكهربائية ضمن أجندتها الرئيسية بإعتبارها الركيزة الرئيسية للتنمية في شتى مجالات الحياة الإقتصادية والإجتماعية معتبراً توفير الكهرباء مسألة أمن قومي.
والقضية ليست من النوع الذي يمكن تأجيل التعامل معه، لأن عجز الكهرباء سبّب أضراراً في شتى القطاعات الاقتصادية والمجالات الاجتماعية. وقد تراوح تخفيف الأحمال (العجز) ما بين 2500 و3000 ميغاواط وبلغ ذروته العام 2014، إذ وصل إلى 6000 ميغاواط. والإنجاز النموذج يتمثل ببساطة بالإنتقال من حال العجز إلى الفائض من خلال إضافة نحو 25 ألف ميغاواط خلال أربع سنوات فقط، إضافة إلى تطوير وتحديث شبكات النقل وتحقيق إنجازات غير مسبوقة على صعيد انتاج الطاقة المتجددة.
يصف وزير الكهرباء والطاقة المتجددة محمد شاكر ما حدث من إنجازات خلال السنوات الثلاث الماضية بأنها «معجزة»، فقد تصدّت الوزارة لمشكلة انخفاض قدرات التغذية الكهربائية من خلال خطة متكاملة تتكون من أربعة محاور تمّ تنفيذها بكفاءة عالية وهي: أولاً، خطة عاجلة لإضافة نحو 3636 ميغاواط إلى الإنتاج من خلال مجموعة محطات جديدة بكلفة تقدر بنحو 2.7 مليار دولار، واعتُمِدَ في إنشاء المحطات على نموذج
(Engineering Procuremen & Construction) EPC+Finance.ثانياً، إستكمال مشاريع محطات إنتاج الكهرباء التي كانت قيد الإنشاء في وقت قصير جداً وغير مسبوق، ما مكّنها من إضافة 4250 ميغاواط بكلفة 3.9 مليارات دولار. ثالثاً، الإنتهاء من تنفيذ برامج الصيانة ورفع كفاءة المحطات إلى نسبة 100 في المئة. رابعاً، التنسيق المستمر مع وزارة البترول لتوفير الوقود.
لكن الإنجازات المُحققة تضع مصر أمام تحديات أخرى تتمثل في جعل النجاحات مُستدامة، وأهمها: مواصلة تنويع مصادر إنتاج الطاقة الكهربائية ورفع كفاءة المحطات الموجودة وشبكات النقل والتوزيع والاهتمام بالتكنولوجيات الحديثة المُستخدمة في الإنتاج إضافة إلى مواصلة تنفيذ مشاريع الطاقة المتجددة والمضي قدماً في مشروع الطاقة النووية وصولاً إلى لعب مصر دور طليعي من خلال مشاريع الربط الكهربائية الاقليمية. والأهم ربما هو الإلتزام بتنفيذ خطة «مستقبل الطاقة والتنمية المستدامة» (رؤية مصر 2030).
تنظر مصر إلى تطوير قطاع الطاقة ككلّ بإعتباره عاملاً رئيسياً في مساعي تحقيق النمو الاقتصادي وفقا لـ «رؤية 2030»، وترى الوزارة أن تنفيذ رؤية «مصر 2030» في مجال الكهرباء يتطلب أن يكون قطاع الطاقة قادراً على تلبية كافة متطلبات التنمية الوطنية المستدامة من موارد الطاقة وتطوير مصادرها المتنوعة (تقليدية ومتجدّدة) بما يؤدي إلى المساهمة الفعالة في دفع الاقتصاد والتنافسية.

تعزيز الإنتاج
لتحقيق هذه الرؤية تمّ تنفيذ مشاريع كبيرة لتوليد الطاقة الكهربائية حيث تمّ إنشاء ثلاث محطات عملاقة لتوليد الكهرباء بنظام «الدورة المركبة» بقدرة 14400 ميغاواط، وتمّ افتتاحها فى يوليو العام 2018، وبلغ إجمالي القدرات الكهربائية المضافة إلى الشبكة الكهربائية الموحدة نحو 25 ألف ميغاواط أي ما يعادل 12 ضعف قدرة السد العالي.
وبحسب وزارة الكهرباء، فإن المشاريع الكبرى التي تمّ تنفيذها ساعدت على تأهيل شركات مصرية للعمل في مثل هذا النوع من المشاريع وإتاحة الفرصة لها للعمل في الخارج وتدريب العمالة المصرية على هذا النوع من الأعمال. واستكمالًا لهذا الجهد وفي إطار تنويع مصادر إنتاج الطاقة الكهربائية والاستفادة من ثروات مصر الطبيعية وبخاصة مصادر الطاقة الجديدة والمتجددة، فقد تمّ بالتعاون مع أحد بيوت الخبرة العالمية والاتحاد الأوروبي وضع استراتيجية للمزيج الأمثل فنياً واقتصادياً لتوليد الطاقة في مصر والتي تتضمن تعظيم مشاركة الطاقة المتجددة في مكوّنات انتاج القدرات الكهربائية، والتي تعتمد على اختيار السيناريو الأمثل الذي يحقق التوازن المطلوب للطاقة.

الطاقة المتجددة
وتتضمن نتائج هذه الاستراتيجية تعظيم مشاركة الطاقة المتجددة فى مزيج القدرات الكهربائية لتصل نسبتها إلى 42 في المئة في حلول العام 2035، ويتم حالياً إجراء الدراسات اللازمة لزيادة هذه النسبة لتصل إلى 47 في المئة، وفي الوقت نفسه تستهدف الخطة القصيرة الأجل الوصول إلى 20 في المئة في حلول العام 2022، كما يتضمن مزيج الطاقة أيضاً كافة أنواع مصادر الطاقة كالطاقة النووية، الفحم النظيف والغاز.
وبشكل موازٍ، قامت الشركة المصرية لنقل الكهرباء بربط تلك المشروعات بالشبكة القومية، ويجري التنسيق لإنشاء مركز تحكم لإدارة منظومة توليد الكهرباء من محطات الطاقة الشمسية في منطقة بنبان، وهذا يؤكد على قدرة الطاقة المتجددة على جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة ويؤكد على أهمية دور المؤسسات الوطنية في خلق مناخ استثماري يتمتع بمخاطر منخفضة وتفاعل إيجابي مع مؤسسات التمويل وشركاء التنمية. ويوضح الوزير شاكر أن محطة توليد الطاقة الكهرومائية باستخدام تكنولوجيا الضخ والتخزين بقدرة 2400 ميغاواط، والتى يتم السير في إجراءات تنفيذها حالياً بالتعاون مع إحدى الشركات العالمية في جبل عتاقة بمحافظة السويس تعتبر أحد الحلول المثلى التي ستؤدي إلى تعظيم الاستفادة من الطاقات المتجددة.
وبحسب بيانات وزارة الكهرباء، فإن المشروعات القائمة في طاقة الرياح تضم عدداً كبيراً من المحطات التي تصل قدراتها إلى نحو 1575 ميغاواط، وقد تمّ تنفيذ هذه المشاريع بالتعاون مع كل من ألمانيا والدانمارك وإسبانيا واليابان، من خلال مؤسسات مثل بنك التعمير الألماني وبنك الاستثمار الاوروبي والمفوضية الأوروبية والوكالة اليابانية للتعاون الدولي.

الطاقة الشمسية
تتضمن مشاريع الطاقة الشمسية، محطات خلايا فوتوفولطية وتخدم المناطق والقرى والتجمعات غير المرتبطة بالشبكة الموحدة، ويتم استخدام الخلايا الفوتوفولطية، بالتعاون مع الإمارات. تنقسم المشاريع إلى اربع مجموعات مختلفة على أساس النظام والحجم والطلب على الطاقة في القرى والبلدات. المجموعة الأولى تشمل القرى والتجمعات السكنية المحرومة من خدمات الكهرباء، أما المجموعة الثانية فتشمل قرى وتجمعات سكنية تعتمد في الوقت الحالي على التغذية بمحطات ديزل، فيما تضم المجموعة الثالثة مدناً وتجمعات سكانية تعتمد على التغذية بمحطات ديزل مركزية، وتخدم المجموعة الرابعة أعمدة إنارة الشوارع.
وتتضمن المشاريع الحكومية الحالية والمستقبلية، محطات خلايا فوتوفولطية بقدرة تصل إلى 1546 ميغاوط وهي تتم بالتعاون مع الوكالة اليابانية للتعاون الدولي، الوكالة الفرنسية للتنمية، الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي، بنك التعمير الألماني، ويتم تنفيذ بعض هذه المشاريع من خلال شركة سكاي باور الأميركية الكندية.

القطاع الخاص
بحسب الوزارة، فإن مشاريع «البناء والتملك والتشغيل» BOO تلعب دوراً في جذب المستثمرين إلى السوق المصرية باعتبارها وجهة آمنة للاستثمارات التي تمتدّ لأكثر من 20 عاماً بأسعار طاقة غير مسبوقة تبلغ 2.75 سنت دولار كيلوواط/ساعة للطاقة الشمسية ونحو ثلاثة سنتات كيلوواط/ساعة لمشاريع طاقة الرياح، فضلاً عن القدرة العالية لهذه المشروعات.
ومن المعروف أن مصر تتمتع بثراء في مصادر الطاقات المتجددة والتي تشمل بشكل أساسي طاقة الرياح والطاقة الشمسية وتصل القدرات الكهربائية التي يمكن إنتاجها من هذه المصادر إلى 90 جيغاواط، وتمّ تخصيص أكثر من 7600 كيلومتر مربع من الأراضي غير المستغلة لمشاريع الطاقة الجديدة والمتجددة.
وتمّ اتخاذ العديد من الإجراءات لتشجيع مشاركة القطاع الخاص في مشروعات الطاقة المتجددة، وكانت الخطوة الأكثر أهمية هي التعديلات التشريعية لإزالة عقبات الاستثمار في هذا المجال، ومنها: تغيير اسم وزارة الكهرباء والطاقة إلى وزارة الكهرباء والطاقة المتجددة لتعكس إلتزام الوزارة تجاه مشاريع الطاقة المتجددة. وأعلن أيضاً عن برنامج إصلاح التعرفة الكهربائية وقد تمّ اعتماد إعادة هيكلة للتعرفة لكن تم تأجيل تنفيذها لتخفيف الأعباء على المستهلكين ذوي الدخل المحدود. كما تم تعديل قانون إنشاء هيئة الطاقة الجديدة والمتجددة بحيث يسمح لها بإنشاء شركات بمفردها أو بالشراكة مع القطاع الخاص لبناء وتشغيل مشاريع الطاقة المتجددة. وتم إصدار قانون لتحفيز الاستثمار في مجال الطاقة المتجددة في ديسمبر 2014 ويتضمن القانون اربعة برامج لتشجيع توليد الكهرباء من مصادر الطاقة المتجددة، وهي:
- المشاريع الحكومية التي تنفذها هيئة الطاقة الجديدة والمتجددة بنظام EPC+Finance .
- طرح المناقصات التنافسية من خلال الشركة المصرية لنقل الكهرباء بنظام BOOوالمزايدات.
- نظام IPP حيث يقوم المستثمر ببيع الطاقة المنتجة مباشرة إلى عملائه من خلال استخدام شبكة الكهرباء القومية مقابل رسوم استخدام.
- وضع تعرفة التغذية للطاقات المتجددة والتي تتيح للقطاع الخاص الاستثمار في مجال إنشاء وتملك وتشغيل محطات إنتاج وبيع الكهرباء المنتجة من الطاقة الشمسية وطاقة الرياح.

الدور الإقليمي
وتنظر مصر إلى مشاريع الربط الكهربائي الإقليمي بإعتبارها تلعب دوراً مهماً في تعزيز أمن الطاقة وزيادة استخدام الطاقة المتجددة على المدى المتوسط والطويل، لذلك تشارك مصر بفعالية في جميع مشاريع الربط الكهربائي الإقليمية، وبعد الانتهاء من مشاريع الربط الكهربائي الحالية، ستتحوّل مصر إلى مركز للربط الكهربائي بين أوروبا وآسيا وأفريقيا.
ومؤخراً، تم توقيع مذكرة تفاهم واتفاقية تعاون مع المنظمة الدولية لتطوير مشاريع الربط الكهربائي للتعاون في عدد من المجالات من بينها إجراء البحوث حول استراتيجية الطاقة في مصر، وتعزيز استخدام الطاقة المتجددة وتكامل الشبكات الكهربائية، وكذلك إجراء تشاور فني حول تطبيقات الشبكات الذكية، ويتوافق مشروع الربط الكهربائي الدولي مع رؤية مصر لتصبح مركزاً إقليمياً للطاقة.
ويؤكد الوزير شاكر على الأهمية القصوى لتدعيم وتقوية شبكات نقل وتوزيع الكهرباء خصوصاً في ضوء القدرات الكبيرة التي يتم إنتاجها حالياً وأيضاً المتوقعة من الطاقة المتجددة، الأمر الذي يتطلب شبكة كهرباء موثوقة ومرنة. وتعمل وزارة الكهرباء حالياً على تحسين وتطوير شبكات النقل والتوزيع بما في ذلك محطات التحويل، ومراكز التحكم والشبكات الذكية، وتم تخصيص أكثر من 45 مليار جنيه لإنجاز هذا الهدف.

وبحسب الوزير شاكر، ثمة جهود كبيرة تستهدف تحسين خدمات الطاقة وتطبيق معايير الحكومة الإلكترونية ومكننة الخدمات المقدمة للمواطن من خلال الإنترنت، والإدارة الذكية لشبكات نقل وتوزيع الكهرباء وإتاحة وسائل الدفع غير النقدي لسداد قيمة فواتير الكهرباء، وكذلك شحن بطاقات العدادات المسبقة الدفع بالإضافة إلى تنويع طرق التواصل مع الجمهور لتلقي استفساراتهم وتقديم الخدمات لهم من خلال قنوات متعددة ما يلبي احتياجات العملاء المختلفة ويتيح لكل مواطن اختيار القناة الأنسب له وفقاً لظروفه وخلفيته المعرفية والتكنولوجية.




