د. محمود محيي الدين
في ظل الأوضاع الاقتصادية العالمية الحالية من انخفاض للنمو وارتفاع للتضخم وتكلفة الديون وزيادة عجز الموازنة، مع الاختلالات المتزايدة بين القوى الاقتصادية الكبرى من ناحية وبينها وبين البلدان النامية من ناحية أخرى، ومع احتدام الصراعات الجيوسياسية، يصبح نشوب أزمة مالية مسألة وقت. عندئذ سيعود الناس لكتاب تشارلز كيندلبرجر الشهير عن الانهيارات المالية والذعر المصاحب لها https://www.goodreads.com/book/show/367596.Manias_Panics_and_Crashes، وأعمال هايمان مينسكي عن وصف "النظام" بأنه بطبيعته غير مستقر "Stabilizing an Unstable Economy" by Hyman P. Minsky Ph.D، وكتابات روبرت شيللر عن الفقاعات Bubbles, Human Judgment, and Expert Opinion | JSTOR. وربما كتب أحدهم مؤلفاً جديداً على غرار ما كتبه كينيث روجورف وكارمين راينهارت "هذه المرة مختلفة!" https://press.princeton.edu/books/paperback/9780691152646/this-time-is-different
ولكن المختلف هذه المرة حقاً هو أن أوجاع الاقتصاد الحقيقي والتوترات الاجتماعية سبقت الإعلان عن الأزمة المالية، فهناك أزمة ديون سيادية صامتة تنهك موازنات الدول، وتلتهم من المخصصات العامة للتعليم والصحة، وتقيد النمو وترفع تكلفة المعيشة وتنخر في الأوضاع المعيشية للطبقة الوسطى،. ولنراجع أرقام الفقر المدقع وتفاوت الدخول وما آلت إليه أوضاع التنمية المستدامة وفقاً لمؤشراتها الأخيرة. The Sustainable Development Goals Report 2026 | DESA Publications
هذا لا يعني بحال أن آثار الأزمة المالية قد سبقت حدوثها وانتهى الأمر. بل أنه بعد إعلان نشوب الأزمة المالية ستتداعى آثارها الكبرى واحدة تلو الأخرى بسلبياتها التي رأينا مثيلات لها مع الأزمة الآسيوية في التسعينيات والأزمة المالية العالمية في 2008.
وكالعادة لن يتحمل المتسببون في الأزمة المالية تبعاتها وحدهم؛ هذا إن أصابهم ضرر بالغ منها أصلاً. وسيتكرر الحديث عن أبرياء ظلمتهم الأزمة بفقد أعمالهم ونقص مدخراتهم وتدهور فرص معيشتهم. وعندما تظهر العلاجات المقترحة ويبدأ تطبيقها فستنتشر أحاديث عن آثار سلبية لإجراءات مكافحة الأزمة ونتائج غير مقصودة منها.
وبالنسبة للأزمة المالية القادمة، والتي ستفجرها أزمة الديون السيادية، إذا لم يتم احتواؤها، فيمكن النظر في تعليقي على ما كتبه الاقتصادي أوليفييه بلانشارد https://www.linkedin.com/posts/mmohieldin_deficit-debt-crisis-activity-7494074204905009152-15es?utm_source=share&utm_medium=member_ios&rcm=ACoAAAyJk9EBprpbuIxce6M8Ym1zZNjzk8R7Z_E. إذ يجد بلانشارد مخرجاً في ضبط الموازنات العامة، عند أوضاع توازنية متعددة تتوقف على مدى ارتياح المستثمرين -أو بالأحرى المقرضين- عن وضع مخاطر السداد ومدى قبولهم لهامش سعر فائدة يرتفع كلما ازدادت مخاوفهم. وهنا تأتي أولوية ضبط الموازنة العامة، وحسن الحديث عن الجيد من أخبارها، لطمأنة المقرضين، في بلد متقدمة كفرنسا تعاني من العجز وزيادة الديون العامة.
والبلدان النامية حتماً أكثر انكشافاً وعرضة لسلبيات تغيرات أسعار الفائدة وأسعار الصرف. كما أن حكوماتها كثيرا ما تقابل تصريحاتها عن تطورات إيجابية في ماليتها العامة بالشك والريبة. فلا تجدي نفعاً في طمأنة المقرضين إذا سادت بينهم شكوك في القدرة على سداد المستحقات.
ونعلم أن خير علاج للأزمة هو منعها وعدم السقوط في فخها أصلاً. وسينجو منها من استعان بالقواعد الحصيفة في إدارة السياسات العامة ومؤسساتها، واتخذ من وسائل التوقي ما يعبر به ظروف اللايقين الراهنة والأزمة القادمة.
ويمكن الاطلاع على هذه الوسائل وأولوياتها من خلال كتابي "في التقدم: مربكات ومسارات" في التقدم: مربكات ومسارات - محمود محيى الدين - مكتبات الشروق ، فضلاً عما عرضته من اقتراحات عملية فيما يتعلق بالسيطرة على تفاقم الديون وعجز الموازنة العامة، مع اعتماد نموذج جديد للنمو والاستثمار والتصدير وتوطين التنمية، فضلاً عن توسيع الأسواق في إطار من الإقليمية الجديدة.




