الكويت تُفاضل بين مسارين عبر السعودية والإمارات لإنشاء خط أنابيب يمنحها منفذاً تصديرياً جديداً.
السعودية تعتمد على خط «شرق – غرب» لنقل 7 ملايين برميل يومياً عبر ساحلها الغربي من ميناء ينبع.
الإمارات تتجه لبناء شبكة أوسع تجمع بين خطوط الأنابيب وتوسعة الموانئ وإنشاء موانئ جديدة.
العراق يستهدف خط «البصرة - حديثة - كركوك - جيهان» باتجاه تركيا و«البصرة - حديثة - بانياس» باتجاه الساحل السوري.
محرر الشؤون الخليجية
لم يعد البحث عن بدائل لمضيق هرمز مجرد استجابة لتعطل الملاحة، بعدما أعاد الإغلاق الفعلي للممر الذي كان يعبر منه خُمس إمدادات الطاقة العالمية، وضع أحد أهم شرايين اقتصادات المنطقة تحت الاختبار. فمن الكويت التي توقفت صادراتها النفطية بالكامل، إلى السعودية التي تمتلك منفذاً قائماً إلى البحر الأحمر، والإمارات التي تمضي نحو خفض اعتمادها على المضيق إلى «صفر»، وصولاً إلى العراق الذي يبحث بدوره عن مسارات جديدة عبر أراضيه ودول الجوار، تتشكل خريطة موازية لتدفقات الطاقة، قوامها خطوط أنابيب وموانئ وممرات برية تمتد من البحر الأحمر إلى خليج عُمان والبحر المتوسط.
وتبدو الكويت أمام التحدّي الأكثر إلحاحاً، بحكم موقعها في عمق الخليج واعتمادها شبه الكامل على هرمز في تصدير النفط. فمع استمرار إغلاق المضيق منذ اندلاع الحرب الأميركية - الإيرانية أواخر شباط الماضي، توقفت صادراتها النفطية، ما دفعها إلى فتح مباحثات مع السعودية ودول عربية مجاورة لإنشاء خط أنابيب جديد يمنحها منفذاً تصديرياً لا يمرّ عبر هرمز.
وتدور المباحثات حول مسارين: أولهما خط يعبر الأراضي السعودية وصولاً إلى البحر الأحمر أو سلطنة عُمان، والثاني يربط الكويت مباشرة بميناء الفجيرة الإماراتي على خليج عُمان. والمشروع الذي وصفه وزير النفط طارق الرومي بأنه «ضخم» لا يزال في مرحلة المُفاضلة بين الخيارات، بالتنسيق مع السعودية والإمارات وشركاء إقليميين آخرين، للوصول إلى المسار الأكثر جدوى والأقل كلفة.
بالتوازي، تُجري الكويت مباحثات لتعزيز احتياطياتها الاستراتيجية من النفط في دول صديقة، فيما تحتاج إعادة بناء خزانات التخزين المتضررة إلى «عام على الأقل». وتختصر عبارة الرومي حجم المعضلة التي تدفع الكويت إلى البحث عن شريان جديد: «طالما بقي المضيق مغلقاً، فإن صادرات النفط تساوي صفراً».
وفي حين تبحث الكويت عن منفذ جديد، تمتلك السعودية بالفعل أحد أبرز المسارات القائمة لتجاوز هرمز، عبر خط أنابيب «شرق – غرب»، الذي رفعت «أرامكو» الضخ من خلاله إلى طاقته القصوى البالغة نحو 7 ملايين برميل يومياً خلال الربع الأول من 2026، بما يدعم صادرات المملكة عبر ساحلها الغربي من ميناء ينبع.
ويمنح الخط المملكة قدرة قائمة على تحويل كميات كبيرة من صادراتها بعيداً عن هرمز، لكنه لا يُلغي مخاطر الممرات البحرية، بل ينقل جزءاً منها إلى البحر الأحمر، إذ يتعيّن على الناقلات المغادرة من ينبع عبور مضيق باب المندب، مع احتمال تعرضها للاستهداف إذا قرّرت جماعة الحوثيين مهاجمتها.
أما الإمارات، فتذهب أبعد من إيجاد مسار بديل واحد، باتجاه بناء شبكة أوسع من المنافذ النفطية والتجارية خارج هرمز، تجمع بين خطوط الأنابيب وتوسعة الموانئ وإنشاء موانئ جديدة وربطها بالطرق والسكك الحديدية. والهدف المُعلن لا يقتصر على تخفيف الاعتماد على المضيق، بل الوصول به إلى «صفر في المئة».
وفي قلب هذه الخطة توسعة الموانئ الشرقية في دبا والفجيرة وخورفكان على خليج عُمان، والتوجه لبناء ميناء جديد آخر على الأقل على الساحل نفسه. كما تعمل الإمارات على تسريع خط أنابيب ثانٍ لمضاعفة كمية النفط الخام التي يمكن تصديرها عبر الفجيرة، وتدرس إنشاء خط ثالث، إلى جانب خيارات إضافية لضمان تصدير البتروكيماويات والغاز الطبيعي المُسال ومنتجات الطاقة الأخرى.
ومن المقرر أن يدخل «خط أنابيب غرب - شرق 1» حيز التشغيل بحلول عام 2027، ليُسهم في مضاعفة السعة التصديرية لشركة «أدنوك» عبر الفجيرة، فيما تواصل الإمارات حالياً تصدير نحو 1.5 مليون برميل يومياً من الميناء عبر خط قائم يتجاوز هرمز.
وحدّد وزير الدولة للتجارة الخارجية ثاني بن أحمد الزيودي الاتجاه الذي تمضي فيه هذه المشاريع بقوله: «نحن نتحرك نحو الاعتماد بنسبة صفر في المئة على مضيق هرمز، وسيسري ذلك بغض النظر عما إذا كان الممر مفتوحاً أم لا»، مؤكداً أن إعادة فتح المضيق لن توقف تنفيذ الخطة الجديدة.
ولا يقتصر التحرك الإماراتي على النفط. فقد توصلت «موانئ دبي العالمية» إلى اتفاق مبدئي مع هيئة «موانئ الفجيرة» للحصول على امتياز لمدة 50 عاماً لتطوير محطتين جديدتين للمياه العميقة على الساحل الشرقي، بما يربط حركة التجارة العالمية بموانئ الإمارات من دون حاجة السفن إلى المرور عبر هرمز.
وتبلغ الطاقة الاستيعابية السنوية المجمعة لمحطتي «الرغيلات» و«دبا» 2.5 مليون حاوية قياس 20 قدماً، و190 ألف سيارة، وما يصل إلى 5.3 مليون طن من البضائع العامة، على أن ينفذ المشروع على مراحل قد يستغرق إنجازها ما يصل إلى 30 شهراً. ووضع رئيس مجلس إدارة «موانئ دبي العالمية» عيسى كاظم المشروع في إطاره الأوسع، مؤكداً أنه «يعزز الدور الاستراتيجي للدولة في التجارة العالمية».
وإلى الشمال من الخليج، يسلك العراق بدوره طريق تنويع منافذ التصدير، عبر استراتيجية تستهدف فتح مسارات جديدة لخطوط الأنابيب بالتعاون مع شركات دولية. وتشمل الخيارات المطروحة مسار «البصرة - حديثة - كركوك - جيهان»، بما يفتح طريقاً باتجاه تركيا، ومسار «البصرة - حديثة - بانياس» باتجاه الساحل السوري، في محاولة لتوسيع البدائل المتاحة أمام صادراته بعيداً عن الاعتماد على مسار واحد.
وتتقاطع تحركات الدول مع ما بدأته شركات الشحن نفسها من إعادة رسم لمساراتها. فقد أنشأ مشغلو الشحن الرئيسيون طرقاً برية للمساعدة في تخفيف تكدس السفن حول المضيق، فيما تتجه دول الخليج إلى استراتيجيات أطول مدى تشمل تطوير خطوط أنابيب وموانئ جديدة. ووفق كبيرة المحللين في قسم الاستخبارات الاستراتيجية بشركة «إس-آر إم» تامسين هانت، فإن دول الخليج «تعكف على إعداد استراتيجيات طويلة المدى، من ضمنها مشاريع لتطوير خطوط أنابيب وموانئ جديدة» للحدّ من اعتمادها على هرمز.
هكذا، تختلف نقطة الانطلاق فيما تتقاطع الوجهة: الكويت تبحث عن شريان جديد يكسر اعتمادها شبه الكامل على هرمز، والسعودية تستند إلى خط قائم ينقل نحو 7 ملايين برميل يومياً إلى البحر الأحمر، والإمارات تبني شبكة تستهدف الوصول بالاعتماد على المضيق إلى «صفر»، فيما يفتح العراق مساراته باتجاه تركيا وسورية. وبين البحر الأحمر وخليج عُمان والبحر المتوسط، تتسع بذلك خريطة البدائل لممر ظل لعقود بوابة رئيسية لنفط المنطقة إلى العالم.




