نحو بناء الثقة والشراكة مع الخليج والمحيط الإقليمي والعالم
بقلم: د. خالد عيتاني
قوروش: حين أصبحت القوة الإيرانية لغةً للاحتواء
قبل أكثر من خمسة وعشرين قرنًا، ظهر قوروش الكبير، مؤسس الإمبراطورية الأخمينية وأحد أبرز قادة العالم القديم. لم يبق اسمه حاضرًا لأن دولته اتسعت بين آسيا الوسطى والبحر المتوسط فحسب، بل لأن تجربته ارتبطت باحترام التنوع الثقافي والديني والاستفادة من مؤسسات المجتمعات المختلفة. وتصف اليونسكو باسارغاد، عاصمته الأولى، بأنها عاصمة أول إمبراطورية كبرى متعددة الثقافات في غربي آسيا، فيما توثق أسطوانة قوروش احترام المعابد وإعادة رموز دينية إلى مواضعها.
ولم تكن سياسة قوروش مجرد خطاب عن التسامح، بل ممارسةً تُترجم في إدارة المجتمعات. فعندما دخل بابل، لم تتوقف الطقوس في معابدها، ووجّه كلمات التحية إلى سكانها، وأعاد عددًا من الرموز الدينية التي كانت قد نُقلت من معابدها. وبذلك لم يبدأ عهده بإلغاء ذاكرة المجتمع أو مصادرة معتقداته، بل بتقديم الدولة الجديدة بوصفها حاميةً للنظام والاستقرار، لا قوةً تريد إعادة تشكيل حياة الناس وفق هوية المركز.
كان في هذه السياسة وعي متعدد الأبعاد: وعي سياسي بأن الشرعية أوسع من التفوق العسكري، ووعي اجتماعي بأن احترام عقائد الناس يحمي تماسك الدولة، ووعي اقتصادي بأن استقرار المدن والمؤسسات يحفظ الإنتاج والتجارة، ووعي عسكري بأن القوة تبلغ غايتها حين تمنع الفوضى، لا حين تتحول إلى حضور دائم في حياة المجتمعات. لم يفصل قوروش بين هذه الأبعاد، بل جعلها أجزاءً من رؤية واحدة للقوة والحكم.
لا تحتاج إيران المعاصرة إلى استعادة خريطة قوروش، بل إلى استعادة منطقه السياسي: قوة تعرف كيف توسع دائرة القبول من حولها، وتحترم خصوصية الجار، وتدرك أن الاستقرار لا يصنعه التفوق وحده، بل الثقة التي يولدها استخدامه. فالسؤال ليس إن كانت إيران قادرة على التأثير في محيطها؛ بل ما إذا كان هذا التأثير يجعل الدول المجاورة أكثر رغبة في الشراكة معها أم أكثر حاجة إلى موازنتها.
من جاذبية الثورة إلى عبء المشروع العابر للحدود
كانت ثورة 1979 حدثًا إيرانيًا كبيرًا، ومن حق الإيرانيين اختيار نظامهم والدفاع عن استقلالهم. لكن الثورة حملت منذ بدايتها تصورًا يتجاوز حدود الدولة. فالدستور الإيراني يجمع بين الدعوة إلى علاقات سلمية وعدم التدخل، وبين دعم حركات «المستضعفين» ومنح الحرس الثوري مهمة حماية الثورة ومكتسباتها ضمن تصور عقائدي واسع.
في هذه المسافة بين الدولة والثورة نشأ الخلل. كان يمكن لإيران أن تصدّر تجربتها بقوة الإنجاز: اقتصادًا منتجًا، وصناعة متقدمة، وجامعات جاذبة، ونموذجًا للاستقلال يفرض احترامه. لكنها نقلت مفهوم تصدير الثورة، في مراحل متعددة، من الإلهام إلى بناء شبكات سياسية وعسكرية داخل دول عربية. وبذلك لم تعد طهران تُقرأ بوصفها جارًا كبيرًا فقط، بل بوصفها طرفًا يسعى إلى إعادة تشكيل توازنات الجوار من داخله.
هنا تتضح المقارنة مع قوروش. فقد اتسعت شرعيته التاريخية بقدر ما احترم خصوصيات المجتمعات المختلفة، بينما ضاقت شرعية السياسة الإيرانية الحديثة كلما ارتبط حضورها بقوة موازية للدولة أو بقرار أمني يتجاوز مؤسساتها. ليست المشكلة في علاقات إيران الثقافية والمذهبية، بل في تحويلها إلى أدوات نفوذ. فشيعة العراق عراقيون، وشيعة لبنان لبنانيون، وشيعة الخليج مواطنون في أوطانهم؛ وأفضل ما تقدمه طهران لهم هو دعم المواطنة والدولة، لا تحميلهم أعباء مشروع إقليمي.
حين تعامل قوروش مع المجتمعات المختلفة، لم يجعل علاقتها بالدولة تمر عبر جماعة واحدة أو هوية واحدة، بل تعامل مع المجتمع بتعدده ومؤسساته ورموزه. وهذه هي الدلالة الأهم لإيران اليوم: لا يمكن بناء علاقة مستقرة مع العراق عبر مكوّن واحد، ولا مع لبنان عبر قوة واحدة، ولا مع سوريا عبر سلطة أو شبكة واحدة. فالدولة التي تريد مكانةً إقليمية دائمة عليها أن تخاطب الأوطان بكاملها، لا أن تستثمر في انقساماتها.
طهران بصوتين: دبلوماسية الدولة ودبلوماسية المحور
من الخطأ التعامل مع إيران كأنها مركز قرار واحد. فالدستور يمنح المرشد الأعلى سلطة تحديد السياسات العامة وقيادة القوات المسلحة وتعيين قائد الحرس الثوري، بينما يتولى الرئيس إدارة السلطة التنفيذية باستثناء الملفات المرتبطة مباشرة بالقيادة، ولا تصبح قرارات مجلس الأمن القومي نافذة إلا بعد تصديق المرشد.
لهذا لا تكمن المعضلة دائمًا في غياب الدبلوماسية الإيرانية، بل في ازدواجيتها. قد تفاوض وزارة الخارجية على المصالحة وعدم التدخل، بينما يستمر «المحور» في العمل وفق منطق مختلف. وقد يعيد الرئيس فتح السفارات، من دون أن يعني ذلك تلقائيًا تغير قواعد تشغيل القوى الحليفة خارج الحدود. وهكذا يصبح الشريك الخليجي أمام إيرانين: إيران الدولة التي توقع الاتفاقات، وإيران الشبكة التي تحتفظ بأدوات الضغط.
هذه الازدواجية تفسر لماذا بقي كثير من الانفتاح تكتيكيًا ولم يتحول إلى ثقة استراتيجية. فالثقة لا تنشأ من حسن صياغة البيانات، بل من وحدة الجهة التي تتعهد وتنفذ. وما لم تصبح التزامات وزارة الخارجية ملزمة للحرس الثوري وشبكات الحلفاء، ستظل المصالحات قابلة للاهتزاز عند أول أزمة.
وهنا يظهر الفارق بين منطق قوروش ومنطق المحور. فقد وظف قوروش قوة الدولة لتوسيع مساحة النظام الواحد، أما تعدد أدوات القرار الإيراني الحديث فيجعل الاتفاق الرسمي عرضةً لأن يناقضه سلوك ميداني صادر عن جهة أخرى. الحكمة القوروشية لا تعني لين الدولة، بل وحدة قرارها وقدرتها على جعل أدواتها العسكرية والسياسية والاقتصادية تعمل ضمن هدف واحد، لا ضمن مسارات متوازية قد ينقض بعضها بعضًا.
الخليج لم يغلق الباب... بل طلب إيران الدولة
لم يكن اتفاق بكين عام 2023 حدثًا منفصلًا، بل تتويجًا لمسار خليجي شمل الوساطة العُمانية، والانفتاح القطري، وإعادة الإمارات سفيرها إلى طهران، واستئناف الكويت مشاوراتها، وبحث البحرين استعادة العلاقات. ثم نقل الحوار الوزاري بين مجلس التعاون وإيران المسار من مبادرات ثنائية إلى مقاربة خليجية جماعية.
لم يسعَ الخليج إلى إضعاف إيران، بل إلى تعايش مشروط باحترام السيادة، وعدم التدخل، وأمن الملاحة، وتوسيع المصالح الاقتصادية. فالرسالة كانت واضحة: إيران شريك حين تتصرف كدولة، وتهديد حين تدير نفوذًا عابرًا لمؤسسات الدول.
ورغم الاعتداءات والتهديدات، تمسكت دول الخليج بمنع اتساع الحرب ودفع المواجهة نحو التسوية. فقد دعمت السعودية وعُمان وقطر الحوار الأميركي–الإيراني، وحذر مجلس التعاون من توسع العمليات العسكرية، مع إدانته أي استهداف لأراضي دوله ومنشآتها.
هذا الموقف لا يتجاهل الخطر الإيراني، لكنه يرفض اعتبار انهيار إيران مصلحة خليجية. ففوضى دولة كبيرة على الضفة الأخرى ستصيب الطاقة والملاحة والاستثمار والاقتصاد الإقليمي كله.
غير أن الانفتاح لم يتحول إلى نظام مستقر؛ لأن الدبلوماسية لم تترافق مع تغيير في بنية النفوذ الإيراني، ولم تنشأ آليات لمعالجة السلاح الموازي والصواريخ وأمن الممرات. بقيت جسور الحوار قائمة، وبقيت أسباب انعدام الثقة تحتها.
ثروة تدفع ثمن السياسة
تملك إيران سوقًا ضخمة، وموارد هائلة من النفط والغاز، وموقعًا يربط الخليج بآسيا الوسطى والقوقاز والمحيط الهندي. لكن العقوبات وضعف الاستثمار وارتفاع مخاطر التمويل أبقت اقتصادها دون إمكاناته.
والمفارقة أن الإمارات والصين ظلتا من أهم بوابات الواردات الإيرانية، بما يؤكد أن الاقتصاد اعترف بحتمية الجوار قبل العقيدة السياسية.
لقد دفعت إيران كلفة تغليب الجبهة على السوق، والعقيدة على التجارة، والنفوذ المسلح على الاعتماد المتبادل. فتصدير الثورة لا يستنزف الموازنات فقط، بل يرفع مخاطر الاقتصاد، ويبعد رأس المال والتكنولوجيا، ويدفع الممرات والاستثمارات إلى الالتفاف حول إيران بدل العبور منها.
اقتصاد المحور يشتري نفوذًا مؤقتًا، أما اقتصاد الجوار فيبني مصالح تجعل الاستقرار حاجة مشتركة.
من الساحات إلى المصالح
التحول المطلوب لا يبدأ باتفاق جديد، بل بمراجعة العقيدة الإيرانية: عرض التجربة بالنجاح لا بالسلاح، وإخضاع جميع المؤسسات والشبكات الخارجية لالتزامات الدولة.
ويعني ذلك احترام سيادة العراق، واندماج القوى القريبة من إيران في الدولة اللبنانية، وتحويل العلاقة مع سوريا من الممرات العسكرية إلى التجارة والطاقة والإعمار.
أما إقليميًا، فالمطلوب إطار دائم يضم إيران ومجلس التعاون والعراق، يناقش الملاحة والطاقة والصواريخ والمسيّرات وعدم التدخل، ويمنع سوء التقدير. ويوازيه ربط اقتصادي في الكهرباء والغاز والسكك والموانئ والاستثمار.
فالسلام الذي تحميه المصالح أبقى من هدنة تحرسها البيانات.
الشرعية الإقليمية هي القوة الأذكى
هذا هو إرث قوروش الذي تحتاج إليه إيران: ليس اتساع الخريطة، بل اتساع الرؤية؛ وليس القدرة على التأثير في الآخرين، بل القدرة على جعلهم يرون مصلحة في قوة إيران واستقرارها.
وتحتاج طهران، كما تكشف تجربة قوروش، إلى وعي سياسي يعرف أن الدولة الأقوى ليست التي تنازع جيرانها قرارهم، بل التي تجعل استقلالهم متوافقًا مع مصالحها؛ وإلى وعي اقتصادي يحول الموقع والثروة والطاقة إلى جسور؛ وإلى وعي اجتماعي يحترم تنوع المنطقة؛ وإلى وعي عسكري يدرك أن الردع الناجح هو الذي يمنع الحرب، لا الذي يوسع ساحاتها.
لا يُطلب من طهران أن تصبح أقل قوة، بل أن تنتقل إلى شكل أكثر ذكاءً منها: من النفوذ داخل الدول إلى الشراكة معها، ومن تصدير الثورة إلى تصدير الثقة، ومن اقتصاد المحاور إلى اقتصاد الجوار.
فالدولة الكبيرة لا تكبر عندما يصبح جيرانها أكثر خوفًا، بل عندما يصبح ازدهارهم مرتبطًا بازدهارها. وإيران التي تجعل جوارها أكثر أمنًا لن تحتاج إلى إثبات تفوقها عليه؛ لأن الشرعية الإقليمية هي القوة الوحيدة التي لا تحتاج إلى وكلاء كي يحرسوها.




