الكويت في زمن الحرب
اختبار المتانة وفرصة التحوّل

05.08.2026
Twitter icon
Facebook icon
LinkedIn icon
e-mail icon
شارك هذه الصفحة مع آخرين
Print Friendly, PDF & Email

محرر الشؤون الخليجية

لم تقتصر تداعيات الحرب والاضطرابات الإقليمية على البُعد الأمني بالنسبة إلى الكويت، بل امتدت إلى حركة تصدير النفط والمالية العامة وكلفة النشاط الاقتصادي، واضعةً قدرة الدولة الخليجية على التكيّف أمام اختبار استثنائي. إلا أن التطورات الاقتصادية الأخيرة تكشف أن التعامل الكويتي مع الأزمة لم يتوقف عند امتصاص الصدمة، بل اتجه بالتوازي إلى تثبيت الثقة بالاقتصاد، وتنويع مصادر التمويل، واستقطاب رؤوس الأموال العالمية، والمضي في مسار اقتصادي أكثر انفتاحاً على الاستثمار والابتكار.

هذه المقاربة عبّرت عنها الكويت، عبر رسائل متعددة في الداخل والخارج، ركزت على أن الكلفة الاقتصادية للحرب لا تُلغي الفرص القائمة، وأن التعامل مع المُتغيّرات الإقليمية يستدعي مواصلة التنويع الاقتصادي والابتكار، من الذكاء الاصطناعي إلى المجال الطبي وغيره من القطاعات. وهي رؤية تجد ترجمتها العملية في سلسلة تطورات اقتصادية متزامنة، في الأسابيع الماضية، أبرزها نجاح إصدار السندات السيادية، وصفقة «شاهين» الاستثمارية، وقرار «بلاكستون» افتتاح مكتب في الكويت.

أولى إشارات القدرة على التكيّف جاءت من أسواق الدين الدولية. ففي وقت تواجه الكويت هجمات مُتكرّرة واضطرابات أثّرت في الملاحة عبر مضيق هرمز وحركة تصدير النفط، استقطب إصدارها الجديد من السندات طلبات اكتتاب بنحو 18 مليار دولار، مقابل 6 مليارات تم جمعها عبر ثلاث شرائح. ولم يقتصر الأمر على حجم الطلب، بل أدى الإقبال المرتفع إلى خفض تكلفة الاقتراض بنحو 25 نقطة أساس مقارنة بالتسعير الاسترشادي الأولي.

دلالة هذا التطور تتجاوز نجاح عملية تمويل حكومية. فالأسواق، في ذروة المخاطر الإقليمية، فصلت بين الضغوط الآنية التي تفرضها الحرب وبين الأسس المالية للدولة وقدرتها على الوفاء بالتزاماتها. وقد عزّز ذلك امتلاك الكويت أصولاً سيادية ضخمة وتصنيفاً ائتمانياً مرتفعاً، في وقت أعاد قانون التمويل والسيولة، الذي أقرّته الحكومة الكويتية، فتح المجال أمام الاستفادة من أسواق الدين، بسقف اقتراض يصل إلى 30 مليار دينار وآجال يمكن أن تمتد إلى 50 عاماً.

أما المسار الثاني، فيتمثل في تحويل الثقة المالية إلى استثمار مباشر طويل الأجل. فمشروع «شاهين» بقيمة 16 مليار دولار، الذي يجمع شركة «نفط الكويت» بتحالف تقوده صناديق تديرها «بلاكستون» و«بروكفيلد» و«KKR»، يُمثّل أكبر استثمار أجنبي مباشر في تاريخ الكويت. وتكمن أهميته في أنه يوفر سيولة وعوائد نقدية مُقدّماً بنحو 7.85 مليارات دولار، من دون التخلي عن ملكية الدولة للأصول أو السيطرة التشغيلية عليها.

ويقوم المشروع على تأسيس شركة شراكة جديدة في الكويت، تتولى استئجار حقوق استخدام 13 خط أنابيب محلياً لتصدير النفط الخام، تمتد لنحو 320 كيلومتراً، فيما تحتفظ شركة «نفط الكويت» بحقوق الاستخدام الحصري والتشغيل والصيانة لمدة 20.5 عاماً، مقابل تعرفة مرتبطة بكميات النفط المنقولة عبر الشبكة. وستبقى ملكية خطوط الأنابيب بالكامل للشركة، التي ستحتفظ أيضاً بحصة 51 في المئة في الشركة المشتركة، مقابل 49 في المئة للتحالف الاستثماري، من دون فرض أي قيود على مستويات الإنتاج أو التكرير.

بهذا المعنى، لا تبدو الصفقة مجرد تدفق لرأس المال، بل نموذجاً لتمويل البنية التحتية الاستراتيجية يُتيح للكويت دعم برامجها الرأسمالية، ومن بينها رفع الطاقة الإنتاجية للنفط، مع إبقاء الأصول والسيطرة والقرارات التشغيلية في يد الدولة. وهي معادلة تجمع بين الحاجة إلى تمويل التوسع والحفاظ على السيادة الاقتصادية.

وتكتمل الصورة مع قرار «بلاكستون» افتتاح مكتب في الكويت، وما حمله من تقييم بأن البلاد تمتلك الموارد والرؤية والقيادة التي تؤهلها لتكون مركزاً تجارياً ومالياً مهماً في المنطقة. كما يأتي ذلك مُتسقاً مع تقييم «موديز» الذي يرى أن المصدّات السيادية والمالية الضخمة للكويت تجعل أثر الضغوط الطارئة مؤقتاً، مع تجاوز الأصول المالية الحكومية واحتياطيات النقد الأجنبي 500 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي.

مُجمل هذه المؤشرات يرسم ملامح استراتيجية تقوم على تحويل المتانة المالية من مجرد «شبكة أمان» في الأزمات إلى أداة لجذب الاستثمار وتمويل التنمية. فالتحدي في المرحلة المقبلة لن يكون فقط في قدرة الكويت على الصمود أمام استمرار الاضطرابات، بل في مدى قدرتها على استثمار الثقة الحالية لتوسيع قاعدة الاقتصاد خارج نطاق الاعتماد التقليدي على النفط.

وإذا استمر هذا المسار، فإن الحرب، رغم كلفتها وضغوطها، قد تدفع إلى تسريع تحولات كانت الكويت تسعى إليها أصلاً: تنويع أدوات التمويل، توسيع الشراكة مع رأس المال العالمي، وجذب مؤسسات دولية كبرى إلى السوق المحلية، بالتوازي مع الاستثمار في قطاعات جديدة. وبذلك يصبح اختبار الأزمة أكبر من سؤال قدرة الاقتصاد الكويتي على الاحتمال، ليصبح اختباراً لقدرته على تحويل الصمود المالي إلى مسار نمو أكثر تنوعاً واستدامة.