الدور السوري بين الحاجة الإقليمية ومخاطر الاستنزاف
بقلم د. خالد عيتاني*
المشكلة ليست أن سوريا تعود إلى الإقليم وهي أضعف مما كانت عليه، بل أن الإقليم قد يستدعيها إلى أدواره قبل أن تستعيد الدولة السورية القدرة على حماية نفسها من كلفة تلك الأدوار.
فالدول لا تدخل المعادلات الكبرى دائمًا من بوابة فائض القوة؛ قد تدخلها أحيانًا من بوابة فائض الحاجة إليها. وقد تستعيد الدولة موقعًا سياسيًا لا لأن اقتصادها تعافى، أو لأن مؤسساتها اكتملت، أو لأن جيشها أصبح قادرًا على فرض التوازنات، بل لأن الجغرافيا المحيطة بها لم تعد تسمح بتجاوزها، ولأن ملفات معلقة لا يمكن إغلاقها من دون مشاركتها.
هذه هي المفارقة التي تحكم موقع سوريا الجديد. فدمشق لم تستكمل إعادة بناء مؤسساتها، ولم تتحول مشاريع الإعمار إلى دورة إنتاج قادرة على حمل الدولة والمجتمع، ولم تُغلق جميع جبهات الانقسام والاضطراب، لكنها أصبحت مطلوبة في ملفات تتجاوز حدودها: مكافحة داعش، وتوحيد شمال شرق البلاد، وضبط الحدود ومسارات السلاح والتهريب، والهجرة واللاجئون، والطاقة والممرات، والعلاقة مع إسرائيل، ومستقبل النفوذ الإيراني، والتوازنات الدقيقة في لبنان.
لقد استعادت سوريا قيمتها قبل أن تستعيد قوتها، وعادت الحاجة إليها قبل أن تعود هي بالكامل إلى نفسها.
ومن هنا ينشأ السؤال الاستراتيجي الذي ينبغي أن يتقدم كل احتفال بالانفتاح الدولي: هل تستطيع دمشق تحويل حاجة الإقليم إليها إلى قوة وطنية مستدامة، أم تتحول هذه الحاجة إلى قائمة وظائف أمنية وسياسية تستنزف الدولة قبل اكتمال بنائها؟

قيمة سبقت القوة
هناك فارق جوهري بين القوة الذاتية والقيمة الوظيفية. فالقوة الذاتية تنتجها المؤسسات والاقتصاد والجيش والموارد والشرعية الداخلية، وهي التي تمنح الدولة القدرة على المبادرة والرفض وفرض جزء من شروطها. أما القيمة الوظيفية فتنشأ عندما يصبح موقع الدولة أو تعاونها ضروريًا لتسهيل مصالح الآخرين أو منع أخطار تهددهم.
القوة الذاتية تجعل الدولة صانعة للأدوار، بينما قد تجعلها القيمة الوظيفية مطلوبة لأداء أدوار صممها غيرها.
والوزن السوري الراهن يقوم، بدرجة أكبر، على النوع الثاني. فموقع سوريا بين تركيا والعراق والأردن ولبنان وشرق المتوسط، واتصالها بمسارات الطاقة والتجارة والهجرة والسلاح، يجعل استبعادها من أي هندسة شاملة للمشرق مكلفًا، حتى للدول التي لا تزال تتحفظ على بعض خياراتها الداخلية والخارجية.
وقد تحولت هذه القيمة إلى اعتراف عملي عندما رُحّب بالحكومة السورية، في فبراير/شباط 2026، بوصفها العضو التسعين في التحالف الدولي لهزيمة داعش، بالتوازي مع دعم الاتفاق بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية، وما تضمنه من وقف دائم لإطلاق النار وترتيبات للاندماج المدني والعسكري في شمال شرق البلاد. كما رحب التحالف بتولي الحكومة السورية مسؤوليات أوسع في مكافحة التنظيم وإدارة مرافق الاحتجاز والمخيمات المرتبطة به.
إنها خطوة تنقل سوريا تدريجيًا من موقع الأرض التي تُنفذ فوقها العمليات الدولية إلى موقع الدولة المطالبة بقيادة جزء منها. لكنها تكشف أيضًا الوجه الآخر للاعتراف: فكل شرعية جديدة تحمل معها وظيفة جديدة، وكل توسيع للدور يضع على الدولة عبئًا أمنيًا وماليًا ومؤسسيًا إضافيًا.
وعندما التقى الرئيس أحمد الشرع الرئيس الأميركي دونالد ترمب في أنقرة في 8 يوليو/تموز 2026، بدا أن العلاقة انتقلت من اختبار الحكم الجديد إلى محاولة إدخاله في ترتيبات أمنية وسياسية أوسع. غير أن الوصول إلى طاولات القرار لا يعني بعد امتلاك القدرة على تحديد ما يوضع فوقها؛ فهناك مسافة بين الحاجة إلى خدمات الدولة السورية، والاعتراف بشرعية حكمها، وقبولها قوة إقليمية مستقلة.
لقد تقدمت دمشق بوضوح في المستويين الأول والثاني، لكنها لم تصل بعد إلى الثالث.
حين تتحول المصالح إلى قيود
ليست المشكلة في أن الأطراف الإقليمية والدولية تختلف في نظرتها إلى سوريا، بل في أن هذه النظرات المتباينة تتحول إلى قيود متزامنة على القرار السوري.
فتركيا تريد دولة سورية موحدة تمنع قيام بنية عسكرية كردية مستقلة على حدودها، وتسمح بعودة اللاجئين وتوسيع التجارة. والولايات المتحدة تريد شريكًا قادرًا على منع عودة داعش، وإدارة ملف المعتقلين والمخيمات، وضبط السلاح المرتبط بإيران، وتثبيت الجنوب، وخفض الأخطار على إسرائيل. أما أوروبا فتبحث عن الاستقرار والحد من الهجرة وعودة اللاجئين وفتح مجالات الإعمار والممرات، لكنها تربط انفتاحها بمؤسسات أكثر تعددية وشفافية وقابلية للمساءلة. فيما ترى دول خليجية في سوريا فرصة لإعادة شيء من التوازن العربي إلى المشرق، وفتح قطاعات الطاقة والطيران والاتصالات والبنية التحتية أمام رأس المال.
غير أن هذه المصالح لا تتجمع في مشروع واحد متكامل لسوريا؛ بل تضغط عليها من اتجاهات مختلفة. فما تطلبه أنقرة في الملف الكردي لا يتطابق بالكامل مع الحسابات الأميركية، وما تريده واشنطن في العلاقة مع إسرائيل وإيران لا يساوي أولويات العواصم الخليجية، وما تعرضه أوروبا من فرص اقتصادية يبقى مرتبطًا بشروط سياسية وقانونية قد لا تتوافق مع إيقاع السلطة الانتقالية.
وهنا ينبغي التنبيه إلى أن الخليج ليس كتلة سياسية أو استثمارية واحدة؛ فدوله تختلف في حجم استعدادها للتمويل، وفي علاقتها بتركيا وإيران، وفي تصورها لشكل الدولة السورية المقبلة. ولذلك لا تستطيع دمشق التعامل مع «الموقف الخليجي» كأنه قرار موحد، بل مع شبكة من الأولويات والحسابات التي تتقاطع أحيانًا وتتنافس أحيانًا أخرى.
وقد بدأت بعض الفرص الخليجية تتحول إلى اتفاقات عملية؛ إذ وقعت شركات سعودية وجهات سورية في فبراير/شباط 2026 عقودًا ومذكرات تتعلق بتطوير مطار حلب، وإنشاء شركة طيران مشتركة، وتوسيع البنية التحتية للاتصالات ومراكز البيانات، ودراسة مشروعات واسعة في قطاع المياه. لكن قيمة هذه الاتفاقات لن تُقاس بما أُعلن عنها، بل بما يتحول منها إلى استثمار منفذ، وفرص عمل، وإيرادات عامة، ونقل للخبرة والمعرفة إلى الداخل السوري.
وفي الاتجاه الأوروبي، أعاد الاتحاد الأوروبي في مايو/أيار 2026 التطبيق الكامل لاتفاق التعاون الاقتصادي والتجاري مع سوريا، بعد رفع معظم العقوبات الاقتصادية في العام السابق، مع إبقاء الانفتاح مرتبطًا بالانتقال السلمي والشامل واحترام الحقوق وإعادة دمج سوريا في النظام الاقتصادي الدولي. ثم جاءت زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى دمشق في 6 و7 يوليو/تموز، ومشاركته في منتدى حول الإعمار والممرات الاستراتيجية، لتؤكد أن سوريا عادت إلى الحسابات الاقتصادية الأوروبية، ولكن بوصفها فرصة مشروطة لا سوقًا مفتوحة بلا ضوابط.
أما روسيا، فإن غيابها عن تحليل الدور السوري الجديد يترك فراغًا لا يمكن تجاهله. فموسكو لم تخرج من المعادلة، لكنها انتقلت من موقع الشريك المهيمن في النظام السابق إلى موقع الشريك الذي يعيد التفاوض على حضوره ووظائفه. وقد أعلن الرئيس الشرع أن التفاهمات مع موسكو أدت إلى الحد من وجودها العسكري في قاعدة حميميم وجزء من منشأة طرطوس، مع استمرار النقاش حول مستقبل القاعدتين، فيما أكد الجانبان خلال لقاء الشرع والرئيس فلاديمير بوتين في يناير/كانون الثاني 2026 رغبتهما في تطوير التعاون الاقتصادي والمشاركة الروسية في الإعمار.
روسيا، إذًا، لم تعد صاحبة الامتياز المطلق، لكنها ليست إرثًا انتهى. فهي تحتفظ بمصالح عسكرية وعقود وخبرات وعلاقات تراكمت خلال سنوات، وتملك قدرة سياسية في مجلس الأمن وشبكة مصالح في الطاقة والنقل والبناء. والتحدي أمام دمشق ليس قطع العلاقة معها أو العودة إلى التبعية القديمة، بل إعادة تعريفها: الاحتفاظ بما يخدم المصلحة السورية، ومراجعة العقود والامتيازات التي لا تخدمها، ومنع تحول القواعد أو الديون أو مشروعات الإعمار إلى قيد على القرار الوطني.
وهكذا تجد سوريا نفسها بين تركيا التي تملك بوابة الحدود، والولايات المتحدة التي تملك مفاتيح واسعة من الشرعية والعقوبات، وأوروبا التي تملك الأسواق والتمويل المشروط، ودول الخليج التي تملك رأس المال، وروسيا التي تحتفظ بإرث عسكري واقتصادي لا يمكن محوه بقرار واحد.
هذه ليست خريطة تحالفات؛ إنها خريطة قيود.
وقد تريد هذه القوى سوريا مستقرة وموحدة ومفيدة، لكنها لا تريدها بالضرورة قوية إلى الحد الذي تصبح معه مستقلة تمامًا عن حساباتها. لذلك لا يمثل الانفتاح تفويضًا، ولا تعني كثرة اللقاءات ترسخ النفوذ، ولا يساوي الاعتراف الدبلوماسي امتلاك القرار.
فكلما ازدادت حاجة الخارج إلى سوريا، ازدادت أيضًا مطالبه منها. وقد تتحول هذه الحاجة من رصيد تفاوضي إلى فاتورة إقليمية إذا أصبحت الاستثمارات والمساعدات ورفع القيود أثمانًا لوظائف أمنية تتسع أسرع من قدرة الدولة على تنفيذها.
اقتصاد الإعمار والصراع على ملكية التعافي
لا يُقاس نجاح العودة السورية بعدد الرؤساء والوفود الذين يصلون إلى دمشق، بل بقدرة دمشق على تحويل تلك الزيارات إلى كهرباء وطرق ومياه ووظائف ومؤسسات وإيرادات عامة. فالاقتصاد ليس تفصيلًا يأتي بعد السياسة؛ إنه القاعدة التي تحدد إن كان الدور الإقليمي قابلًا للاستمرار، أم مجرد اندفاع سياسي ممول من الخارج.
يقدّر البنك الدولي الأضرار المادية في المباني والبنية التحتية السورية بنحو 108 مليارات دولار، فيما تبلغ الكلفة الأساسية المقدرة لإعادة إعمار الأصول المادية قرابة 216 مليار دولار، أي نحو عشرة أمثال الناتج المحلي السوري المقدر لعام 2024. ولا تشمل هذه التقديرات كامل كلفة إعادة تشغيل الخدمات وبناء المؤسسات واستعادة القدرات الاقتصادية. وفي يوليو/تموز 2026، كان نحو 15.6 مليون سوري لا يزالون بحاجة إلى المساعدة الإنسانية، بينما بقي 5.5 ملايين نازحين داخل البلاد، في ظل تمويل دولي يقل عن ثلث المطلوب. وهذه ليست أرقامًا اجتماعية توضع في هامش تحليل القوة، بل هي مقياس لقدرة الدولة على تحمل السياسة نفسها.
فسوريا لا يحتاج إليها الإقليم وحده؛ هي تحتاج بدورها إلى التمويل الخليجي، والانفتاح الأميركي والأوروبي، والتعاون التركي، والاستثمار والتكنولوجيا والأسواق وإصلاح نظامها المصرفي. إنها علاقة اعتماد متبادل، لكنها غير متكافئة؛ لأن المستثمر يستطيع تأجيل مشروعه، والمانح يستطيع تغيير أولوياته، والقوة الدولية تستطيع تعديل شروطها، بينما لا تستطيع سوريا تأجيل الكهرباء والمياه والمدارس والعمل.
ولهذا فإن السؤال الاقتصادي الأخطر ليس فقط: من سيمول الإعمار؟ بل: من سيملك التعافي السوري؟
من سيربح من المطارات والموانئ وشبكات الطاقة والاتصالات والبيانات والممرات؟ هل تتحول هذه المشروعات إلى أصول ترفع قدرة الدولة وتدعم القطاع الخاص السوري، أم إلى امتيازات طويلة الأجل تحتكر عوائدها شركات خارجية وشبكات محلية محدودة؟ وهل تصل الاستثمارات إلى المحافظات والمجتمعات الأكثر تضررًا، أم تتركز في مناطق وقطاعات قادرة على تحقيق ربح سريع؟ ومن سيدفع في المقابل كلفة إصلاح المؤسسات، وإعادة هيكلة الدعم، ورفع كفاءة القطاع العام، ومعالجة البطالة والفقر؟
الصراع المقبل في سوريا لن يدور فقط حول النفوذ السياسي، بل حول ملكية التعافي: من يموّل، ومن ينفذ، ومن يملك، ومن يجني العائد، ومن يتحمل الكلفة الاجتماعية.
فإذا ارتبطت مشروعات الطيران والطاقة والاتصالات بشروط واضحة لنقل المعرفة، وتشغيل السوريين، وإشراك الشركات المحلية، وتحصيل الإيرادات، وتوزيع الاستثمارات جغرافيًا، يمكن للإعمار أن يبني قاعدة جديدة للدولة. أما إذا تحولت الأصول الكبرى إلى حصص نفوذ موزعة بين داعمين خارجيين، فقد تُعمر الجغرافيا من دون أن تُستعاد السيادة الاقتصادية.
وقد تنتقل البلاد عندها من اقتصاد الحرب إلى اقتصاد الامتيازات؛ تتغير فيه أسماء المنتفعين، بينما يبقى المواطن خارج دورة العائد.
الرابح الحقيقي من التعافي يجب أن يكون الدولة السورية والمجتمع والقطاع المنتج، لا الشركات الأجنبية وحدها ولا طبقة وسطاء تنشأ حول العقود. ويمكن للبنان والعراق والأردن وتركيا والخليج وأوروبا أن تربح من استقرار الممرات والأسواق والطاقة، لكن هذا الربح يصبح مستدامًا فقط عندما يمر عبر سوريا مستقرة، لا فوق سوريا ضعيفة.
أما الخاسرون فهم شبكات السلاح والتهريب والمخدرات واقتصاد الحرب والقوى التي بنت نفوذها على غياب الدولة. لكن هذه الشبكات لن تنسحب طوعًا؛ فقد تحاول دخول الإعمار نفسه، وتحويل العقود والأراضي والتراخيص إلى مصدر جديد للريع.
ولا يكتمل التعافي من دون عقد اجتماعي جديد. فالمواطن السوري لن يقيس نجاح الانفتاح ببيانات وزارات الخارجية، بل بسعر الخبز والكهرباء والعمل والأمن والعدالة. وإذا شعر بأن الدور الإقليمي ينتج طبقة امتيازات جديدة من دون أن يخفف أعباء الحياة، فسوف تتسع الفجوة بين شرعية الخارج ورضا الداخل.
والدولة التي تكسب اعتراف العالم وتخسر ثقة مجتمعها لا تبني قوة؛ إنها تؤجل أزمة الشرعية.
السيادة بين إسرائيل وإيران
تمثل إسرائيل القيد الأكثر مباشرة على الدور السوري الجديد؛ لأنها لا تنظر إلى دمشق من زاوية إعادة دمجها اقتصاديًا وسياسيًا فقط، بل من زاوية بناء بيئة أمنية تمنع ظهور أي تهديد على حدودها.
وفي يناير/كانون الثاني 2026، توصل مسؤولون سوريون وإسرائيليون في باريس، برعاية أميركية، إلى تفاهمات لإنشاء خلية اتصال مشتركة تشمل تبادل المعلومات وخفض التصعيد العسكري والانخراط الدبلوماسي وبحث الفرص التجارية، تحت إشراف الولايات المتحدة.
قد تمنح هذه التفاهمات دمشق فرصة لتقليل خطر الحرب وتهيئة مناخ ضروري للإعمار، لكنها تحمل في داخلها سؤالًا يتصل بمضمون السلام وحدوده: هل تقود الترتيبات الأمنية إلى استعادة السيادة السورية، أم تتحول السيادة نفسها إلى ثمن للأمن الإسرائيلي؟ وهل يكون خفض التصعيد مرحلة لاستعادة الحقوق، أم صيغة طويلة الأمد لإدارة اختلال القوة؟
لا يمكن لسلام مستدام أن يختزل سوريا في وظيفة حماية الحدود الإسرائيلية، ولا أن يتجاوز قضية الجولان أو يحول الجنوب إلى مساحة أمنية تتحكم فيها شروط الطرف الأقوى. فالهدوء الذي لا يستند إلى الحقوق لا ينهي الصراع؛ إنه يعيد تنظيمه. وإذا كانت إسرائيل تمثل القيد العسكري المباشر، فإن إيران تمثل الاختبار الأكثر تعقيدًا لقدرة سوريا على بناء استقلالها.
فالمسألة الإيرانية لا تختصر بإخراج مقاتلين أو وقف مسار سلاح؛ إنها شبكة من العلاقات والمصالح التي تراكمت خلال سنوات: الحدود العراقية، وطرق التجارة والتهريب، والعلاقة مع حزب الله، وبقايا التشكيلات المسلحة، والمصالح الاقتصادية والدينية، والجهات المحلية التي ارتبط نفوذها بضعف الدولة.
ولا يكفي تفكيك هذه الشبكة؛ يجب ملء الفراغ الذي تتركه. فالمناطق التي كانت تعتمد على شبكات أمنية واقتصادية موازية تحتاج إلى وظائف وخدمات وإدارة محلية وقضاء وأجهزة رسمية قادرة على فرض القانون. وإذا خرج النفوذ الإيراني من بعض المساحات قبل وصول الدولة إليها، فقد تستبدل سوريا شبكة نفوذ بأخرى، أو تفتح المجال أمام فوضى جديدة.
وفي المقابل، سيكون خطأً استراتيجيًا أن تتحول سوريا، تحت عنوان فك الارتباط بإيران، إلى قاعدة متقدمة في مشروع مواجهتها. وقد أكدت القيادة السورية أنها تسعى إلى علاقات متوازنة، وأنها لا تريد أن تُجبر دول المنطقة على الاختيار بين السياسات الإسرائيلية والطموحات الإيرانية، كما تجنبت الانخراط في المواجهة الأخيرة بين الطرفين.
المعادلة الأصعب أمام دمشق هي أن تستعيد الدولة قرارها من شبكات إيران من دون أن تسلم هذا القرار إلى خصوم إيران. وهذا هو الفارق بين تغيير التموضع وبناء السيادة.
لبنان: الخروج من الماضي لا العودة إليه
في لبنان تتجمع معظم وظائف الدور السوري ومخاطره: الحدود والسلاح والتهريب واللاجئون والتجارة وإيران وإسرائيل، وفوق ذلك كله ذاكرة تاريخية لم تُغلق آثارها بالكامل.
ولهذا فإن لبنان ليس المجال الأسهل أمام دمشق، بل الاختبار الأصعب لقدرتها على إثبات أن سوريا الجديدة تستطيع أن تكون مؤثرة من دون أن تعيد إنتاج أدوات سوريا السابقة.
يفترض بعض التحليل أن انحسار النفوذ الإيراني، إذا تحقق، سيترك فراغًا تستطيع سوريا ملأه. لكن النفوذ لا ينتقل آليًا من طرف إلى آخر، ولبنان ليس مساحة شاغرة تنتظر قوة إقليمية جديدة. فقد يؤدي تراجع الدور الإيراني إلى استعادة الدولة اللبنانية جزءًا من مجالها السيادي، أو إلى اتساع الأدوار العربية والدولية، أو إلى ترتيبات أمنية جديدة، أو إلى منافسة بين قوى متعددة.
والأهم أن أي قراءة لا تضع الفاعل اللبناني في مركز المعادلة تبقى ناقصة. فهناك رئاسة الجمهورية والحكومة ومجلس النواب والجيش والمؤسسات والقوى السياسية والاجتماعية والرأي العام. وهناك رئيس الجمهورية جوزاف عون، ورئيس الحكومة نواف سلام، ورئيس مجلس النواب نبيه بري، وكل منهم يمثل موقعًا دستوريًا وسياسيًا لا يمكن تجاوزه في بناء أي علاقة جديدة.
وفي 2 يوليو/تموز 2026، وقع البلدان اتفاق إنشاء اللجنة العليا السورية–اللبنانية، على أساس احترام السيادة والاستقلال ووحدة الأراضي والمساواة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، بعد لقاءات عقدها وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني مع الرئيس عون والرئيس بري والرئيس سلام. كما أكد الجانبان أن العلاقة الجديدة ينبغي أن تمر عبر مؤسسات الدولتين، لا عبر الجماعات السياسية والقنوات الموازية.
هذه هي الصيغة الوحيدة القابلة للحياة: دولة مع دولة، ومؤسسات مع مؤسسات؛ تعاون في الحدود والطاقة والنقل والتجارة واللاجئين، لا إدارة للتوازنات اللبنانية، ولا استخدام لجماعات محلية، ولا استبدال نفوذ إيراني بنفوذ سوري.
فأي انخراط في مواجهة لبنانية داخلية، أو محاولة لملء فراغ حزب الله، سيوقظ ذاكرة الوصاية، ويمنح خصوم دمشق مادة لاستعادة المخاوف القديمة، ويحول لبنان من نافذة تعاون إلى مستنقع استنزاف. إن الاختبار الحقيقي ليس قدرة سوريا على استعادة نفوذها في لبنان، بل قدرتها على إثبات أنها لم تعد تحتاج إلى ذلك النفوذ كي تكون دولة مؤثرة.
الدولة قبل الدور
نجحت سوريا في فتح مسار لإعادة التموضع، لكنها لم تحوله بعد إلى قوة إقليمية مكتملة. لقد استعادت مقعدًا على الطاولة، لكن المسافة بين المقعد والقرار لا تزال مملوءة بأسئلة الاقتصاد والمؤسسات والسيادة والشرعية الداخلية.
أمام دمشق فرصة لأن تجعل التعاون الأمني مدخلًا لتوحيد الدولة، والموقع الجغرافي ممرًا للطاقة والتجارة، والاستثمار قاعدة للإنتاج، والعلاقة مع لبنان نموذجًا للسيادة المتبادلة، والتوازن بين الولايات المتحدة وتركيا والخليج وأوروبا وروسيا وسيلة لحماية الاستقلال، لا صيغة جديدة لتوزيع التبعية. لكن معيار النجاح لن يكون عدد الملفات التي تدخلها سوريا، بل قدرتها على اختيار ما يخدم إعادة بنائها، ورفض ما يحولها إلى مقاول جيوسياسي لدى الآخرين.
فإذا نجحت دمشق في جعل حاجة الإقليم إلى سوريا طريقًا لعودة سوريا إلى نفسها، فسيتحول موقعها إلى قوة مستدامة. أما إذا جعلت إعادة بناء نفسها ثمنًا لأدوار الآخرين، فقد تعود إلى قلب المشرق، لكنها ستعود محملة بأزماته قبل أن تتعافى من أزمتها.
فالقاعدة التي يجب ألا تغيب عن دمشق هي أن الدولة تصنع الدور وتحميه؛ أما الدور الذي يسبق الدولة، فلا يصنع قوة، بل يمنح الاستنزاف اسمًا جديدًا.
*رئيس لجنة الطوارئ الاقتصادية




