بعد اغتيال كمال جنبلاط، صدر بالعربية ما يشبه المذكرات، كتاب أصغر حجماً من كتاب الجيب، تحت عنوان "هذه وصيتي". اكتشفت، بعد عشر سنوات، أن هذا الذي يشبه المنشور السري ليس إلا ترجمة لكتاب بالفرنسية عنوانه pour le liban.
زالت الخشية من أن تتحول مذكرات وليد جنبلاط إلى منشور سري، كل الظروف تبدلت، ولا سيما بعد أن زال كابوس الاستبداد الأسدي. مع ذلك، حرصت على الاطلاع على النص الأصلي قبل الترجمة. لم يبق أحد من شخصيات المرحلة التي كتب عنها كمال جنبلاط. كميل شمعون، بيار الجميل، ريمون إده، كامل الأسعد، سليمان فرنجية، صائب سلام، ياسر عرفات، معمر القذافي، سلالة البعث في العراق وسوريا، وغيرهم كثر. جنبلاط الأب ركز في كتابه على نقد الماضي من أجل بناء لبنان جديد. حين سأله الصحافي الفرنسي عن مشروعه للثورة اللبنانية، قال له، لا نريد من ثورتنا غير ما أرادته الثورة الفرنسية لفرنسا وللعالم: الحرية والديمقراطية.
وليد جنبلاط كان أكثر جرأة من والده في نقد التجربة، لكنه بدا أكثر تشبثاً بماضي حسبه ونسبه الممتد من والد "لم يكن له مثيل بين أفراد الطبقة السياسية"، حتى فخر الدين المعني، الدرزي الذي حاول أن يحرر الجبل من سلطة السلطنة العثمانية، وبينهما الست نظيرة سيدة المختارة، والدته مي أرسلان وجده شكيب إرسلان أمير البيان الذي ينسب إليه طرح السؤال الشهير لماذا تقدم الغرب وتخلف المسلمون.
تقول المذكرات إن نظام الملل انتهى في تركيا عام 1923 على يد مصطفى أتاتورك، لكنه استمر في لبنان من خلال زعماء الطوائف. كمال جنبلاط حاول أن ينقل مفاعيل الثورة الفرنسية، فطرق باب التغيير باكراً حين انضوى في معارضة أسقطت ولاية الرئيس بشارة الخوري الثانية المجددة خلافاً للدستور، واستمر يحاول حتى بداية الحرب الأهلية. لكنه، بحسب رأي ابنه وليد، كان أقرب إلى أن يكون فيلسوفاً وشاعراً أو أكاديمياً منه إلى سياسي في لبنان. قضى معظم حياته بين الكتب أو ناسكاً في غرفة منعزلة في المختارة أو طالباً في الهند متعلماً من أستاذه الحكيم "شري أتماناندا" رياضة اليوغا والتأمل بحثاً عن الصفاء الروحي. كان يفضل النوم باكراً على اجتماعات تبدد الوقت في مماحكات الأحزاب.
أكثر من نصف "المذكرات" عن الحسب والنسب. كان وليد يعرف أن من المستحيل التنصل من عبء تاريخ جنبلاطي مكوّن من أرستقراطية عائلية ومن والده الاشتراكي الثوري المعجب بفخر الدين، مؤسس أول تجربة "لاستقلال" لبنان عن السلطنة؟؟ على الصعيد الشخصي، يعتز بأنه درزي ويتباهى بهذه "القبيلة الشجاعة التي لم تتردد في الدفاع عن "الجبل" خلال الحرب الأهلية"، مع أن والده حاول نقل الدروز إلى الفضاء العربي من ضمن حرصه عليهم وخوفه على لبنان من الوقوع داخل أسوار "السجن العربي الكبير".
الست نظيرة "ولدت في السلطنة وتوفيت في لبنان سيد مستقل". هي "سيدة الجبل" الحريصة على لبنان والتعايش الطائفي وعلى العلاقة مع سوريا. كرست حياتها للبنان لا للمختارة فحسب. حتى البطريرك صفير ذكرها خلال زيارته لعقد مصالحة الجبل، مع أنه كان قد مر على وفاتها أكثر من خمسين عاماً.
مي إرسلان، والدته، "سيدة قوية الشخصية وخارج كل المعايير. صلبة كصخرة، حمت البيت العائلي كملاك حارس". هي إبنة أمير البيان وعضو البرلمان العثماني،" التنظيمات"، الذي أنشئ عام 1876 على أنقاض محاولتين دستوريتين في الثلاثينات والخمسينات من ذلك القرن. عند إعلان لبنان الكبير ونهاية السلطنة، اختار والدها المنفى في سويسرا فيما التحق شقيقه عادل بالثورة العربية في سوريا. حين تزوجت عام 1948 كانت بعمر العشرين ويكبرها زوجها بعشر سنوات. أعجبت به رجلاً مليئاً بالحماسة مهجوساً بالسفر للتعرف على الأديان والفلسفات الشرقية، ومهتماً بتثوير النظام الإقطاعي وشغوفاً بتحديث لبنان. والدتي كانت "مأخوذة بجموحه وبفرادته". أنا مدين لهما بكل شيء، يقول وليد جنبلاط، رغم أنهما بمزاجين مختلفين؛ يوم اغتياله اتصلت بها وطلبت منها العودة من منفاها الطوعي، لتلعب دوراً فاعلاً في الحفاظ على المختارة وعلى الدور السياسي للعائلة الجنبلاطية.
كمال جنبلاط كان صاحب التأثير الأكبر على نشأته وتكوينه السياسي. كمال جنبلاط العربي الناصري. كمال جنبلاط اللبناني. لكن، تبقى الأولوية عنده للحرية والديمقراطية ضد السجن العربي الكبير. هو الذي لم يتردد في لقائه الأخير مع حافظ الأسد في أن يطلب إليه سحب قواته من لبنان.
عبء التاريخ الجنبلاطي حمله وليد على منكبيه دفاعاً عن الجبل وعن المختارة وعن العائلة الجنبلاطية، و"لحماية الدروز من أنفسهم"، بعد اغتيال أنور الفطايري، ومن غزوة حزب الله عام 2008، ومن حرب القوات اللبنانية ضد الجبل في ظل الاحتلال الإسرائيلي.



