أعادت وزارة الاقتصاد والصناعة تشكيل مجلس الأعمال السوري الإيطالي، بعد نحو أربعة أشهر على تشكيله للمرة الأولى، في خطوة تندرج ضمن مسار أوسع لإعادة بناء شبكة مجالس الأعمال المشتركة وتنظيم الجهة التي تمثل مجتمع الأعمال السوري في علاقته مع كل دولة.
وبحسب القرار الصادر في 27 يوليو/تموز 2026، أصبح المجلس الجهة السورية الوحيدة المعتمدة في العلاقة مع الجانب الإيطالي، على أن يعمل وفق النظام الأساسي والميثاق والدليل الإجرائي لمجالس الأعمال المشتركة، وتحت متابعة المجلس السوري لتنسيق مجالس الأعمال. وتعطي هذه العناصر القرار بعداً يتجاوز تغيير التشكيل، إذ تربط نشاط المجلس بإطار موحد وتسعى إلى توجيهه نحو أولويات التجارة والاستثمار.
ولا يأتي المجلس الإيطالي كخطوة منفصلة. فقد عملت الوزارة خلال عامي 2025 و2026 على تشكيل مجالس مشتركة مع عدد متزايد من الدول، بينها السعودية ولبنان وإسبانيا والكويت وهولندا وهنغاريا والإمارات والأردن، إلى جانب مجالس مع تركيا والصين والولايات المتحدة وفرنسا ودول أخرى.
وكانت الوزارة قد أعلنت أن الشبكة تضم 16 مجلساً، مع خطة لتوسيعها تدريجياً إلى نحو 62 مجلساً، بحسب وجود مصالح اقتصادية وفرص حقيقية مع كل دولة. كما أنشأت في يناير/كانون الثاني 2026 المجلس السوري لتنسيق مجالس الأعمال المشتركة، ليكون حلقة وصل بين هذه المجالس والوزارة والجهات الرسمية الأخرى.
لماذا تركز الحكومة على مجالس الأعمال؟
تسعى سوريا في هذه المرحلة إلى إعادة بناء علاقاتها الاقتصادية بالتوازي مع استعادة علاقاتها السياسية مع دول المنطقة والعالم. لكن العلاقات الرسمية وحدها لا تنتج تجارة أو استثماراً. فالزيارات الحكومية والاتفاقيات تفتح الطريق، بينما تحتاج المشروعات إلى شركات تعرف بعضها، ومستوردين يبحثون عن موردين، ومستثمرين يستطيعون الوصول إلى شركاء محليين.
هنا يأتي دور مجالس الأعمال. فهي توفر قناة تجمع رجال الأعمال السوريين بنظرائهم في الدولة الأخرى، وتساعد في تنظيم الوفود والمنتديات واللقاءات، والتعريف بالفرص المتاحة، وتقديم الشركات المحلية إلى الشركاء المحتملين.
كما يمنح اعتماد مجلس واحد في كل علاقة ثنائية الشركات والجهات الأجنبية عنواناً واضحاً للتواصل، ويقلل من تشتت المبادرات والوفود التي قد تعمل بصورة منفصلة.
دبلوماسية اقتصادية يقودها أصحاب المصالح
تستخدم دول كثيرة مجالس الأعمال كأداة مكملة للدبلوماسية الاقتصادية. فالحكومات تتولى توقيع الاتفاقيات وتعديل القوانين ومعالجة القضايا الجمركية والتنظيمية، بينما يساعد رجال الأعمال في اكتشاف الفرص وبناء الثقة وفهم احتياجات السوق.
ولا تملك مجالس الأعمال سلطات تنفيذية. فهي لا تمنح تراخيص الاستثمار، ولا تخصص الأراضي، ولا تقدم التمويل. لكنها تستطيع جمع الأطراف التي يحتاج إليها المشروع، وفتح قنوات الاتصال بينها، ونقل العقبات إلى المؤسسات الرسمية ومتابعة معالجتها.
وتكمن قوة هذه المجالس في قدرتها على تحويل العلاقات الرسمية بين الدول إلى مصالح اقتصادية مترابطة بين الشركات. فكل شراكة جديدة توسع عدد الأطراف المستفيدة من استمرار العلاقة، وتخلق قنوات اتصال ومبادلات لا تتوقف على وتيرة المبادرات الحكومية وحدها. ومع تراكم هذه المصالح، يصبح التعاون الاقتصادي أكثر قدرة على الاستمرار والتوسع، لأنه يرتبط بعقود واستثمارات وأسواق وفرص عمل تدافع عنها الجهات المستفيدة منها.
ويساعد نمو عدد الشركات المستفيدة، في تكوين شبكة من المصدرين والمستوردين والمقاولين والمستثمرين لديها مصلحة في استمرار العلاقة وتوسعها. وهنا تتحول المجالس إلى امتداد اقتصادي للعلاقات الرسمية.
من الترويج العام إلى فرص محددة
تزداد فعالية مجالس الأعمال عندما تنتقل من الحديث العام عن التعاون إلى تحديد قطاعات وشركات ومشروعات بعينها. فلكل دولة قدرات يمكن ربطها باحتياجات الاقتصاد السوري.
يمكن للمجلس السوري الإيطالي، مثلاً، التركيز على الآلات والمعدات والتقنيات الصناعية والصناعات الغذائية. ويمكن للمجلس السعودي العمل على فرص الطاقة والزراعة والصناعة والخدمات والإنشاءات وتكنولوجيا المعلومات ، فيما تملك الشركات الإماراتية خبرة واسعة في البنية التحتية والخدمات اللوجستية والعقارات والطاقة والسياحة والاقتصاد الرقمي.
ويستطيع كل مجلس أيضاً مساعدة المصدرين السوريين على فهم متطلبات السوق المقابلة، والوصول إلى المستوردين والموزعين، والمشاركة في المعارض، ومعالجة المشكلات التي تمنع وصول المنتجات السورية إلى أسواق جديدة.
وقد بدأت منظومة المجالس ربط علاقاتها الخارجية بالاحتياجات داخل سوريا. ففي يوليو/تموز ناقش رؤساء وأعضاء مجالس الأعمال مع محافظة دير الزور فرص الاستثمار في الزراعة والصناعة والسياحة والخدمات، وكيفية تحويلها إلى مشروعات قابلة للعرض على القطاع الخاص.
تطوير التجربة يعظم نتائجها
لا يزال بناء هذه المنظومة في مرحلة مبكرة، إذ شُكل عدد كبير من المجالس خلال فترة قصيرة. ومع اتساع الشبكة، يمكن تطوير أسلوب عملها من خلال وضع برنامج واضح لكل مجلس، وتحديد القطاعات التي سيركز عليها، واختيار أعضاء لديهم نشاط فعلي أو معرفة بالسوق المقابلة.
كما يمكن متابعة النتائج من خلال عدد الشركات التي جرى ربطها بشركاء، والأسواق التي دخلتها صادرات سورية، والمشروعات التي انتقلت من اللقاءات الأولية إلى التفاوض أو التنفيذ.
ولا يعني ذلك تحميل المجالس مسؤوليات تتجاوز دورها. فنجاح الاستثمار يحتاج أيضاً إلى قوانين واضحة، ومؤسسات قادرة على اتخاذ القرار، ومصارف وتمويل وضمانات للعقود. لكن تطوير تجربة المجالس وتنسيقها مع الوزارات والمحافظات واتحادات الغرف يمكن أن يعظم فائدتها ويجعلها أكثر قدرة على تحويل الاتصالات إلى نتائج اقتصادية.
دور مساند في التعافي وإعادة الإعمار
يمكن لمجالس الأعمال أن تساعد سوريا في التعافي عبر فتح أسواق للصادرات، والوصول إلى موردي المعدات والتكنولوجيا، وجذب شركاء تجاريين وصناعيين، وإعادة تعريف الشركات الأجنبية بالفرص الموجودة في البلاد.
وفي إعادة الإعمار، تستطيع المجالس المساعدة في تكوين التحالفات بين الشركات السورية والأجنبية، والتعريف بالمشروعات، والوصول إلى المستثمرين والمقاولين والممولين. وبعد ذلك تنتقل الملفات إلى الشركات والمؤسسات الحكومية والمصارف لاستكمال التمويل والتراخيص والتنفيذ.
ومن هنا، تمثل إعادة تشكيل المجلس السوري الإيطالي والمجالس الاخرى جزءاً من محاولة أوسع لإعادة وصل سوريا بالاقتصاد العالمي عبر شبكة تجمع بين التحرك الحكومي وعلاقات القطاع الخاص. وكلما انتقلت هذه المجالس من اللقاءات العامة إلى بناء مصالح وشراكات محددة، زادت قدرتها على دعم التجارة والاستثمار والمساهمة في التعافي الاقتصادي.




