بين وعد الوفرة وغموض الملكية، كشفت المقابلة رجلًا يستطيع استشراف قدرة التكنولوجيا
أكثر مما يستطيع تفسير شرعيتها السياسية والاجتماعية.
بقلم: د. خالد عيتاني
لم تكن مقابلة إيلون ماسك مع زاني مينتون بيدوس، رئيسة تحرير «الإيكونوميست»، حوارًا آخر مع ملياردير يراكم الشركات والجدل، بل مواجهة نادرة بين شكلين من أشكال القوة: رجل يملك التكنولوجيا والمنصة والقمر الصناعي ورأس المال، وصحفية لا تملك أمامه سوى السؤال، لكنها عرفت كيف تحوله إلى أداة مساءلة لا تقل قوة عن الإمبراطوريات التي يجلس في قلبها.
دخل ماسك المقابلة محاطًا بهالة الرجل الذي لا ينتظر المستقبل بل يسعى إلى تصميمه. غير أن بيدوس لم تسمح لعبقرية الإنجاز بأن تتحول إلى حصانة. لم تنافسه في الصواريخ أو الخوارزميات، بل نقلته إلى الميدان الذي تصبح فيه العبقرية التقنية أقل حصانة: الملكية، والعدالة، والشرعية، والمسؤولية. وكلما ارتفع بخطابه نحو المستقبل، أعادته إلى السؤال الذي لا تحبه النبوءات الكبرى: من يملك؟ من يدفع؟ من يراقب؟ ومن منح صاحب التكنولوجيا حق تقرير مصائر مجتمعات لم تنتخبه؟
توقع ماسك أن يتجاوز الذكاء الاصطناعي مجموع الذكاء البشري خلال سنوات قليلة، وأن تنتقل البشرية في غضون عقد إلى اقتصاد تتراجع فيه ندرة السلع والخدمات، ويصبح العمل خيارًا لا ضرورة، ويفقد المال جانبًا كبيرًا من وظيفته. إنها رؤية مبهرة، لكنها تبدأ من خاتمة القصة وتتجاوز فصولها الأكثر اضطرابًا. فالسؤال ليس ما إذا كانت الروبوتات تستطيع إنتاج وفرة هائلة، بل من سيمتلكها، ومن سيحصل على ثمارها، ومن سيتحمل كلفة الانتقال إلى عالم قد تختفي فيه الوظائف قبل أن تتوافر بدائلها.
هنا بدأت بيدوس تضيق عليه مساحة المناورة. سألته كيف ستربح شركاته، ولماذا يشتري المستثمرون أسهمها اليوم إذا كان المال مرشحًا لفقدان أهميته خلال عقد. لم يشرح نموذج الأعمال أو طبيعة العائد المستقبلي، بل تجاوز السؤال إلى القول إن المال لن يعود مهمًا عندما يصبح الإنتاج شبه غير محدود. كان السؤال عن الإيرادات، فجاء الجواب عن زوال الحاجة إليها؛ وكان السؤال عن الشركة، فانتقل إلى الحضارة.
ثم طرحت عليه السؤال الأشد حساسية: هل ستبيع شركاته الروبوتات، أم ستحتفظ بها لتنتج السلع والخدمات؟ لم يكن ذلك استفسارًا تقنيًا، بل سؤال ملكية. فإذا أصبحت الروبوتات القوة الإنتاجية الرئيسة، فإن من يمتلكها سيمتلك الجزء الأكبر من الثروة والقرار. غير أن ماسك انتقل إلى الحديث عن صعوبة سيطرة الإنسان على ذكاء يفوقه. سُئل عمّن سيملك وسائل الإنتاج الجديدة، فأجاب عمّن سيسيطر على الذكاء الخارق.
هنا تتكشف الثغرة المركزية في رؤيته. فالوفرة لا تتحول تلقائيًا إلى عدالة، كما أن نهاية الندرة لا تعني نهاية التفاوت. قد تنتج الروبوتات ما يكفي الجميع، لكن الشركة المالكة تظل قادرة على تحديد من يحصل على الإنتاج، وبأي ثمن، وتحت أي شروط. وإذا بقيت الطاقة والبيانات والرقائق ومراكز الحوسبة في أيدي عدد محدود من الشركات، فلن يفقد المال أهميته؛ بل ستتضاعف أهمية الملكية التي تمنحه قوته.
وعندما تحدث ماسك عن اختفاء الوظائف، شبّه العمل المستقبلي بالبستنة: نشاط يمارسه الإنسان للمتعة لا للحاجة. غير أن البستنة خيار لمن يمتلك دخلًا ووقتًا وأمنًا اقتصاديًا، أما البطالة الناتجة من الإحلال التكنولوجي فهي فقدان للراتب والمكانة والاستقلال والهوية. لذلك أعادته بيدوس إلى السؤال الذي لا تحسمه النبوءات: كيف سيعيش الذين يفقدون وظائفهم؟ وكيف تعبر المجتمعات إلى نظام «الدخل المرتفع الشامل» من دون انفجار اجتماعي؟
أجاب بأن الخزانة تستطيع إرسال تحويلات إلى الناس، وأن زيادة الإنتاج ستسمح بتوسيع المعروض النقدي من دون تضخم. يحمل هذا الجواب منطقًا نقديًا يمكن مناقشته، لكنه يفترض مسبقًا أن الوفرة تحققت، فيما كان السؤال عن المرحلة التي تسبقها: ماذا يحدث عندما تختفي الوظائف بسرعة، بينما تبقى مكاسب الإنتاج محتكرة داخل الشركات المالكة للتكنولوجيا؟
لقد اختزل ماسك عقدًا اجتماعيًا جديدًا في أداة نقدية. لكن طباعة النقود قد تمول دخلًا، ولا تطبع ملكية. وقد تمنح الدولة المواطن شيكًا، لكنها لا تمنحه حصة في الخوارزمية التي ألغت وظيفته، ولا صوتًا في تحديد اتجاه الاقتصاد الجديد.
وحين حذرته بيدوس من احتمال أن تسبق الثورة الاجتماعية مجتمع الوفرة، تحدث عن تذبذب مشاعره بين الحماسة والرعب. كان ذلك جوابًا صادقًا إنسانيًا، لكنه لا يشكل سياسة انتقالية. لقد سُئل عن العقد الاجتماعي، فأجاب عن حالته النفسية.
وفي تنظيم الذكاء الاصطناعي، قدّم ماسك اقتراحًا جديًا: أن تراجع الشركات الكبرى نماذج بعضها قبل الإطلاق، وأن تُحال المخاطر إلى الحكومات. لكن وضع المتنافسين في موقع المنتج والرقيب والحكم معًا يبقي الاقتراح أسير التطوع. فالشركات التي تتسابق إلى السوق والتقييمات لا تستطيع وحدها تحديد مقدار الخطر المقبول.
أما حديثه عن الصين، فقد كشف أن الصراع على الذكاء الاصطناعي أوسع من سباق خوارزميات. فالقوة الجديدة تقوم على الكهرباء والرقائق والتبريد والتصنيع والروبوتات. ومن هذه الزاوية، بدت قراءته أكثر واقعية من الاعتقاد بأن تقييد الرقائق يكفي لإيقاف الصين. العالم مقبل على صراع بين دولة صناعية تملك الطاقة والتصنيع، وشركات عابرة للحدود تملك النماذج والمنصات والبيانات. وفي الحالتين، تتراجع مساحة المواطن العادي.
من هنا، انتقلت المقابلة إلى موقع ماسك نفسه. فهو يجمع في منظومة واحدة «إكس» و«ستارلينك» و«سبيس إكس» و«تسلا» و«إكس إيه آي»، إلى جانب العقود الحكومية وعلاقاته المباشرة بقادة الدول. هذه ليست محفظة استثمارات، بل بنية نفوذ متكاملة. وفي أوكرانيا، لم تعد «ستارلينك» خدمة اتصالات، بل بنية تحتية عسكرية. ومن حق ماسك أن يتبنى رؤية تدعو إلى التسوية، لكن امتلاكه شبكة تعتمد عليها دولة في حرب يجعل رأيه مختلفًا عن رأي أي رجل أعمال آخر. فحين تتداخل القناعة الشخصية مع قرار الاتصال الميداني، يصبح السؤال: من يراقب صاحب البنية التحتية؟
وكشفت تجربة DOGE وملف USAID حدود تطبيق منطق الشركات على الدولة. أقر ماسك بأنه انجرف بعيدًا في السياسة، لكنه ظل متمسكًا بتقليص الإنفاق والهدر. وقد يكون محقًا في وجود فساد وبيروقراطية، غير أن إصلاح المؤسسة لا يبرر تجاهل أثر إغلاقها المفاجئ.
حين واجهته بيدوس بالكلفة الإنسانية، أصر على أن عدد الوفيات الناتجة من التخفيضات كان صفرًا، وأن المؤسسات الخيرية كان يمكنها سد الفراغ. لم يكن ضعف الجواب في دفاعه عن مكافحة الهدر، بل في تحويل نتيجة إنسانية معقدة إلى رقم قطعي لم يسنده بمنهج أو دليل. كما أن القول إن جهة خيرية «كان يمكن» أن تتدخل لا يشكل بديلًا لسياسة عامة. فالدولة لا تستطيع تعليق الدواء والغذاء على احتمال استجابة طرف خاص.
أما المواجهة الأشد اشتعالًا فكانت حول أوروبا والهجرة. توقع ماسك حربًا أهلية في بريطانيا إذا استمرت الاتجاهات الحالية. سألته بيدوس متى زار المملكة المتحدة آخر مرة، فاضطر إلى الاعتراف بأن سنوات مرت منذ زيارته. كان السؤال بالغ الإحراج: رجل يصدر حكمًا حاسمًا على مستقبل مجتمع كامل، من دون معايشة حديثة لتحولاته.
وعندما قالت إن الصورة التي يروجها لا تطابق الواقع الذي تعرفه، لم يقدم بيانات مضادة، بل اتهمها بأنها تعيش في فقاعة. وهذا لا يدحض الاعتراض؛ فالتشكيك في إدراك المحاور لا يثبت حتمية الحرب. وحين طُلب منه شرح المسار المؤدي إليها، تحدث عن جماعة سريعة النمو تحمل قيمًا مناقضة للغرب، من دون تحديد حجمها أو أدواتها أو اللحظة التي تتحول فيها أزمة الاندماج إلى صدام أهلي. استبدل البرهان بسلسلة احتمالات، ثم حصّن توقعه بعبارة «إذا استمرت الاتجاهات الحالية».
وازداد اضطرابه حين سئل عن المحتوى الذي يضخمه بشأن أوروبا، فنقل الحوار إلى الرقابة وحرية التعبير. وقد يكون نقد الرقابة مشروعًا، لكنه لا يجيب عن مسؤولية صاحب منصة يقرر أي الصور يرفعها إلى مئات الملايين.
وحين سألته بيدوس بصورة مباشرة إن كان معاديًا للمسلمين، كانت أمامه فرصة لوضع حد فاصل بين نقد التطرف والتحريض على جماعة دينية واسعة. كان يستطيع أن يميز بين المسلم والمهاجر، وبين المؤمن والمتطرف، وبين مشكلة الاندماج والسلوك الإجرامي. لكنه لم يفعل.
بدلًا من تقديم نفي صريح، أجاب بأنه يعارض الاغتصاب والقتل وفرض قيم مناقضة للغرب. لم تكن هذه إجابة ناقصة فحسب، بل صياغة بالغة الخطورة؛ لأنها وضعت سؤالًا عن المسلمين في جوار مباشر مع أبشع الجرائم، وكأن العلاقة بينهما مفهومة ضمنًا.
فالاغتصاب والقتل جرائم يرتكبها أفراد من خلفيات متعددة، ولا يجوز تحويلها إلى مدخل لتعريف الموقف من جماعة دينية كاملة. وعندما يُسأل رجل يملك منصة يتابعه عبرها مئات الملايين عن موقفه من المسلمين، ثم يجيب بالحديث عن الجريمة والاعتداء، فإنه لا يبدد المخاوف من خطابه، بل يعيد إنتاجها في صورة أكثر كثافة.
لم يكن السؤال فخًا، بل فرصة للتوضيح. غير أن ماسك لم يقل إنه يعادي المسلمين، ولم يحمهم في الوقت نفسه من التعميم الذي صنعه خطابه. وهذا ليس خللًا لغويًا عابرًا، بل قصور في المسؤولية. فالرجل الذي يعرف كيف تحرك كلمة واحدة الأسواق، لا يستطيع الادعاء بأن الكلمات تفقد آثارها حين تتناول الأديان والهويات.
ثم بلغ صراعه مع الإعلام ذروته. سألته بيدوس عن شرعية تدخله في سياسة قارة لا يعيش فيها ولا يخضع لمحاسبة مواطنيها. أجاب بأنه يرى أوروبا والولايات المتحدة جزءًا من «الغرب الجماعي». لكن الانتماء الحضاري لا يصنع تفويضًا سياسيًا. وحين سُئل عن أسباب نفور بعض الناس منه، استند إلى عدد متابعيه، ثم قال إن الجمهور يكره الصحافة أكثر مما يكرهه.
كان ذلك هجومًا إعلاميًا ذكيًا، لكنه ضعيف حجاجيًا. عدد المتابعين لا يثبت صحة الموقف، وأزمة الثقة بالإعلام لا تجيب عن حدود نفوذ صاحب المنصة. لقد سُئل عن الشرعية، فأجاب بالشعبية؛ وسُئل عن المسؤولية، فحوّل المؤسسة التي تسأله إلى متهم.
فمن انتصر؟ ماسك انتصر في معركة المشهد: أطلق العبارات الكبرى، وحافظ على ثقته، وأنتج مقاطع قابلة للانتشار. أما زاني مينتون بيدوس فتفوقت في امتحان الحجة. لم تحاول أن تبدو أذكى من أحد ألمع العقول التقنية في عصرنا، لكنها كانت أقدر منه في لحظات حاسمة على إدراك ما يترتب على أفكاره.
أعادته من الوفرة إلى الملكية، ومن التحويلات إلى توزيع القوة، ومن التنبؤ إلى الدليل، ومن الشعبية إلى الشرعية. وحين حاول تحويل المساءلة إلى هجوم على الإعلام، أبقت السؤال قائمًا: من يراقب الرجل الذي يملك المنصة التي يهاجم منها الصحافة؟
لم يُهزم ماسك في المقابلة، لكنه كُشف: كُشف التناقض بين نهاية المال وتمركز الثروة، وبين نهاية العمل وغياب عقد اجتماعي بديل، وبين الدفاع عن الحرية وامتلاك منصة تصوغ المجال العام، وبين التحذير من الذكاء الاصطناعي وقيادة السباق نحوه، وبين ادعاء حماية الغرب واستخدام خطاب قد يزيد انقسامه.
أما بيدوس، فقد أثبتت أن الصحافة لا تحتاج إلى امتلاك صاروخ أو خوارزمية كي تواجه القوة؛ يكفيها سؤال دقيق، وذاكرة للوقائع، وشجاعة تمنعها من الانبهار بمن تجلس أمامه. لم ترفع صوتها، لكنها جعلت القوة تشرح نفسها، ثم كشفت ما عجزت عن شرحه.
وخلاصة تقديري أن الحلقة لم تُسقط إيلون ماسك، لكنها كشفت الفجوة بين عبقريته التقنية ونضج رؤيته الاجتماعية والسياسية. فهو قدّم تصورًا جريئًا لمستقبل تقوده الآلة، لكنه لم يقدّم تصورًا مقنعًا لكيفية توزيع ملكيتها وعوائدها، أو حماية من سيدفعون كلفة الانتقال إليها. كما خلط أحيانًا بين النفوذ والشرعية، وبين اتساع الجمهور وصحة الموقف، واستخدم في حديثه عن أوروبا والمسلمين تعميمات كان الأجدر به أن يستبدلها بلغة أدق تفصل بين الجريمة والهوية، وبين التطرف والمجتمعات بأكملها. والنقد البنّاء هنا لا يطال طموحه، بل يدعوه إلى أن يقرن الابتكار بقواعد مستقلة للمساءلة، والوفرة بآليات عادلة للتوزيع، وحرية التعبير بمسؤولية المنصة، والتنبؤ بالدليل. فالعالم لا يحتاج من ماسك أن يتخلى عن جرأته، بل أن يضيف إليها ما ينقصها: وضوحًا في المسؤولية، ودقة في التمييز، وتواضعًا أمام تعقيد الإنسان والمجتمع.




