سعادة الشامي يوقّع "Bound by Design":
الإصلاح في لبنان بين قيود النظام وفرص التغيير

13.07.2026
Twitter icon
Facebook icon
LinkedIn icon
e-mail icon
شارك هذه الصفحة مع آخرين
Print Friendly, PDF & Email

وقّع نائب رئيس مجلس الوزراء اللبناني السابق سعادة الشامي كتابه الجديد "Bound by Design: Public Service in a Broken System"  خلال ندوة حوارية وحفل توقيع أقيما في المكتبة الوطنية - الصنائع، بحضور عدد من الوزراء، وحشد من الشخصيات الاقتصادية والدبلوماسية والأكاديمية والثقافية والإعلامية.

سلامة: بين الأزمة والإصلاح

افتتح وزير الثقافة د. غسان سلامة الندوة، مؤكداً أن الوزارة جعلت من المكتبة الوطنية مساحة للحوار حول القضايا الوطنية المختلفة، مشيراً إلى أن اختيار الكتاب لمناقشة تجربة الشامي في العمل العام يكتسب أهمية خاصة، نظراً للمرحلة الدقيقة التي يمر بها لبنان.

وأضاف: "وبعد الظهر، يسرّني ويسعدني تماماً أننا في حضرة عددٍ من الذين تسلّموا مقاليد المال العام في هذا البلد، الزميل الأستاذ ياسين جابر، والأصدقاء الذين توالوا على الوزارة من قبله، الوزير غازي وزني وناصر السعيدي، ومجموعة من المتعاطين بالشأن العام والعاملين في حقل المالية العامة. كل ذلك بفضل الكتاب الذي كتبه الصديق سعادة الشامي، والذي عبّر فيه أولاً عن تجربة شخصية لشخصٍ آتٍ من خارج المال السياسي إلى الحياة السياسية العامة في هذا البلد، وعبّر ثانياً عن صعوبة الإصلاح في دولة تفككت كثرة من عُراها، وتراجعت قدرتها على المواجهة خلال العقود الماضية، وهي تحاول اليوم أن تستعيد بعضاً من قدرتها وقدراً من هيبتها.

أما المسألة الثالثة التي يعالجها الكتاب، فهي الأزمة المالية التي ضربت بلادنا، على الأقل منذ العام 2019، والتي تمكّنت دول أخرى من معالجتها خلال أشهر أو سنة أو سنتين، فيما ندخل نحن العام السابع من دون أن نجد حلاً حقيقياً لها".

الشامي: تجربة في قلب الأزمة

وضمت الندوة كلاً من الرئيس التنفيذي للمركز المالي الكويتي ورئيس مجلس رجال الأعمال اللبناني في الكويت علي خليل، والخبير الاقتصادي والصحافي ألبير كوستانيان، إضافة إلى د. سعادة الشامي الذي قدّم قراءة لتجربته في العمل الحكومي خلال واحدة من أكثر المراحل تعقيداً في تاريخ لبنان الحديث، متناولاً إدارة الأزمة المالية، والمفاوضات مع صندوق النقد الدولي، والعقبات التي واجهت مسار الإصلاح داخل مؤسسات الدولة.

وأوضح الشامي أن فكرة الكتاب بدأت بعد خروجه من الحكومة، إثر تشجيع عدد من الأصدقاء له على توثيق تجربته، لكنه تردد في البداية لعدم رغبته في كتابة مذكرات شخصية أو إصدار كتاب سياسي جديد. إلا أنه أدرك لاحقاً أن تجارب العمل العام لا ينبغي أن تبقى حبيسة الذاكرة، لأنها تشكل جزءاً من السجل الوطني، وتكشف كيفية عمل المؤسسات، وآليات اتخاذ القرار، وأسباب نجاح الإصلاح أو تعثره.

وشدد على أن الكتاب ليس سيرة ذاتية، بل محاولة لفهم التجارب والقيم التي شكّلت مسيرته، مؤكداً أن الهدف الأساسي منه هو المساهمة في إطلاق حوار حول سبل الخروج من الأزمة الاقتصادية، والاستفادة من الدروس التي أفرزتها تجربة الإصلاح في لبنان.

وأشار الشامي إلى أن أبرز استنتاجاته من تجربته الحكومية تتمثل في أن الإصلاح لا يفشل بسبب غياب الأفكار أو الحلول، بل بسبب اصطدامه بمصالح سياسية تجعل الحفاظ على الوضع القائم أكثر منفعة لبعض الأطراف من تغييره. وقال إن كثيراً من أزمات لبنان ليست وليدة الصدفة، بل ترتبط بطبيعة النظام القائم وآليات عمله.

وأكد أن التحدي الأساسي في لبنان هو سياسي قبل أن يكون اقتصادياً أو تقنياً، موضحاً أن نظام تقاسم السلطة الذي وُضع لحماية التوازن بين المكونات اللبنانية تحوّل مع الوقت إلى منظومة تكافئ التعطيل، وتقدم المصالح الضيقة على المصلحة الوطنية. وأضاف أن مراكز النفوذ لا تقتصر على جهة واحدة، بل تشمل مختلف المؤسسات السياسية والاقتصادية والإعلامية.

وفي ما يتعلق بمسار التغيير، رأى الشامي أن الإصلاح الحقيقي لا يمكن أن يحدث بصورة مفاجئة أو شاملة، وأن الواقعية تقتضي اعتماد مسار تدريجي يقوم على تعزيز المؤسسات، وترسيخ سيادة القانون، وإعادة بناء الثقة بالدولة، تمهيداً لتغييرات أعمق في المستقبل.

وشدد على أهمية وجود قيادة سياسية قادرة على اتخاذ القرارات الصعبة، معتبراً أن رجال الدولة الحقيقيين هم الذين يختارون مواجهة الحقائق، حتى لو كانت مكلفة سياسياً، بدلاً من تجنب القرارات غير الشعبية للحفاظ على مواقعهم.

كما تناول دور الإعلام في مسار الإصلاح، مشيراً إلى أن الإعلام المهني يؤدي دوراً أساسياً في شرح السياسات المعقدة وبناء الثقة العامة، لكنه انتقد في المقابل مساهمة بعض المنابر في نشر معلومات مضللة وتحويل النقاش العام إلى سجالات شخصية تخدم أصحاب المصالح الضيقة.

ورغم الصعوبات التي واجهها، أكد الشامي أن تجربته عززت قناعته بأن العمل العام يبقى رسالة نبيلة، وأن مشاركة أصحاب الكفاءة في إدارة الشأن العام أمر ضروري. وقال إن انسحاب الكفاءات من الحياة العامة يترك المجال أمام استمرار الأزمات دون حلول.

وختم الشامي كلمته بالتأكيد على أن النزاهة والشفافية والصدق تبقى قيماً ثابتة حتى عندما لا تتحقق النتائج المرجوة، مشدداً على أن الإصلاح، مهما كان صعباً، يستحق النضال من أجله، وأن نجاح الكتاب سيكون في إقناع ولو عدد قليل بأن التغيير لا يزال ممكناً

الخليل: رؤية للبنان المستقبل

وفي مداخلته، قال علي الخليل إن رحلة سعادة الشامي في العمل العام تقدّم ثلاث رسائل أساسية تشكل مرتكزاً لبناء لبنان الذي يطمح إليه اللبنانيون. وأوضح أن الرسالة الأولى تؤكد أن الشخصية القيادية تصنع الفارق عندما تقوم على النزاهة، وروح الخدمة، والاستقلالية، وتقديم المصلحة العامة على المصالح الشخصية، مشدداً على أن أزمة لبنان لا تكمن في طبيعة شعبه، بل في ضعف مؤسساته التي تعيق طاقات أبنائه.

وأضاف أن الدرس الثاني يتمثل في أن بناء الدول لا يتحقق بالاعتماد على شخصيات استثنائية، بل عبر إقامة مؤسسات قوية وفاعلة تستند إلى قواعد واضحة، وحوكمة رشيدة، وآليات مساءلة تضمن استدامة الإنجاز بعيداً عن الأفراد.

وأشار الخليل إلى أن الرسالة الثالثة والأهم في الكتاب تتمثل في ضرورة أن يكون الإصلاح موجهاً نحو بناء لبنان المستقبل، لا مجرد معالجة أزمات الحاضر، مؤكداً أن الأولوية يجب أن تكون للأجيال القادمة من خلال الاستثمار في البنية التحتية، والتعليم، والمؤسسات، وسيادة القانون، وأن نجاح أي سياسة عامة يُقاس بقدرتها على تحقيق منفعة مستدامة تضمن ازدهار الأجيال المقبلة.

وفي ختام كلمته، شدّد الخليل على أن أهم ما يخلّفه ليس الإصلاحات بحد ذاتها، بل ترسيخ ثقافة دولة المؤسسات وحماية رأس المال البشري، مع التأكيد على أن مصلحة الأجيال القادمة يجب أن تبقى البوصلة الأساسية لأي مسار إصلاحي في لبنان.