لماذا يحطم بعض العرب اوطانهم؟

09.07.2026
Twitter icon
Facebook icon
LinkedIn icon
e-mail icon
شارك هذه الصفحة مع آخرين
Print Friendly, PDF & Email

محمد الرميحي*

كثيرا ما نبحث عن اسباب تعثر عدد من الدول العربية في التدخلات الخارجية او المؤامرات الدولية او ضعف الموارد الاقتصادية، وهي عوامل لا يمكن انكار اثرها. غير ان هناك عاملا آخر لا يقل خطورة، بل قد يكون اكثر تاثيرا، وهو الثقافة السياسية التي تحكم العلاقة بين القوى المتنافسة داخل الدولة نفسها. انها ثقافة ترى السياسة معركة وجود، لا منافسة على ادارة الشان العام، وتجعل الخصم عدوا ينبغي اقصاؤه، لا شريكا يمكن التعايش معه.

في كثير من التجارب العربية، يتحول الوصول الى السلطة الى لحظة احتكار للحقيقة. فالطرف المنتصر يعتقد انه يمتلك وحده مشروع الانقاذ، وان معارضيه لا يختلفون معه في الوسائل، بل يقفون في مواجهة الوطن ذاته. وهكذا يصبح الاختلاف السياسي تهمة، وتتحول المعارضة الى خطر يجب التخلص منه، لا الى جزء طبيعي من اي مجتمع حي.

وفي المقابل، لا تبدو بعض قوى المعارضة اكثر استعدادا لقبول الشراكة. فهي كثيرا ما تتعامل مع السلطة باعتبارها فاقدة لاي شرعية، وترفض الاعتراف بامكان الاصلاح التدريجي او التسويات السياسية. ويصبح الهدف اسقاط الطرف الآخر بالكامل، لا الوصول الى صيغة تحفظ الدولة وتتيح تداولا سلميا للمصالح والسلطة.

بهذه العقلية تنشأ معادلة صفرية؛ فاما ان اربح كل شيء، او اخسر كل شيء. ولا يبقى مكان للحلول الوسط او للتنازلات المتبادلة. ومع مرور الوقت، تتحول مؤسسات الدولة الى ساحات صراع، وتصبح الهوية الوطنية اضعف من الهويات السياسية او الطائفية او العرقية او المناطقية.

تقدم تجارب عربية عديدة شواهد مؤلمة على ذلك. ففي السودان، تحولت المنافسة داخل مؤسسات القوة الى حرب مدمرة دفعت الدولة والمجتمع ثمنا باهظا لها. وفي العراق، ما زالت الانقسامات السياسية والطائفية، اضافة الى تعدد مراكز القوة والولاءات، تعيق بناء دولة تحتكر القرار والسلاح. وفي لبنان، ادى تغليب موازين القوى الداخلية والاقليمية على منطق الدولة الى اضعاف مؤسساتها واطالة امد ازماتها. اما سوريا، فعلى الرغم من التحولات الاخيرة، فان استقرارها لن يكون سهلا اذا بقيت قطاعات من المجتمع تشعر بانها خارج معادلة المشاركة، او اذا ظلت بعض القوى ترى ان السلاح هو الطريق الوحيد لتحقيق اهدافها.

القاسم المشترك بين هذه الحالات ليس تشابه الانظمة او الظروف، بل غياب ثقافة تقبل الآخر. فالخلاف السياسي يتحول سريعا الى خصومة اخلاقية، ثم الى مواجهة وجودية، وكان الوطن لا يتسع الا لراي واحد او قوة واحدة. وعندما يحدث ذلك، تصبح مؤسسات الدولة اضعف من القوى المتنافسة عليها، وتتحول البلاد الى ساحة يستنزف فيها الجميع الجميع.

وليس من قبيل المصادفة ان الدول الاكثر استقرارا ليست تلك التي تخلو من الخلافات، بل تلك التي طورت قواعد لادارتها. فالتعددية لا تعني الاتفاق الدائم، وانما تعني الاعتراف بان الخصم السياسي ليس عدوا للوطن، وان التداول والتسوية والتنازل المتبادل ليست علامات ضعف، بل شروط لبقاء الدولة.

لعل جوهر المشكلة يكمن في عقلية يمكن تلخيصها بعبارة واحدة: انا على حق حتى النهاية، وانت على باطل حتى النهاية. وعندما تتحول هذه القناعة الى قاعدة للعمل السياسي، يغيب الحوار، وتتراجع فرص التسوية، ويصبح الانتصار على الخصم اهم من حماية الوطن. عندئذ لا يعود الخراب نتيجة الحرب فقط، بل نتيجة الافكار التي سبقتها وادارتها.

ان بناء الدولة يبدأ حين تدرك القوى السياسية ان الوطن اكبر من اي حزب، واوسع من اي طائفة، وابقى من اي سلطة. فالاختلاف لا يدمر الاوطان، وانما يدمرها الاصرار على ان الحقيقة لا يملكها الا طرف واحد، وان الشراكة هزيمة وليست فضيلة سياسية. ومن دون الانتقال من ثقافة الاقصاء الى ثقافة المشاركة، سيظل بعض العرب يهدمون اوطانهم بايديهم، بينما يظنون انهم يدافعون عنها!

 *نشر في موقع عروبة22