"غلفتينر" تعيد تموضعها
من مشغل موانئ
إلى منصة تجارة عالمية

08.07.2026
Twitter icon
Facebook icon
LinkedIn icon
e-mail icon
شارك هذه الصفحة مع آخرين
Print Friendly, PDF & Email

تدخل "غلفتينر" مرحلة جديدة في مسارها التشغيلي مع إعلان استراتيجية لوجستية عالمية بتكلفة تصل إلى ملياري دولار، تستهدف تحويل الشركة من مشغل موانئ تقليدي إلى شركة متكاملة للبنية التحتية التجارية.

ويأتي هذا التحول في توقيت تشهد فيه خريطة التجارة في الخليج تحولاً، بعدما أظهرت حرب إيران والاضطرابات في مضيق هرمز أن القيمة الحقيقية للموانئ اصبحت تُقيم بقدرتها على توفير بدائل آمنة ومرنة وسريعة لحركة السلع وسلاسل الإمداد أكثر منه بعدد الأرصفة والطاقة الاستيعابية.

استراتيجية لوجستية متكاملة

تقوم الاستراتيجية الجديدة على توحيد الموانئ والشحن البحري والخدمات اللوجستية الداخلية والمدن اللوجستية والمنظومات الصناعية وسلاسل الإمداد المدعومة بالذكاء الاصطناعي ضمن منصة واحدة.

وبحسب إعلان الشركة، تهدف الخطة إلى خدمة أسرع الممرات التجارية نمواً في العالم، وإلى الانتقال من إدارة أصول منفردة إلى تشغيل منظومة متصلة تربط الإنتاج بالنقل والتخزين والتوزيع ضمن تجربة موحدة للعملاء.

خورفكان في صلب الخطة

ومن الواضح أن العنصر الأبرز في هذه الاستراتيجية هو توسيع ميناء خورفكان، الذي تديره "غلفتينر"، لرفع طاقته الاستيعابية من 3.5 ملايين حاوية نمطية إلى 5 ملايين حاوية نمطية، مع مخطط رئيسي طويل الأجل يتجاوز 10 ملايين حاوية نمطية.

وتضيف الشركة إلى ذلك بعداً داخلياً مهماً من خلال مدينة الذيد اللوجستية ومدينة الصجعة اللوجستية، اللتين ستوفران معاً 2.3 مليون حاوية نمطية من الطاقة السنوية للخدمات اللوجستية الداخلية. وتوضح هذه الأرقام أن الشركة لا تراهن على الميناء وحده، وإنما على شبكة تربط الواجهة البحرية بمراكز التخزين والتوزيع والنقل البري والسككي.

تحول في نموذج الأعمال

يُبرز هذا التوجه تغيراً واضحاً في نموذج أعمال "غلفتينر". فقد بدأت الشركة في عام 1976 من الشارقة بإدارة محطة حاويات الشارقة، ثم حصلت في عام 1986 على عقد إدارة محطة خورفكان، قبل أن تتوسع لاحقاً في الخدمات اللوجستية عبر إطلاق "مومنتوم لوجستكس" في عام 2008، ثم الدخول إلى أسواق السعودية والعراق والولايات المتحدة.

وتشير بيانات الشركة إلى أنها تدير في الإمارات محطة حاويات الشارقة ومحطة خورفكان وميناء الشارقة الجاف وميناء الصجعة الجاف، إضافة إلى عمليات في السعودية والعراق والولايات المتحدة.

وق راكمت الشركة خبرة طويلة في تشغيل الموانئ، لكنها تتحرك الآن نحو نموذج يقوم على إدارة سلسلة الإمداد كاملة. ويشمل ذلك الموانئ والمحطات، والمستودعات، والنقل الداخلي، والتخليص الجمركي، ومراكز الحاويات الداخلية، والتقنيات الرقمية.

وتعرض "غلفتينر" هذه الخدمات اليوم كحلول مترابطة لا كخدمات منفصلة، بما ينسجم مع التحول العالمي في قطاع اللوجستيات، حيث تبحث الشركات عن مزود قادر على تقليل التعقيد والوقت والتكلفة والمخاطر في حركة البضائع.

ميزة الموقع خارج هرمز

تُعطي ميزة خورفكان هذه الاستراتيجية بعداً استراتيجياً خاصاً. فالميناء يقع على الساحل الشرقي لدولة الإمارات، خارج مضيق هرمز، ويصفه موقع "غلفتينر" بأنه المحطة التجارية الوحيدة العاملة بالكامل في الإمارات خارج المضيق.

هذه الخاصية كانت مهمة دائماً، لكنها أصبحت أكثر حساسية بعد حرب إيران، حين تحولت الموانئ الشرقية، ولا سيما خورفكان والفجيرة، إلى خطوط إمداد حيوية بديلة للموانئ الواقعة داخل الخليج.

الجغرافيا كميزة اقتصادية

أظهرت الأزمة الأخيرة أن الجغرافيا نفسها أصبحت ميزة اقتصادية. فقد ذكرت "رويترز" في مايو 2026 أن خورفكان والفجيرة باتا شرياناً اقتصادياً للإمارات بعد التعطلات المرتبطة بمضيق هرمز، وأن عدد الحاويات التي تتعامل معها "غلفتينر" في خورفكان قفز إلى نحو 50 ألف حاوية أسبوعياً مقابل نحو ألفي حاوية سابقاً، كما ارتفعت حركة الشاحنات من نحو 100 شاحنة يومياً إلى نحو 7 آلاف شاحنة يومياً بحسب الرئيس التنفيذي للشركة فريد بلبواب.

تضع هذه الأرقام إعلان الملياري دولار في سياق أوسع. فالشركة لا توسع طاقتها لمجاراة نمو عادي في التجارة فحسب، وإنما تستعد لعالم أصبحت فيه سلاسل الإمداد أكثر عرضة للصدمات. والموانئ التي تقع خارج نقاط الاختناق البحرية، وتملك ربطاً داخلياً قوياً، وتستطيع التعامل مع قفزات مفاجئة في أحجام الشحن، ستصبح أكثر أهمية للشركات والدول معاً. ومن هنا تأتي أهمية الربط المستقبلي مع قطار الاتحاد، لأنه يحول خورفكان من ميناء بحري على الساحل الشرقي إلى بوابة متعددة الوسائط تربط البحر بالطرق والسكك والمناطق الصناعية.

خريطة إقليمية أوسع

تتجاوز أهمية "غلفتينر" السوق الإماراتية إلى خريطة اللوجستيات في المنطقة. فعملياتها في السعودية تمنحها اتصالاً بسوق صناعية ونفطية وبتروكيماوية كبيرة، ولا سيما عبر الجبيل، بينما تمنحها عمليات العراق في أم قصر موقعاً في واحد من أكثر الأسواق اعتماداً على الاستيراد وإعادة بناء البنية التحتية. وتشير الشركة إلى أن مركز أم قصر اللوجستي في العراق يوفر خدمات مرتبطة بالميناء، بينما يشكل ميناء الجبيل بوابة مهمة إلى السوق السعودية والصناعات البتروكيماوية.

في هذا المعنى، تبدو "غلفتينر" جزءاً من سعي إقليمي أوسع على بناء مراكز لوجستية قادرة على خدمة التجارة بين آسيا والشرق الأوسط وأوروبا وإفريقيا. وتضع الشركة استراتيجيتها الجديدة في إطار دعم الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا، ومبادرة الحزام والطريق، عبر ربط الموانئ وخدمات الشحن والشبكات الداخلية والمنصات الرقمية. هذه المقاربة تنسجم مع الاتجاه الإماراتي الأوسع نحو تحويل الموقع الجغرافي إلى منصة تجارة واستثمار وخدمات.

من مناولة الحاويات إلى إدارة الإمداد

الفارق بين النموذج القديم والجديد أن الشركة لم تعد تكتفي برسوم مناولة الحاويات أو تشغيل الأرصفة. النموذج الجديد يقوم على تعظيم القيمة عبر سلسلة أطول من الخدمات التي تتضمن استقبال البضائع، وتخزينها، وتخليصها، ونقلها داخلياً، وتوزيعها، وربطها رقمياً ببيانات العملاء وحركة الطلب. وكلما زاد التكامل بين هذه الحلقات، أصبحت الشركة أقرب إلى شريك في إدارة سلسلة الإمداد، لا مجرد مزود خدمة في محطة بحرية.

أهمية خاصة لاقتصاد الشارقة

يحمل هذا التحول أهمية لاقتصاد الشارقة. فالإمارة تمتلك ميزة نادرة في الإمارات، إذ تطل على الخليج العربي وخليج عمان، ما يمنحها مرونة تشغيلية بين الساحلين. ومع توسع خورفكان والمدن اللوجستية الداخلية، يمكن للشارقة أن تعزز موقعها كمنصة مكملة لدبي وأبوظبي، خصوصاً في قطاعات التجارة، والصناعة الخفيفة، وإعادة التصدير، والخدمات اللوجستية المساندة. ويزداد هذا الدور عندما تصبح المرونة الجغرافية عاملاً حاسماً في قرارات الشركات العالمية حول التخزين والتوزيع وإعادة توجيه الشحنات.

اللوجستيات كأمن اقتصادي

 تبقى الاستراتيجية الجديدة مرتبطة بقدرة "غلفتينر" على تنفيذ مشاريع كبيرة في وقت قصير، وعلى إدارة الضغط التشغيلي الناتج عن تحولات مفاجئة في طرق التجارة.

فقد كشفت حرب إيران أن الطلب على الموانئ البديلة يمكن أن يرتفع بسرعة تفوق التوقعات، وأن الازدحام قد يتحول إلى كلفة اقتصادية إذا لم تكن هناك طاقة كافية في الميناء وخلفه. لذلك، فإن نجاح الخطة يعتمد على توسعة الأرصفة، وتطوير المراكز الداخلية، وتسريع الربط السككي والبري، وبناء أنظمة رقمية تمنح العملاء رؤية أوضح لحركة بضائعهم.

 تقدم "غلفتينر" من خلال هذه الاستراتيجية نموذجاً لشركة خليجية تتحول من تشغيل الموانئ إلى بناء بنية تجارية متكاملة. ويعكس هذا التحول اتجاهاً أكبر في المنطقة، حيث أصبحت اللوجستيات جزءاً من الأمن الاقتصادي، وجذب الاستثمار، وتنويع الدخل، وإدارة المخاطر الجيوسياسية.