العراق يبحث عن منافذ نفطية بديلة
لتقليل كلفة الجغرافيا

05.07.2026
Twitter icon
Facebook icon
LinkedIn icon
e-mail icon
شارك هذه الصفحة مع آخرين
Print Friendly, PDF & Email

فيصل أبوزكي

يعيد إعلان وزارة النفط العراقية دراسة مد أنبوب لتصدير النفط عبر ميناء بانياس السوري فتح واحد من أكثر الملفات حساسية في الاقتصاد العراقي، بعدما أظهرت التطورات الأخيرة أن اعتماد الصادرات على منافذ محدودة، أغلبها يمر عبر الخليج ومضيق هرمز، يترك مالية الدولة عرضة للصدمات الأمنية والجيوسياسية المتكررة في المنطقة.

يتجاوز هذا الإعلان حدود مشروع أنبوب واحد. فطرح بانياس يأتي ضمن تصور أوسع يبدأ من مد أنبوب بصرة ـ حديثة، ثم توسيع الخيارات باتجاه سوريا وتركيا والأردن.

 بذلك يحاول العراق الانتقال من إدارة المنفذ المتاح إلى بناء شبكة خيارات، بحيث لا تبقى الصادرات النفطية رهينة الموانئ الجنوبية وحدها أو خط جيهان التركي وحده.

وقد أكدت وزارة النفط العراقية أن مشروع أنبوب بصرة ـ حديثة يمكن أن يمنح العراق مرونة في نقل الخام باتجاه ميناء جيهان التركي وميناءي بانياس والعقبة.

النفط بين المالية العامة والمخاطر الجيوسياسية

تأتي أهمية هذا النقاش من طبيعة الاقتصاد العراقي نفسه. فالعراق من كبار منتجي النفط في "أوبك"، وتشكل صادرات الخام المصدر الرئيسي لإيرادات الدولة. لذلك تتحول أي أزمة في الممرات البحرية أو خطوط الأنابيب إلى ضغط مباشر على المالية العامة، وعلى قدرة الحكومة على تمويل الإنفاق والاستثمار والخدمات.

وقد زادت حرب إيران الأخيرة حساسية هذا الملف. فقد أظهرت الأزمة أن الاعتماد الواسع على المسار الجنوبي عبر الخليج يترك العراق مكشوفاً أمام أي اضطراب في مضيق هرمز. ووفق "رويترز"، تراجعت صادرات العراق عبر المضيق في أبريل 2026 إلى نحو 10 ملايين برميل فقط، مقارنة بنحو 93 مليون برميل شهرياً قبل الحرب، بسبب اضطراب حركة الناقلات وارتفاع كلفة التأمين.

تفسر هذه الأرقام عودة الحديث عن ممرات بانياس وجيهان والعقبة بقوة. فالقضية أصبحت مرتبطة بتوزيع المخاطر، إلى جانب زيادة الطاقة التصديرية. وكل منفذ إضافي يمنح العراق قدرة أعلى على الاستمرار في التصدير عندما تتعطل قناة ما أو ترتفع كلفة استخدامها.

بصرة ـ حديثة: العمود الداخلي لأي خيار خارجي

يبدأ خيار تنويع المنافذ من داخل العراق. فأنبوب بصرة ـ حديثة يمثل الحلقة المركزية في أي خطة لنقل النفط من الجنوب إلى غرب البلاد، تمهيداً لتوزيعه نحو أكثر من اتجاه.

فمدينةحديثة، الواقعة في محافظة الأنبار غرب العراق، يمكن أن تتحول إلى عقدة داخلية لنقل الخام من الجنوب باتجاه المنافذ البرية المحتملة نحو المتوسط والبحر الأحمر.

 ومن دون هذا الخط، تبقى مشاريع بانياس وجيهان والعقبة أقرب إلى أفكار منفصلة عن مركز الإنتاج الأكبر في البصرة، حيث تتركز معظم الطاقة النفطية القابلة للتصدير.

أقر مجلس الوزراء العراقي مشروع بصرة ـ حديثة في نهاية 2024 بكلفة تقديرية تقارب 4.6 مليارات دولار، ثم أعلنت وزارة النفط في مايو 2026 بدء مساره التنفيذي بطاقة مخططة تصل إلى 2.5 مليون برميل يومياً.

غير أن هذا الإعلان لا يعني أن الأنبوب أصبح ممولاً بالكامل أو أن أعمال مدّه أنجزت أو أن مساراته الخارجية إلى جيهان وبانياس والعقبة باتت جاهزة. الأدق هو أن المشروع انتقل من مستوى القرار الحكومي إلى مرحلة الدفع التنفيذي والتخصيصات الأولية، فيما تبقى سرعة الإنجاز مرتبطة باستكمال التمويل والتلزيم والتفاصيل الفنية والأمنية.

لذلك ينبغي التعامل مع بصرة ـ حديثة كركيزة محتملة لشبكة منافذ جديدة، لا كمسار تصدير قائم حتى الآن.

ولا تقتصر أهمية هذا المشروع على التصدير. فهو يمكن أن يساعد في تغذية المصافي الواقعة على مساره، ويقلل الاعتماد على النقل بالصهاريج، ويفتح نشاطاً واسعاً في التخزين والخدمات والحماية والصيانة. لكنه يبقى مشروعاً ثقيلاً من حيث التمويل والتنفيذ والأمن، ويحتاج إلى تخصيصات مالية واضحة، وإدارة تنفيذية صارمة، وحماية مستمرة لمساره.

بانياس: منفذ متوسطي واعد لكنه معقد

يحمل المسار السوري عبر ميناء بانياس جاذبية جغرافية واضحة. فهو يمنح العراق منفذاً على البحر المتوسط، ويقلل الاعتماد على مضيق هرمز، ويفتح باباً لتكامل اقتصادي جديد مع سوريا في مرحلة إعادة بناء بنيتها التحتية.

اكتسب مسار بانياس بعداً سياسياً أوضح بعد زيارة وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين إلى دمشق في 29 يونيو 2026، حيث بحث مع الرئيس السوري أحمد الشرع مشروع مد أنبوب نفط عراقي بري عبر الأراضي السورية برعاية شركة أجنبية.

غير أن الزيارة تعطي الفكرة غطاءً سياسياً أولياً أكثر مما تعكس اتفاقاً تنفيذياً نهائياً، إذ لا يزال المشروع بحاجة إلى دراسات فنية وتمويلية وأمنية قبل تحوله إلى مسار تصدير قائم.

في المدى القريب، يبقى المسار العملي الأقرب مرتبطاً بالنقل البري بالصهاريج عبر سوريا باتجاه بانياس. وهذا يجعل بانياس خياراً انتقالياً محدوداً في المرحلة الأولى، وخياراً استراتيجياً محتملاً في مرحلة لاحقة إذا نضجت شروط الأمن والتمويل والبنية التحتية. وبالمقارنة مع جيهان والموانئ الجنوبية، يحتاج المسار السوري إلى وقت أطول وترتيبات أوضح داخل سوريا وعلى جانبي الحدود.

جيهان: منفذ قائم يحتاج إلى تسوية سياسية

يبقى المسار التركي عبر جيهان الخيار الأكثر جاهزية بين المنافذ البرية المتاحة للعراق. فقد شكّل خط كركوك ـ جيهان لسنوات الممر الرئيسي لوصول النفط العراقي إلى البحر المتوسط، مستفيداً من بنية تصدير قائمة في تركيا ومن موقع يسمح ببيع الخام بعيداً عن الخليج ومضيق هرمز. غير أن هذا المسار ظل عرضة للتوقف بسبب تداخل الملفات السياسية بين بغداد وأنقرة وأربيل، خاصة بعد النزاع المتعلق بصادرات إقليم كردستان والتحكيم الدولي.

أعاد استئناف صادرات كركوك عبر جيهان في مارس 2026 هذا المنفذ إلى الواجهة، بعدما توصلت الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان إلى اتفاق تضمن تشكيل لجنة مشتركة وإعادة العائدات إلى الخزينة الاتحادية.

لكن عودة التدفقات لا تعني أن المسار التركي تجاوز كل عوائقه. فالاتفاق الخاص بخط كركوك ـ جيهان ينتهي في 27 يوليو 2026، بينما تسعى تركيا إلى إطار جديد للتعاون في الطاقة مع العراق بدلاً من تمديده بالشروط الحالية.

لذلك تبدو قيمة جيهان واضحة، كما تبدو حدوده واضحة أيضاً. فهو المنفذ البري الأسرع قابلية للتفعيل مقارنة ببانياس والعقبة، لكنه يحتاج إلى تفاهم مستقر مع أنقرة وتسوية مستدامة مع أربيل. كما أن تحوله إلى منفذ رديف حقيقي للموانئ الجنوبية يتطلب ربطاً أفضل بين إنتاج الجنوب وشمال العراق عبر مشروع بصرة ـ حديثة.

عندها يمكن أن يتجاوز جيهان دوره التقليدي كمخرج لنفط كركوك والإقليم، وأن يصبح جزءاً من شبكة أوسع لتوزيع مخاطر التصدير العراقي.

العقبة: منفذ على البحر الأحمر بكلفة عالية

الخيار الأردني عبر العقبة مطروح منذ سنوات، ويقوم على نقل النفط العراقي من البصرة إلى البحر الأحمر عبر الأراضي الأردنية. ميزته أنه يمنح العراق منفذاً بعيداً عن الخليج ومضيق هرمز، ويعزز العلاقة الاقتصادية مع الأردن، وقد يفتح لاحقاً مجالاً أوسع للتكامل مع مصر والأسواق المتوسطية.

لكن هذا المسار يواجه كلفة رأسمالية مرتفعة ومسافة طويلة وحاجة إلى اتفاقات واضحة حول الرسوم والكميات والجدوى التجارية. لذلك تبدو العقبة خياراً استراتيجياً لتقليل المخاطر أكثر من كونها بديلاً سريعاً أو أقل كلفة من الموانئ الجنوبية.

الموانئ الجنوبية تبقى الأساس

رغم كل هذه الخيارات، ستبقى الموانئ الجنوبية في البصرة قلب الصادرات العراقية في المدى المنظور. فهي الأقرب إلى حقول الإنتاج الكبرى، والأكثر ارتباطاً بالأسواق الآسيوية، والأقل كلفة في الظروف الطبيعية. لذلك لا تعني مشاريع بانياس أو جيهان أو العقبة التخلي عن الجنوب بقدر ما تعني إضافة خيارات حماية إلى نموذج التصدير العراقي.

القضية هنا هي بناء مرونة. فالعراق يحتاج إلى منفذ رئيسي قوي في الجنوب، ومسارات برية رديفة إلى المتوسط والبحر الأحمر، وقدرة تشغيلية تسمح بتحويل جزء من التدفقات عند الأزمات. يرفع هذا النوع من المرونة كلفة الاستثمار اليوم، لكنه يخفض كلفة الانقطاع غداً.

من أنبوب واحد إلى شبكة خيارات

يمكن تقييم الخيارات العراقية وفق ثلاثة مستويات زمنية. في المدى القصير، يستطيع العراق تحسين الاستفادة من خط جيهان، وتسوية الملفات العالقة مع تركيا وإقليم كردستان، واستخدام النقل بالصهاريج عبر سوريا كحل انتقالي محدود. وفي المدى المتوسط، يشكل أنبوب بصرة ـ حديثة المشروع الحاسم لأنه ينقل مركز الثقل من الجنوب إلى عقدة داخلية قادرة على تغذية أكثر من مسار. أما في المدى الطويل، فيمكن أن تتحول بانياس والعقبة إلى منافذ خارجية مكملة، شرط توافر البيئة السياسية والأمنية والتمويلية المناسبة.

المعادلة التي يواجهها العراق واضحة.  ان الاعتماد على منفذ واحد يخفض الكلفة في الأيام العادية، لكنه يرفع المخاطر في أوقات الأزمات. أما بناء منافذ متعددة فيرفع كلفة الاستثمار، لكنه يمنح الدولة قدرة أكبر على حماية إيراداتها النفطية.

لقد أعادت تجربة مضيق هرمز تذكير بغداد بأن أمن الصادرات جزء من أمن المالية العامة، وأن القدرة على إنتاج النفط تحتاج إلى طرق آمنة ومتعددة لإيصاله إلى الأسواق.

لذلك يتجاوز مشروع بانياس حدوده الفنية. فهو جزء من نقاش أوسع حول إعادة بناء جغرافيا النفط العراقي. والعراق يبحث عن أكثر من خط أنابيب جديد. إنه يبحث عن موقع أكثر توازناً بين الخليج والبحر المتوسط والبحر الأحمر.

وإذا نجح في تحويل بصرة ـ حديثة إلى ركيزة لهذه الشبكة، فقد ينتقل من نموذج يعتمد على طاقة إنتاجية كبيرة ومنافذ محدودة إلى نموذج تصدير أكثر مرونة وقدرة على مواجهة الصدمات.