كتب: فيصل أبوزكي
تعود سكة الحجاز إلى الواجهة بعد أكثر من قرن على إنشائها، ولكن في سياق مختلف تماماً عن الظروف التي ولدت فيها.
فالخط الذي أنشئ مطلع القرن العشرين لربط دمشق بالمدينة المنورة وخدمة الحجاج، يتحول اليوم إلى جزء من شبكة ممرات تجارية جديدة تربط الخليج بتركيا وأوروبا عبر المشرق.
ويأتي الإعلان عن تقدم التفاهمات بين السعودية وتركيا وسوريا والأردن لإحياء الخط في مرحلة تعيد فيها المنطقة رسم خريطتها الاقتصادية، مدفوعة بالتحولات الجيوسياسية، وحرب إيران الأخيرة، وتغير أولويات سلاسل الإمداد، والحاجة إلى تنويع طرق التجارة وعدم الاعتماد على الممرات البحرية وحدها.
من ذاكرة الحج إلى ممر التجارة
عندما أنشئت سكة الحجازعام 1908 كانت تمثل أحد أكبر مشاريع البنية التحتية في الدولة العثمانية، وهدفت إلى تسهيل انتقال الحجاج وتعزيز الترابط الإداري والاقتصادي بين ولاياتها. ومع اندلاع الحرب العالمية الأولى تعرضت أجزاء واسعة من الخط للتدمير، ثم تراجع استخدامه تدريجياً حتى خرج من الخدمة على معظم امتداده.
ويعود المشروع اليوم بوظيفة مختلفة. فالمعيار لم يعد عدد الحجاج الذين تحملهم القطارات، وإنما حجم البضائع التي تستطيع نقلها، وقدرتها على ربط الأسواق والموانئ والمناطق الصناعية، وتوفير مسار بري يختصر الزمن والكلفة بين الخليج وبلاد الشام وتركيا وأوروبا.
لماذا يعود المشروع الآن؟
تغيرت البيئة الاقتصادية العالمية بصورة كبيرة خلال السنوات الأخيرة. فقد أظهرت جائحة كورونا، ثم الحرب في أوكرانيا، والتوترات الأمنية في البحر الأحمر، وأخيراً حرب إيران وأزمة مضيق هرمز، أن الاعتماد على مسار واحد للتجارة العالمية يرفع مستوى المخاطر أمام الدول والشركات. وأصبحت تنويع الممرات البرية والبحرية جزءاً أساسياً من مفهوم الأمن الاقتصادي.
وتندرج إعادة إحياء سكة الحجاز ضمن هذا التوجه، إذ تمنح دول المنطقة خياراً إضافياً لنقل البضائع، وتربط الاقتصادات العربية بالشبكة التركية ومنها إلى أوروبا، في وقت تتزايد فيه أهمية الممرات البرية بوصفها مكملاً للنقل البحري.

عودة المشرق إلى قلب التجارة
تعيد هذه التحولات الاعتبار إلى المشرق العربي باعتباره حلقة الوصل الطبيعية بين الخليج وتركيا وأوروبا. فبعد عقود تراجعت خلالها أهمية النقل البري أمام هيمنة الممرات البحرية، عاد الموقع الجغرافي لسوريا والأردن والعراق ولبنان ليكتسب قيمة استراتيجية جديدة.
أصبحت هذه الدول تمثل أجزاءً من شبكة نقل ولوجستيات إقليمية يمكن أن تربط الموانئ الخليجية بشرق المتوسط والأسواق الأوروبية. ومن هذا المنطلق، يشكل إحياء سكة الحجاز جزءاً من عودة المشرق إلى موقعه التاريخي كممر للتجارة بين آسيا وأوروبا.
السعودية وتركيا... تقاطع مصالح طويل الأمد
يعكس المشروع أيضاً تطور العلاقات السعودية التركية خلال السنوات الأخيرة. فالتعاون بين البلدين لم يعد يقتصر على التجارة والاستثمار، وإنما يمتد إلى مشاريع البنية التحتية الإقليمية التي يمكن أن تعيد رسم حركة التجارة في المنطقة لعقود مقبلة.
وبالنسبة إلى السعودية، يشكل الخط منفذاً برياً جديداً نحو الشمال، ويتكامل مع الاستثمارات الضخمة التي تنفذها في قطاعي اللوجستيات والنقل ضمن رؤية 2030، والتي تستهدف تحويل المملكة إلى مركز يربط ثلاث قارات.
أما تركيا، فترى في المشروع فرصة لتعزيز موقعها كبوابة رئيسية بين الخليج والأسواق الأوروبية، مستفيدة من شبكات السكك الحديدية التي طورتها خلال العقدين الماضيين، ومن موقعها في الممر الأوسط الذي يربط آسيا بأوروبا.
سوريا في قلب المعادلة الجديدة
يمثل الجزء السوري الحلقة الأكثر أهمية في المشروع، لأنه يشكل الجسر الذي يصل الأردن بتركيا، ويمنح سوريا فرصة لاستعادة دورها التاريخي كمحور عبور بين الخليج وشرق المتوسط.
ويحتاج الاقتصاد السوري خلال مرحلة التعافي إلى مشاريع قادرة على توليد نشاط اقتصادي مستدام، واستقطاب استثمارات في البنية التحتية والخدمات اللوجستية والمناطق الصناعية، إلى جانب إعادة تأهيل شبكات النقل التي تضررت خلال سنوات الحرب.
كما يحمل المشروع بعداً استراتيجياً بالنسبة إلى السعودية وتركيا. فإعادة ربط سوريا بشبكات التجارة الإقليمية تساهم في دعم استقرارها الاقتصادي، وتخلق مصالح مشتركة طويلة الأجل، وتفتح المجال أمام استثمارات واسعة في النقل واللوجستيات وإعادة الإعمار، بما يعيد دمجها تدريجياً في الاقتصاد الإقليمي.
الأردن ولبنان... فرص تتجاوز العبور
يشكل الأردن حلقة طبيعية في هذا الممر، إذ يربط الحدود السعودية بسوريا، ويملك خبرة طويلة في خدمات النقل البري واللوجستيات. ومن شأن إعادة تشغيل الخط أن تعزز دوره كمركز عبور، وتفتح المجال أمام تطوير مناطق لوجستية وموانئ جافة وخدمات جمركية حديثة.
أما لبنان، فرغم أنه ليس جزءاً مباشراً من المشروع الحالي، فإنه يستطيع الاستفادة منه إذا استكمل مشروع ربط شبكة السكك الحديدية بين طرابلس والحدود السورية، وربط مرفأ طرابلس بحمص ودمشق. وعندها يصبح المرفأ اللبناني منفذاً إضافياً على البحر المتوسط يخدم جزءاً من حركة التجارة المرتبطة بالممر الجديد.
وتبقى هذه الإمكانية مرتبطة بتطوير البنية التحتية اللبنانية، وتأهيل شبكة السكك الحديدية والمرافئ، وتأمين التمويل اللازم، إلى جانب وجود تنسيق اقتصادي مستدام مع سوريا.
العراق... ممر واعد في بيئة أكثر تعقيداً
في المقابل، يبرز مشروع طريق التنمية العراقي باعتباره أحد أهم مشاريع الربط الإقليمي في المنطقة. فمن الناحية الاقتصادية، يتمتع المشروع بمزايا كبيرة، إذ يربط ميناء الفاو الكبير بتركيا عبر شبكة حديثة من الطرق والسكك الحديدية، ويوفر منفذاً مباشراً للخليج نحو أوروبا.
غير أن الاختلاف بين المشروعين لا يقتصر على المسار الجغرافي، وإنما يمتد إلى البيئة السياسية. فالعراق ما زال يشهد توازنات إقليمية وأمنية معقدة، ويظل النفوذ الإيراني أحد العوامل المؤثرة في بيئته الاستراتيجية.
لذلك يوفر الممر السوري قيمة إضافية، لأنه يمنح السعودية وتركيا فرصة للمساهمة في إعادة بناء المشرق اقتصادياً، وتحويل سوريا من ساحة صراعات إلى ساحة عبور وتكامل اقتصادي.
ويؤدي ذلك إلى نتيجة أوسع، وهي أن المنطقة لا تتجه إلى ممر واحد، وإنما إلى شبكة متكاملة من الممرات، يكمّل بعضها بعضاً، ويمنح التجارة الإقليمية قدراً أكبر من المرونة.
نحو شبكة مترابطة من الممرات
الأرجح أن مستقبل المنطقة سيقوم على تعدد الممرات لا على الاكتفاء بمسار واحد. فسكة الحجاز، وطريق التنمية العراقي، والممر الأوسط عبر تركيا، ومبادرات الربط الخليجية، ومشاريع الموانئ في البحر الأحمر وشرق المتوسط، تمثل جميعها عناصر في منظومة إقليمية جديدة تتشكل تدريجياً.
وكلما تنوعت هذه المسارات، ازدادت قدرة المنطقة على مواجهة الاضطرابات الجيوسياسية، وخفض كلفة النقل، وجذب الاستثمارات في الخدمات اللوجستية، وتحويل موقعها الجغرافي إلى مصدر قوة اقتصادية.

اقتصاد الممرات
لا تقتصر القيمة الاقتصادية للمشروع على رسوم العبور أو نقل البضائع. فالممرات الحديثة تخلق سلسلة طويلة من الأنشطة الاقتصادية تشمل المناطق الصناعية، والمستودعات، والموانئ الجافة، وخدمات التخليص الجمركي، والنقل متعدد الوسائط، والخدمات الرقمية، والتأمين، والتمويل، والصيانة، والتشغيل.
وتشير تجارب العديد من الدول إلى أن القيمة المضافة الحقيقية تنشأ حول الممر، وليس فوق السكة نفسها. لذلك فإن نجاح المشروع سيُقاس بقدرته على جذب الاستثمارات والأنشطة الاقتصادية على امتداد مساره، وليس بعدد القطارات التي تعبره.
مشروع اقتصادي يتجاوز النقل
يمثل إحياء سكة الحجاز أكثر من إعادة تشغيل خط حديدي تاريخي. فهو يعكس اتجاهاً إقليمياً نحو إعادة بناء الجغرافيا الاقتصادية للمشرق، وربط الخليج بتركيا وأوروبا عبر شبكة من الممرات البرية الحديثة.
وإذا نجحت الدول المعنية في تجاوز تحديات التمويل والبنية التحتية والتنسيق السياسي، فإن المشروع قد يتحول إلى أحد أهم محركات التكامل الاقتصادي في المنطقة، ويمنح سوريا والأردن، وربما لبنان مستقبلاً، دوراً جديداً في خريطة التجارة الإقليمية، بالتوازي مع مشاريع الربط الأخرى التي تعيد تشكيل طرق التجارة بين آسيا وأوروبا.




