يشكل توقيع قطر للطاقة إعلان الجدوى التجارية لاكتشافات حقلي غلوكوس وبيغاسوس في المنطقة البحرية رقم 10 قبالة سواحل قبرص خطوة جديدة في مسار توسع الشركة خارج قطر، وانتقالها من الاعتماد على قاعدة محلية ضخمة في الغاز الطبيعي المسال إلى بناء محفظة دولية أوسع في الاستكشاف والإنتاج.
يضع الإعلان الذي وقعته قطر للطاقة مع الحكومة القبرصية وإكسون موبيل في نيقوسيا اكتشافات المنطقة رقم 10 على طريق التطوير التجاري. فهو يفتح مرحلة جديدة من العمل التنظيمي والفني والمالي تمهيداً لإعداد خطط التطوير والإنتاج، والحصول على الموافقات المطلوبة، وتحديد المسار الأنسب لتسويق الغاز. ويشمل الإعلان حقلي غلوكوس وبيغاسوس، إلى جانب بيان تعاون بين الأطراف الثلاثة لمواصلة تطوير المنطقة واستكشاف فرص مستقبلية.
تكتسب هذه الخطوة أهميتها من موقع قبرص في شرق البحر الأبيض المتوسط، وهي منطقة تحولت خلال السنوات الماضية إلى إحدى ساحات التعاون والتنافس في الغاز. فالاكتشافات القبرصية تأتي ضمن خريطة أوسع تضم مصر وإسرائيل وقبرص ولبنان واليونان، وتدور حولها حسابات تتعلق بأمن الطاقة الأوروبي، وبقدرة المنطقة على تحويل مواردها البحرية إلى صادرات قابلة للتسويق عبر البنية التحتية القائمة أو عبر مشروعات جديدة.
وتضع تقديرات صحافية وقطاعية موارد غلوكوس وبيغاسوس معاً عند نحو 7 تريليونات قدم مكعبة من الغاز، مع بقاء الرقم مرتبطاً باستكمال التقييمات الفنية وخطط التطوير. وتشير تقديرات منشورة إلى أن بدء الإنتاج قد يكون ممكناً في حدود عام 2033، إذا استكملت الشركات خطة التطوير، وحصلت على الموافقات التنظيمية، واتخذت قرار الاستثمار النهائي.

شرق المتوسط وسؤال تحويل الغاز إلى صادرات
تكمن أهمية إعلان الجدوى التجارية في أنه ينقل المشروع من مرحلة الاكتشاف إلى مرحلة البحث العملي في مسار التطوير. ففي صناعة الغاز، لا يكفي العثور على موارد بحرية واعدة. القيمة الاقتصادية تتحدد بحجم الاحتياطيات القابلة للإنتاج، وكلفة التطوير، ومسار النقل، والبنية التحتية المتاحة، وقدرة المشروع على الوصول إلى المشترين ضمن عقود طويلة الأجل.
في حالة قبرص، يبدو خيار ربط الغاز بالبنية التحتية المصرية قائماً بقوة. فمصر تمتلك بنية قائمة للغاز والغاز الطبيعي المسال يمكن أن توفر منفذاً عملياً للأسواق الأوروبية والآسيوية. وكانت قطر للطاقة وإكسون موبيل قد وقعتا في مايو 2026 مذكرة تفاهم مع مصر لدراسة إمكان تطوير وتسويق اكتشافات الغاز في قبرص عبر البنية التحتية المصرية القائمة للغاز والغاز الطبيعي المسال.
يعطي هذا المسار المشروع القبرصي بعداً إقليمياً أوسع. فهو يعزز موقع مصر كمركز لتجميع الغاز وإعادة تصديره، ويمنح قبرص خياراً أقل كلفة وأكثر واقعية من بناء منظومة تصدير مستقلة من الصفر. كما يضع قطر للطاقة في موقع يجمع بين الاستكشاف، والشراكة مع شركة عالمية كبرى، والربط المحتمل بشبكة إقليمية قائمة.
يعزز وجود إكسون موبيل كمشغل البعد التقني للمشروع، خصوصاً أن تطوير المياه البحرية يحتاج إلى خبرات متقدمة في الحفر والتقييم والإنتاج. أما قطر للطاقة فتدخل المشروع بخبرة واسعة في الغاز الطبيعي المسال، وبعلاقات طويلة مع المشترين والشركاء، وبقدرة مالية تسمح لها بالمشاركة في مشروعات تحتاج إلى أفق طويل قبل الوصول إلى الإنتاج التجاري.
سياسة واضحة في التوسع الدولي
تمثل قبرص حلقة ضمن سياسة أوسع تقوم على دخول قطر للطاقة في مناطق واعدة بالشراكة مع شركات عالمية، وتقاسم المخاطر الفنية والمالية، وبناء محفظة دولية تمتد من شرق المتوسط إلى أفريقيا وأميركا الجنوبية. ويضع هذا النمط يضع الشركة في مراحل مبكرة من دورة الاستثمار، من الاستكشاف إلى التقييم ثم التطوير والإنتاج.
في مايو 2026، دخلت قطر للطاقة قطاع الاستكشاف في أوروغواي للمرة الأولى عبر الاستحواذ على حصص في ثلاث مناطق بحرية من شركة تابعة لشركة شل، بينها حصتان بنسبة 30 في المئة في المنطقتين OFF-2 وOFF-7، وحصة 18 في المئة في المنطقة OFF-4. وتكتسب أوروغواي أهمية استكشافية بسبب التشابه الجيولوجي بين بعض أحواضها البحرية وأحواض شهدت اكتشافات كبيرة في جنوب الأطلسي.
وفي أفريقيا، أصبحت ناميبيا أحد أبرز مواقع التوسع الخارجي لقطر للطاقة. فالشركة تمتلك حصصاً في أربع رخص استكشاف بحرية هناك، تشمل PEL 0039 وPEL 0056 وPEL 0091 و .PEL 0090 كما يضعها وجودها مع شركات عالمية كبرى في قلب أحد أكثر أحواض النفط والغاز جذباً في العالم حالياً، وهو حوض أورانج البحري.
وتتكرر الصورة نفسها في أميركا الجنوبية. فقد دخلت قطر للطاقة في غويانا ضمن تحالف يضم توتال إنرجيز وبتروناس لاستكشاف المنطقة البحرية S4 . كما عززت حضورها في سورينام، حيث تشكل الاكتشافات والمشروعات البحرية جزءاً من الامتداد الجيولوجي نفسه تقريباً لحوض غويانا ـ سورينام.
أما في مصر، فيأخذ التوسع بعداً مزدوجاً. فمن جهة، تدخل قطر للطاقة في مناطق بحرية استكشافية، بينها اتفاق للاستحواذ على حصة 27 في المئة في منطقة شمال كليوباترا البحرية. ومن جهة أخرى، تكتسب مصر أهمية لوجستية وتجارية بسبب موقعها وبنيتها القائمة في الغاز والغاز الطبيعي المسال، وهي بنية يمكن أن تلعب دوراً محورياً في ربط غاز شرق المتوسط بالأسواق الدولية.
الشراكات وتقاسم المخاطر
تكشف خريطة التوسعات الخارجية عن أسلوب واضح في عمل قطر للطاقة. فالشركة لا تتحرك منفردة في أحواض جديدة عالية المخاطر، وإنما تدخل غالباً عبر تحالفات تضم شركات كبرى مثل إكسون موبيل وشل وتوتال إنرجيز وشيفرون وبتروناس. وتمنحها هذه الشراكات قدرة على الوصول إلى فرص استكشافية أكثر تنوعاً، وتتيح لها المشاركة في مشروعات تحتاج إلى خبرات تقنية وتمويلية وتسويقية واسعة.
يناسب هذا النهج طبيعة الصناعة النفطية والغازية العالمية اليوم. فالأحواض البحرية الجديدة تحتاج إلى دورات استثمار طويلة، وتقييمات جيولوجية دقيقة، وقدرة على تحمل الإنفاق قبل ظهور النتائج التجارية. كما أن النجاح في الاستكشاف لا يضمن وحده نجاح المشروع، إذ يجب ربط المورد المكتشف بسوق، وبنية تصدير، وشركاء قادرين على تمويل التطوير وتسويق الإنتاج.
من هنا، تبدو الشراكات جزءاً من استراتيجية التوسع. فهي تمنح قطر للطاقة حضوراً في مناطق واعدة من دون تحميلها كامل المخاطر، وتسمح لها في الوقت نفسه بتوسيع خبرتها خارج نطاق الغاز الطبيعي المسال التقليدي، نحو الاستكشاف البحري، والنفط، وأحواض الغاز الجديدة.
حقل الشمال وقاعدة القوة القطرية
يأتي هذا التوسع الخارجي بالتوازي مع التوسع الكبير داخل قطر من خلال مشروعات حقل الشمال. وتدير قطر للطاقة عبر قطر للطاقة للغاز الطبيعي المسال طاقة إنتاجية تبلغ 77 مليون طن سنوياً، وتسعى عبر توسعات حقل الشمال إلى رفعها إلى 142 مليون طن سنوياً بحلول نهاية 2030.
هذه القاعدة الإنتاجية تمنح قطر للطاقة قدرة إضافية على التحرك خارجياً. فالشركة تدخل الأحواض الجديدة من موقع منتج كبير يمتلك تدفقات مالية وخبرة في الغاز وأسواقه، ويملك علاقات طويلة مع المشترين وشركات الطاقة العالمية. لذلك يشكل الانتشار الخارجي امتداداً لقوة قائمة، ويضيف إلى نموذجها طبقة جديدة من التنويع الجغرافي والاستثماري.
وتتجاوز أهمية حقل الشمال زيادة حجم الإنتاج. فهو يمنح قطر للطاقة موقعاً مركزياً في سوق الغاز الطبيعي المسال، ويوفر لها قاعدة تجارية ومالية تسمح بالمشاركة في مشروعات طويلة الأمد. ومع توسع محفظتها الدولية، تصبح الشركة قادرة على الجمع بين قوة الإنتاج المحلي، وفرص النمو الخارجي، وشبكة الشراكات التي تربطها بكبار اللاعبين في الصناعة.
اختبار الحرب ودرس تنويع المخاطر
أعادت حرب إيران في عام 2026 إبراز حساسية موقع قطر في سوق الغاز الطبيعي المسال من زاوية حجم الإنتاج وأمن الممرات البحرية وسلامة البنية التحتية. فقد أدت الحرب واضطراب الملاحة في الخليج ومضيق هرمز إلى ضغوط مباشرة على تجارة الغاز، ودفعت قطر للطاقة إلى استخدام القوة القاهرة على بعض الشحنات.
تضيف هذه الخلفية بعداً جديداً لسياسة التوسع الخارجي. فالمحفظة الدولية في قبرص وناميبيا وغويانا وأوروغواي ومصر وسورينام لا تشكل بديلاً فورياً عن قاعدة الإنتاج القطرية، خاصة أن كثيراً من هذه الأصول لا يزال في مراحل الاستكشاف أو التقييم. لكنها تضيف مع الوقت طبقة أوسع من التنويع الجغرافي، وتمنح قطر للطاقة حضوراً في أحواض وممرات وأسواق مختلفة.
وتكشف الحرب أيضاً أن أمن الطاقة لم يعد مرتبطاً بحجم الموارد وحده. فالموقع الجغرافي، وسلامة طرق الشحن، وتنوع منافذ التصدير، ومرونة العقود، كلها أصبحت عناصر رئيسية في تقييم قوة أي شركة أو دولة منتجة. ومن هذه الزاوية، يصبح التوسع الخارجي جزءاً من بناء مرونة استراتيجية طويلة الأجل، إلى جانب دوره في تنمية الاحتياطيات وفرص الإنتاج المستقبلية.
من شركة غاز وطنية إلى لاعب دولي
يعزز توقيع إعلان الجدوى التجارية في قبرص صورة قطر للطاقة كشركة قادرة على الجمع بين قوة الميزانية، والخبرة في الغاز، والعمل ضمن تحالفات دولية معقدة. فالمشروعات البحرية العميقة تحتاج إلى دورات استثمار طويلة، وتقييمات فنية دقيقة، وقدرة على تحمل المخاطر قبل الوصول إلى قرار الاستثمار النهائي.
يبقى الطريق أمام غاز قبرص طويلاً. فإعلان الجدوى التجارية يفتح مرحلة جديدة من العمل تتضمن خطط التطوير، وترتيبات النقل، والموافقات التنظيمية، واتفاقات البيع، وقرار الاستثمار النهائي. غير أن أهمية الإعلان تكمن في أنه يحول اكتشافات المنطقة رقم 10 إلى مشروع قابل للتقدم، ويضع قطر للطاقة في قلب واحدة من أبرز قصص الغاز في شرق المتوسط.
يمكن النظر إلى توقيع الإعلان في نيقوسيا بوصفه حلقة جديدة في مسار أوسع حيث تتحرك قطر للطاقة من موقع المنتج الكبير للغاز الطبيعي المسال في قطر إلى موقع شركة دولية توسع محفظتها، وتدخل أحواضاً جديدة، وتبني حضوراً في مناطق قد تشكل جزءاً من خريطة الإمدادات العالمية خلال العقد المقبل.




