دبي نموذجاً في اختبار مرونة السوق وكفاءة رأس المال
د. فهيم الشايع*
أن التحولات الاقتصادية والجيوسياسية التي تشهدها منطقة الخليج العربي خلال الأشهر الأخيرة، وما رافقها من تغيرات في تدفقات رؤوس الأموال وأنماط الاستثمار الدولي، أفرزت ظاهرة تستحق الدراسة والتحليل؛ تتمثل في ظهور حالة من الانفصال النسبي، ففي الوقت الذي تُظهر فيه بعض الأسواق العقارية الناضجة تراجعاً ملحوظاً في أحجام المعاملات والسيولة التداولية، تواصل القيم الرأسمالية للأصول العقارية إظهار مستويات مرتفعة من الصمود السعري، بل وتحقق في بعض الحالات معدلات نمو إيجابية، في ظاهرة تتجاوز التفسيرات التقليدية القائمة على معادلات العرض والطلب قصيرة الأجل.
تبرز إمارة دبي بوصفها نموذجاً مهماً لفهم هذه التحولات، نظراً لما تتمتع به من عمق سوقي، وتنوع في قاعدة المستثمرين، ومرونة مؤسسية، وقدرة متزايدة على استقطاب رؤوس الأموال العالمية، وفي المقابل، تشير البيانات إلى أن تدفقات الاستثمار لم تعد تتحرك وفق منطق جغرافي ثابت، بل أصبحت أكثر انتقائية في توجيه رؤوس الأموال نحو المناطق القادرة على تحقيق مزيج متوازن بين النمو الرأسمالي، والعائد الإيجاري، وكفاءة التسعير.
إن فهم هذه الديناميكية المركّبة وقراءة أبعادها الحقيقية يستلزم - في البداية - تشريحاً دقيقاً لمكوناتها الجوهرية الثلاث: فجوة التوقعات السعرية، وإعادة هيكلة المنتج العقاري المتداول، وهجرة المحافظ الاستثمارية نحو منطق العائد، وفي ضوء هذه المكونات مجتمعةً، تتشكّل صورة سوق – قد - لا يُعاني أزمةً، بل يخوض مرحلة إعادة توازن هيكلي عميق يُمهّد لمرحلة نمو أكثر رسوخاً وأقل هشاشةً مما سبقها.
بعض الأرقام – الرسمية الصادرة من دائرة أراضي دبي – تساعدنا وفق قراءة معينة بتفسير ما حصل، فلو شاهدنا – مثال – ما سجلته " وسط مدينة دبي " من انخفاض في حجم المبيعات بلغ 45٪ مقارنةً بالفترة ذاتها من العام الماضي، فيما تراجعت الصفقات في "قرية جميرا الدائرية (JVC)" بنسبة 52%، وفي "الجدّاف" بنسبة 41%، أرقام تبدو للوهلة الأولى مقلقة، بل ومنذرة بعاصفة تصحيحية وشيكة.
غير أن المشهد يتكشّف بصورة مغايرة تماماً حين يُدمج المحلل البيانات الحجمية مع البيانات السعرية، فقد ارتفع متوسط سعر الصفقة في "الجدّاف" بنسبة 8٪ ليبلغ 1.45 مليون درهم، كما قفز في "وسط المدينة" بنسبة 9٪ مُستقرّاً عند 3.28 مليون درهم، انخفاض في الكميات وارتفاع في الأسعار — معادلة لا تتسق مع نماذج السوق التنافسية الكلاسيكية.
يكمن المفتاح التحليلي في مفهوم "فجوة التوقعات"؛ إذ يجد المشترون أنفسهم أمام مطالب سعرية تتجاوز قدرتهم التفاوضية أو شهيتهم الاستثمارية، في حين يرفض الملاك الحاليون الاستجابة لضغوط تصحيح الأسعار، مدركين أن أصولهم تُدرّ دخلاً إيجارياً منتظماً وتحتفظ بندرة موضعية لا يمكن استنساخها بسهولة، ويتضافر مع ذلك عاملٌ بنيوي لا يمكن إغفاله، وهو شُح المعروض الجاهز المماثل جودةً وموقعاً، مما يُقيّد قدرة المشتري على انتزاع تنازلات سعرية قوية.
ينتج عن هذا التوازن الدقيق ما يمكن تسميته اقتصادياً بـالجمود الإيجابي؛ حالة من الاستقرار السعري المدعوم بالندرة وارتفاع تكلفة الاستبدال، لا بزخم المضاربة أو التدفقات النقدية الحارّة، وهذا النوع من الاستقرار، وإن بدا غير مألوف لمن اعتادوا على قراءة السوق العقاري من زاوية الحجم وحده، إلا أنه في حقيقته يُمثّل شيئاً من أشكال الاستقرار وأكثرها قابليةً للاستدامة.
لو تأملنا في الأرقام التي حدثت في منطقة دبي الجنوب من ارتفاع بما يقارب 53٪ نمو في عدد الصفقات صاحبها ارتفاع 12٪ في سعر القدم، سوف نجد ثلاثة مؤشرات في منطقة واحدة وفي الفترة الزمنية ذاتها: ارتفاع حاد في الصفقات، وارتفاع في سعر القدم، وانخفاض في السعر الإجمالي، ظاهرة تبدو متناقضة.
يمكن الوصول إلى نتيجة تفسر – بطريقة تحليلية - ما حدث في سوق دبي العقاري، هذا التحول مس منطق القرار الاستثماري في عمقه: انتقال معيار الجاذبية من الأرباح الرأسمالية السريعة إلى العائد الإيجاري الصافي المستدام، وتقود هذه المعادلة الجديدة مناطق بعينها إلى واجهة الاهتمام الاستثماري، في حين تتراجع إلى مرتبة ثانية مناطق كانت حتى وقت قريب أيقونة الزخم العقاري.
أن ما يدفع هذا السوق اليوم هو منطق التدفق النقدي الصافي والقيمة الجوهرية للأصل، وهي الركيزة التي أثبتت عبر تاريخ الأسواق العقارية الكبرى أنها الأكثر ديمومةً والأشدّ صموداً في وجه موجات التقلب الدورية، ومن هذه الركيزة بالذات، ينبثق التفاؤل المبني على الأرقام لا على الأماني، تجاه مستقبل سوق لا يزال في عنفوان تطوره وأوسع من أن تحدّه حدود العام الواحد.
*مستشار عقاري




