الاقتصاد والأعمال
يشير الاتفاق الموقع بين وزارة الاتصالات وتقانة المعلومات السورية ومجموعة زين الكويتية إلى انتقال سوق الاتصالات في سوريا من مرحلة إدارة البنية القائمة إلى مرحلة إعادة بناء السوق على أسس استثمارية جديدة. ففوز زين بالرخصة الجديدة لمشغل الخليوي يضع قطاع الاتصالات في قلب مسار التعافي الاقتصادي، بعد سنوات طويلة تراجعت خلالها جودة الشبكات، وضعفت القدرة الاستثمارية، وتضررت البنية التحتية بفعل الحرب والعقوبات وانكماش الاقتصاد.
تتسع أهمية دخول زين إلى ما هو أبعد من إضافة مشغل إقليمي جديد إلى السوق السورية. فالمجموعة الكويتية تأتي بخبرة تشغيلية واسعة في أسواق عربية وأفريقية، وبقدرة على تعبئة التمويل، وبمعرفة عملية في إدارة التحول من خدمات الاتصال التقليدية إلى خدمات البيانات، والمدفوعات الرقمية، والحلول السحابية، والخدمات الموجهة إلى الشركات. وتشير تقديرات إعلامية غير رسمية إلى أن قيمة الرخصة الجديدة تبلغ نحو 747 مليون دولار، مع استثمارات إضافية تقارب 800 مليون دولار لتطوير الشبكة، ما يجعل الصفقة من أكبر المؤشرات حتى الآن على عودة الاستثمار الإقليمي إلى قطاع حيوي في سوريا.

فتح سوق الخليوي أمام مرحلة جديدة
جاءت هذه الخطوة بعد فتح عملية ترخيص لمشغل خليوي جديد في سوريا. وكانت وزارة الاتصالات السورية قد أعلنت في مارس 2026 إطلاق مناقصة دولية لرخصة تشغيل تمتد لعشرين عاماً، لتحل محل رخصة "إم تي إن سوريا"، مع الحفاظ على سوق تضم مشغلين خلال فترة انتقالية لضمان استمرارية الخدمة للمشتركين. وتوضح هذه الآلية أن الهدف يتصل بإدخال مستثمر قادر على تحديث الشبكة، ورفع مستوى الخدمة، وتوسيع التغطية، وإطلاق جيل جديد من البنية الرقمية.
وفي سوق الخليوي، سيكون التحدي الأكبر أمام زين هو تحويل الرخصة إلى شبكة حديثة بسرعة كافية. ذلك يشمل تحسين التغطية، ورفع جودة الصوت والبيانات، وتوسيع خدمات الجيل الرابع، والتحضير للجيل الخامس في المدن والمناطق الاقتصادية، وإعادة بناء الثقة مع المشتركين. كما تستطيع زين أن تلعب دوراً مهماً في تطوير الخدمات الرقمية المرتبطة بالهاتف المحمول، خصوصاً المدفوعات، والمحافظ الإلكترونية، وخدمات الشركات الصغيرة، وحلول الاتصال للشركات. هذه الخدمات قد تصبح جزءاً من التعافي الاقتصادي إذا ترافقت مع سياسة واضحة للشمول المالي والهوية الرقمية والحكومة الإلكترونية.
زين و"إس تي سي"... مساران متكاملان
تكتسب صفقة زين بعداً أوسع لأنها تأتي بعد أشهر من إعلان مجموعة "إس تي سي" السعودية مشروع "سيلك لينك" في سوريا، باستثمار يقارب مليار دولار. ويتضمن المشروع إنشاء نحو 4500 كيلومتر من الكابلات الرئيسية ومثلها من الكابلات الفرعية، إضافة إلى خمسة مراكز بيانات بطاقة 50 ميغاواط، ومحطات إنزال بحرية جديدة على الساحل السوري.
بهذا المعنى، تبدو السوق السورية مقبلة على مسارين متكاملين. المسار الأول هو تحديث سوق الخليوي وخدمات المستهلكين عبر زين والمشغلين القائمين. والمسار الثاني هو بناء عمود فقري رقمي للبلاد عبر الألياف الضوئية ومراكز البيانات والربط الدولي. ويمكن أن يغير تلاقي المسارين وظيفة قطاع الاتصالات في الاقتصاد السوري. فالقطاع لن يكون مجرد خدمة أساسية للمواطنين والشركات، وإنما منصة لإعادة بناء الخدمات الحكومية، والمدفوعات، والتجارة الإلكترونية، والتعليم الرقمي، والعمل عن بعد، وخدمات الأعمال العابرة للحدود.
ويعكس مشروع "إس تي سي" تحولاً أوسع في دور شركات الاتصالات الخليجية. فقد انتقلت القيمة في هذه الصناعة من المكالمات والاشتراكات إلى الألياف، والسعات الدولية، ومراكز البيانات، والحوسبة السحابية، والأمن السيبراني، والربط بين الأسواق. ومن خلال سوريا، تستطيع "إس تي سي" أن تضيف حلقة جديدة إلى شبكة ربط تمتد من الخليج إلى المشرق وتركيا وأوروبا.
الاستثمار الأجنبي بين التمويل والخبرة التشغيلية
يفرض واقع الشبكات في سوريا هذا التحول بصورة عاجلة. فسنوات الحرب أضعفت البنية القائمة، وعمقت الفجوة بين المدن والمناطق، وأبقت سرعات الإنترنت وجودة الاتصال دون مستوى الحاجات الاقتصادية الجديدة. كما كشفت النقاشات الأخيرة حول موردي التكنولوجيا ضرورة تنويع مصادر التجهيزات، وتحديث المعايير الأمنية، وتوسيع الشراكات مع شركات قادرة على الالتزام بمعايير الحوكمة وحماية البيانات.
يدخل الاستثمار الأجنبي هنا من بابين أساسيين. الباب الأول هو التمويل، لأن إعادة بناء الشبكات تتطلب مليارات الدولارات في الألياف الضوئية، والأبراج، ومحطات الإرسال، وتجهيزات الجيلين الرابع والخامس، ومراكز البيانات، وأنظمة الأمن السيبراني، وبرمجيات إدارة الشبكات. الباب الثاني هو الخبرة التشغيلية، لأن القيمة الحقيقية لا تتحقق من مدّ الكابلات وحدها، وإنما من بناء منظومة خدمات قابلة للتوسع، وتسعير عادل، ونوعية خدمة مستقرة، وسوق تنافسية تخدم المستخدم وتدعم الشركات.
سوريا كممر للبيانات بين الخليج وأوروبا
تملك سوريا موقعاً جغرافياً يمنح قطاع الاتصالات بعداً إقليمياً. فهي تقع بين تركيا والعراق والأردن ولبنان وفلسطين، وتجمع بين موقع بري يصل المشرق بالخليج وتركيا، ومنفذ بحري على شرق المتوسط يمكن أن يربطها بمسارات الكوابل الدولية نحو أوروبا.
يمكن أن يحول هذا الموقع سوريا إلى ممر للبيانات بين الخليج والمشرق وتركيا وأوروبا، خصوصاً إذا ارتبط مشروع "سيلك لينك" بمسارات كوابل برية وبحرية متعددة. فشبكات البيانات الحديثة تبحث عن مسارات أقصر، وأكثر تنوعاً، وأقل تعرضاً للاختناقات الجيوسياسية. وتستطيع سوريا، عند استقرار بيئتها الأمنية والتنظيمية، أن تتحول إلى ممر بري للبيانات عبر الألياف الضوئية، يربط الخليج وبلاد الشام بتركيا وأوروبا.
تزداد أهمية هذا الدور مع تكرار الحوادث التي تظهر هشاشة الكوابل البحرية في المنطقة. ففي يونيو 2026، تعرض كابل بحري يربط مصر بسوريا للقطع، ما أدى إلى اضطرابات في خدمات الإنترنت ودفع الجهات السورية إلى تحويل حركة البيانات عبر مسارات بديلة تشمل قبرص وتركيا. ويوضح هذا النوع من الحوادث أن القيمة المستقبلية تكمن في بناء شبكة متعددة المسارات، تجمع بين الكوابل البحرية والكوابل البرية ومراكز البيانات ونقاط تبادل الإنترنت.
الكوابل ومراكز البيانات... البنية التي تصنع القيمة
وكانت سوريا قد وقعت في أكتوبر 2025 اتفاقاً مع نظام "ميدوسا" للكوابل البحرية لإنزال أول كابل دولي في البلاد، ضمن مشروع يربط دولاً في شمال أفريقيا وجنوب أوروبا، ويشكل ممراً بين المتوسط والأطلسي والبحر الأحمر. هذا الاتفاق، مع مشروع "سيلك لينك"، يفتح الباب أمام تحويل الساحل السوري إلى نقطة ربط رقمية في شرق المتوسط، شرط استكمال البنية الداخلية، وتحسين موثوقية الشبكة، وتوفير بيئة تنظيمية مطمئنة للمستثمرين ومشغلي الكوابل ومزودي الخدمات السحابية.
يتطلب تطوير هذا الدور استثمارات تتجاوز قطاع الخليوي. فالمسار يبدأ ببناء شبكة ألياف وطنية عالية السعة تربط المحافظات والمناطق الصناعية والمرافئ والمطارات والمعابر. ويشمل ذلك تحديث شبكات النفاذ إلى المنازل والشركات، لأن القيمة النهائية للمستخدم تتوقف على جودة الميل الأخير. كما يشمل إنشاء مراكز بيانات محلية وإقليمية، ونقاط تبادل إنترنت، وبنية متقدمة للأمن السيبراني، وأنظمة موثوقة لحماية البيانات واستمرارية الأعمال.
بهذه العناصر، تصبح مراكز البيانات والكوابل والألياف جزءاً من بنية اقتصادية جديدة، لا مجرد بنية تقنية. فهي تتيح استضافة محلية للبيانات، وتدعم الخدمات السحابية، وترفع قدرة الشركات على العمل بكفاءة، وتفتح المجال أمام خدمات رقمية عابرة للحدود. كما تجعل الاتصال الدولي أكثر مرونة، وتمنح الاقتصاد السوري فرصة للارتباط بسلاسل الخدمات الرقمية في المنطقة.
الإطار التنظيمي شرط تحويل الفرصة إلى سوق
سيتوقف نجاح هذه المرحلة على قدرة الدولة السورية على بناء إطار تنظيمي واضح ومستقر. فالمستثمر في الاتصالات يبحث عن قواعد معروفة في الرخص، والعوائد، والضرائب، والعملة، وتحويل الأرباح، والمنافسة، والنفاذ إلى البنية التحتية، والحوكمة، وحماية البيانات. كما يفترض ذلك وضوحاً في العلاقة بين الدولة والمشغلين، وبين المشغلين ومزودي البنية التحتية، وبين السوق المحلية والشبكات الدولية.
ويكتمل هذا المسار بإطار واضح لحقوق المرور، وتقاسم البنية التحتية، وتسعير السعات، ومنح التراخيص، وحماية المنافسة. فكلما ارتفعت درجة الوضوح، تحولت سوريا من سوق عالية المخاطر إلى فرصة قابلة للتمويل، وقادرة على جذب شراكات طويلة الأمد في قطاع يتطلب استثمارات كبيرة ودورات تنفيذ طويلة.
فرصة تتجاوز ترميم الماضي
لدى سوريا فرصة نادرة لإعادة بناء قطاع الاتصالات بطريقة تتجاوز ترميم الماضي. فدخول زين إلى سوق الخليوي، واستثمار "إس تي سي" في الألياف والربط الدولي، واتفاقات الكوابل البحرية، كلها عناصر يمكن أن تؤسس لسوق رقمية جديدة. وتستطيع هذه السوق دعم التعافي، وتسهيل عودة الشركات، وفتح مجالات عمل للشباب، وربط الاقتصاد السوري بسلاسل الخدمات الإقليمية.
غير أن هذه الفرصة ستبقى مرتبطة بتوافر شروط أساسية أهمها استقرار أمني وسياسي يسمح بتنفيذ الاستثمارات، وتنظيم حديث يحمي المنافسة والمستهلك، وشراكات أجنبية طويلة الأمد تنقل رأس المال والخبرة والتكنولوجيا.
يحمل اتفاق زين دلالة تتجاوز خبر الترخيص. فهو يأتي ضمن خريطة بدأت تتشكل حول ثلاثة مسارات مترابطة: مشغل خليوي جديد، وبنية ألياف عابرة للمحافظات والحدود، وربط بحري مباشر بالشبكات العالمية. وإذا أحسنت سوريا إدارة هذه المرحلة تنظيمياً واستثمارياً، يمكن أن ينتقل قطاع الاتصالات من موقع القطاع المتضرر إلى موقع المنصة التي تدعم التعافي، وتربط الاقتصاد السوري بسلاسل الخدمات الرقمية بين الخليج وشرق المتوسط وأوروبا.




