كأس العالم 2026:
لعبة المليارات خارج الملعب

29.06.2026
Twitter icon
Facebook icon
LinkedIn icon
e-mail icon
شارك هذه الصفحة مع آخرين
Print Friendly, PDF & Email

د. سوليكا علاء الدين

في وقتٍ تتصدر فيه الحروب والأزمات الاقتصادية المشهد العالمي، يفرض كأس العالم 2026 نفسه كواحدٍ من أبرز الأحداث الاستثنائية على الساحة الدولية. فالنسخة الأكبر في تاريخ البطولة، التي تستضيفها الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، لا تقتصر أهميتها على كونها منافسة كروية تستقطب اهتمامًا جماهيريًا واسعًا حول العالم، بل تمتد لتشكل قوة دافعة للنشاط الاقتصادي والاستثماري. ومع توقعات بتحقيق عوائد بمليارات الدولارات، وخلق فرص عمل جديدة، وتنشيط قطاعات اقتصادية حيوية، تتجاوز آثار البطولة حدود المستطيل الأخضر والدول المستضيفة، ليتحول المونديال إلى منصة عالمية تعزز النمو الاقتصادي وتدعم مسارات التنمية.

اقتصاد المونديال

تكشف الأرقام عن حجم "المونديال" الحقيقي وتأثيره الاقتصادي الواسع، مع توقعات باستقطاب نحو 6.5 ملايين متفرج إلى الملاعب، ما يجعله واحدًا من أكبر موجات الإنفاق والاستهلاك المرتبطة بحدث رياضي عالمي عابر للحدود. وفقًا لبيانات الاتحاد الدولي لكرة القدم (FIFA)، يُتوقع أن يبلغ إجمالي الإنفاق المرتبط ببطولة كأس العالم 2026 نحو 13.9 مليار دولار، ما يضعها بين أكثر نسخ المونديال تكلفة في التاريخ. ويعكس هذا الرقم الضخم اتساع نطاق المتطلبات التنظيمية واللوجستية للبطولة، في ظل التوسع غير المسبوق إلى 48 منتخبًا، وارتفاع عدد المباريات إلى 104 مواجهات تستضيفها 16 مدينة موزعة على الولايات المتحدة وكندا والمكسيك.

ويتوزع هذا الإنفاق بين مصروفات الجماهير والزوار، ونفقات الاتحاد الدولي لكرة القدم، والتكاليف التشغيلية للمدن المستضيفة، إضافة إلى الاستثمارات الرأسمالية الموجهة لتطوير البنية التحتية والخدمات. ومن المتوقع أن تسهم هذه التدفقات المالية في تنشيط مجموعة واسعة من القطاعات الاقتصادية، وفي مقدمتها السياحة والنقل والطيران والتجارة والاتصالات والخدمات الفندقية والترفيهية، بما يعزز الطلب ويولد آثارًا اقتصادية تمتد إلى ما بعد انتهاء البطولة.

كما لا يرتبط حجم الإنفاق فقط بتجهيز الملاعب أو تنظيم المباريات، بل يشمل منظومة متكاملة من المتطلبات التشغيلية والخدمية والأمنية التي تتحملها الحكومات والمدن المستضيفة. وتشمل هذه الجهود تطوير شبكات النقل والمطارات، وتعزيز التدابير الأمنية، وتحديث المرافق العامة، وتهيئة الملاعب ومراكز التدريب وفق المعايير المعتمدة من الفيفا. وتختلف تقديرات حجم الإنفاق بين جهة وأخرى تبعًا لمنهجية الاحتساب، وما إذا كانت تشمل الاستثمارات طويلة الأجل المرتبطة بالتاريخ التنموي للبطولة أو تقتصر على النفقات المباشرة اللازمة لتنظيمها.

ولا تقتصر انعكاسات المونديال على الإنفاق المباشر، إذ يُنتظر أن تسهم الآثار غير المباشرة المرتبطة بالتجارة والسياحة وسلاسل التوريد في دفع النشاط الاقتصادي العالمي إلى مستويات تصل إلى عشرات المليارات من الدولارات عبر القطاعات المرتبطة بالبطولة.

بين الإنفاق والعائد

ميدانيَا، تتحمل الولايات المتحدة الجزء الأكبر من الأعباء المالية، بحكم استضافتها 78 مباراة من أصل 104، حيث تقدّر النفقات المرتبطة بالتنظيم والأمن والنقل والخدمات اللوجستية بعدة مليارات من الدولارات. غير أن ذلك يقابله توقعات بتحقيق عوائد اقتصادية ضخمة من السياحة والإنفاق الاستهلاكي والاستثمارات المرتبطة بالحدث.

أما كندا، فقد رفعت تقديراتها الرسمية إلى أكثر من مليار دولار كندي لاستضافة 13 مباراة في مدينتي تورونتو وفانكوفر، وهو ما أفرز نقاشات داخلية حادة بشأن حجم الكلفة التي ستتحملها المالية العامة مقارنة بالعوائد المنتظرة. وفي المقابل، خصصت المكسيك استثمارات بمئات ملايين الدولارات لتحديث الملاعب والبنية التحتية وشبكات النقل في مدنها المستضيفة؛ مكسيكو سيتي وغوادالاخارا ومونتيري، فيما تشير تقديرات محلية إلى أن الكلفة الإجمالية المباشرة وغير المباشرة قد تتجاوز مليار دولار.

نسخة المليارات

على الجانب الآخر، لا تقتصر انعكاسات بطولة كأس العالم 2026 على حجم الإنفاق المباشر والاستثمارات المرتبطة بها، بل تمتد لتخلق آثارًا اقتصادية واسعة عبر مختلف القطاعات والأسواق. وبحسب دراسة أعدتها مؤسسة OpenEconomics، يُتوقع أن يسهم المونديال في نحو 80.1 مليار دولار من النشاط الاقتصادي العالمي، وأن يضيف ما يقارب 40.9 مليار دولار إلى الناتج المحلي الإجمالي العالمي. كما يُنتظر أن يوفر أكثر من 823 ألف فرصة عمل بدوام كامل حول العالم، في مؤشر يعكس الترابط المتزايد بين صناعة الرياضة والاقتصاد العالمي.

وتبرز السياحة باعتبارها أحد أهم المحركات الاقتصادية المرتبطة بالبطولة، إذ يُتوقع أن تستقطب نحو 6.5 ملايين متفرج، يشكل الزوار القادمون من خارج الدول المستضيفة ما يقارب 40 في المئة منهم. ومن المنتظر أن يصل حجم الإنفاق السياحي إلى نحو 7.5 مليارات دولار، ما يمنح قطاعات الفنادق والمطاعم والنقل والتجزئة دفعة قوية، ويدعم الإيرادات وفرص العمل في العديد من الأنشطة الاقتصادية.

ولا تنحصر آثار هذا الإنفاق على القطاعات المستفيدة بصورة مباشرة، بل يتسرب إلى الاقتصاد على نطاق أوسع من خلال "أثر المضاعف الاقتصادي"، محققَا مكاسب في مختلف حلقات الإنتاج والتوزيع والخدمات. فارتفاع إيرادات المنشآت السياحية والخدمية يؤدي إلى زيادة الطلب على السلع والخدمات الوسيطة، ويحفز الشركات على توسيع أعمالها واستقطاب المزيد من العمالة، ما يعزز الدورة الاقتصادية داخل الاقتصادات المحلية.

وتأتي قطاعات النقل والطيران في مقدمة المستفيدين من هذا الزخم، إذ من المتوقع أن تسهم الاستضافة المشتركة بين الولايات المتحدة وكندا والمكسيك في إعادة تشكيل حركة السفر عبر أميركا الشمالية، وتعزيز الطلب على الرحلات الدولية والإقليمية لفترة ممتدة. وتستفيد شركات الطيران، خصوصًا العاملة نحو المدن المستضيفة، من ارتفاع حركة المسافرين، ولا سيما على الرحلات طويلة المدى المتجهة إلى المراكز الحضرية الكبرى.

كما ينعكس هذا النشاط على قطاع الضيافة، حيث تشهد المدن المستضيفة ارتفاعًا ملحوظًا في أسعار الفنادق خلال فترات الذروة، مع تسجيل معدلات إشغال مرتفعة في العديد من الوجهات التي تستضيف مباريات دور المجموعات والأدوار الإقصائية. ومن المتوقع أن تسهم تطبيقات الإيجار قصير الأجل في استيعاب جزء من الطلب الإضافي، خاصة في المناطق السياحية ذات الطاقة الفندقية المحدودة.

وعلى الصعيد الرقمي، يستعد قطاع الاتصالات لزيادة كبيرة في استهلاك البيانات المتنقلة، مدفوعة بالبث المباشر للمباريات والتفاعل عبر وسائل التواصل الاجتماعي وتبادل المحتوى الرقمي. كما يُتوقع أن تستفيد منصات البث وشركات الإعلام من ارتفاع نسب المتابعة العالمية، في حين تحقق شبكات الدفع الإلكتروني وشركات التكنولوجيا المالية مكاسب إضافية نتيجة ارتفاع المعاملات المرتبطة بشراء التذاكر وحجوزات السفر والإنفاق الاستهلاكي.

على مستوى الدول المستضيفة، يُرجح أن تحقق الولايات المتحدة الحصة الأكبر من المكاسب الاقتصادية، نظرًا لاستضافتها العدد الأكبر من المباريات والمدن المنظمة. وتشير التقديرات إلى أن البطولة قد تضيف نحو 17.2 مليار دولار إلى الناتج المحلي الإجمالي الأميركي، إلى جانب توفير قرابة 185 ألف فرصة عمل جديدة وتحقيق إيرادات ضريبية تصل إلى 3.4 مليارات دولار.

وتوفر مدينة لوس أنجلوس مثالًا واضحًا على هذه الديناميكية الاقتصادية؛ إذ تشير دراسة أعدتها شركة Micronomics Economic Research and Consulting إلى أن استضافة المدينة لثماني مباريات فقط قد تولد نحو 594 مليون دولار من الأثر الاقتصادي الإجمالي، فضلًا عن تحقيق إيرادات ضريبية إضافية ورفع مستويات الأجور والدخل.

ولا تقتصر مكاسب البطولة على الجوانب الاقتصادية المباشرة، بل تمتد إلى أبعاد اجتماعية وتنموية طويلة الأجل. ووفقًا لتقديراتOpenEconomics، يمكن أن تولد البطولة نحو 8.28 مليارات دولار من القيمة الاجتماعية، من خلال تحسين جودة الحياة، وتعزيز المشاركة المجتمعية، وتشجيع النشاط الرياضي، إلى جانب دعم الصورة الدولية للدول والمدن المستضيفة.

ثروة أم فاتورة؟

رغم الصورة الاقتصادية الإيجابية التي ترسمها التقديرات المرتبطة ببطولة كأس العالم 2026، يدعو عدد من الاقتصاديين إلى التعامل بحذر مع الأرقام المتداولة حول المكاسب المحتملة للأحداث الرياضية الكبرى، مشيرين إلى أن بعض التوقعات قد تكون أكثر تفاؤلًا من العوائد الفعلية. ويؤكد هؤلاء أن الحكومات والمدن المستضيفة تتحمل أعباء مالية إضافية مرتبطة بتعزيز الأمن، وتطوير شبكات النقل، وتوفير الخدمات العامة، في وقت يذهب فيه جزء مهم من الإيرادات المباشرة إلى الاتحاد الدولي لكرة القدم (FIFA) عبر حقوق البث والرعاية والتسويق التجاري، والتي تُقدَّر بأكثر من 11 مليار دولار، ما يقلل من حجم العائدات المالية المباشرة التي تعود إلى الاقتصادات المحلية.

في المقابل، يرى بعض المحللين أن نسخة 2026 تتمتع بميزة استراتيجية قد تخفف من هذه التحديات، إذ تعتمد بدرجة كبيرة على البنية التحتية والمنشآت الرياضية القائمة مسبقًا، بدلًا من إقامة مشاريع جديدة ضخمة. ومن شأن هذا النهج أن يحد من حجم الاستثمارات المطلوبة، ويقلل المخاطر المالية المرتبطة بالاستضافة، بما يعزز فرص تحقيق عوائد اقتصادية أكثر استدامة مقارنة بعدد من التجارب السابقة.

هذا الواقع يطرح تساؤلًا أساسيًا لدى الاقتصاديين: هل ستكفي العوائد الاقتصادية المتوقعة لتغطية الأعباء المالية المرتبطة بالبطولة، أم أن جزءًا من كلفة الحدث سيقع في نهاية المطاف على عاتق الحكومات ودافعي الضرائب والتذاكر؟\

ما وراء الملاعب

يمكن القول إن كأس العالم 2026 يتجاوز كونه حدثًا رياضيًا عالميًا يجذب ملايين المشجعين، ليصبح منصة اقتصادية وتنموية ذات تأثير واسع على الدول المستضيفة والاقتصاد العالمي. فبغض النظر عن كيفية توزيع العوائد المالية ، وما يرافق ذلك من نقاش حول حجم المكاسب التي تعود مباشرة إلى الدول والمدن المضيفة، فإن البطولة تخلق حراكًا اقتصاديًا واسعًا من خلال تحفيز الاستثمار، ودعم فرص العمل، وتنشيط قطاعات السياحة والنقل والخدمات. ومع امتداد آثارها إلى ما بعد صافرة النهاية، يؤكد المونديال أن الرياضة لم تعد مجرد صناعة ترفيهية، بل أصبحت أحد المحركات المؤثرة في النمو الاقتصادي والتنمية المستدامة عالميًا.