برنامج الشراكة في أبوظبي
يُحّول البنية التحتية
إلى منصة لإقتصاد جديد

21.06.2026
Twitter icon
Facebook icon
LinkedIn icon
e-mail icon
شارك هذه الصفحة مع آخرين
Print Friendly, PDF & Email

الإقتصاد والأعمال

تدخل أبوظبي مرحلة جديدة في إدارة مشروعها الاقتصادي. فبرنامج الشراكة بين القطاعين العام والخاص بقيمة 55 مليار درهم (حوالي 15 مليار دولار أميركي)، الذي يضم 24 مشروعاً في النقل والبنية التحتية الأساسية والبنية التحتية الاجتماعية،  يعكس انتقالاً أوسع في طريقة بناء الاقتصاد وفي توزيع الأدوار بين الدولة ورأس المال الخاص والمؤسسات المالية والمستثمرين العالميين.

من حزمة مشاريع إلى تحول في نموذج التنمية

تبدأ أهمية البرنامج من حجمه، لكنها تتضح أكثر من نوعية القطاعات التي يشملها. فقد اعتادت أبوظبي استخدام نماذج الشراكة في قطاعات الطاقة والمياه والمرافق، حيث أثبتت التجربة قدرة الإمارة على جذب الرعاة والممولين الدوليين ضمن عقود طويلة الأجل، واضحة المخاطر، ومدعومة بأطراف حكومية قوية.

أما البرنامج الجديد فينقل هذه الخبرة إلى مجالات أوسع وأكثر اتصالاً بحياة المدينة والاقتصاد اليومي على رأسها الطرق والأنفاق والتقاطعات، السدود وتخزين المياه وتصريف الأمطار، المدارس والجامعات والمرافق الصحية والرياضية. وهذا ما يحّول نموذج الشراكة من أداة قطاعية في المرافق إلى آلية بنيوية لتنفيذ جزء من خريطة أبوظبي التنموية.

وفق المعطيات المعلنة، يستحوذ قطاع النقل على الحصة الأكبر بنحو 35 مليار درهم موزعة على 11 مشروعاً تشمل أكثر من 300 كيلومتر من الطرق والأنفاق والتقاطعات الجديدة والمطورة. وتذهب 11 مليار درهم إلى مشاريع البنية التحتية الأساسية، بما في ذلك السدود وتخزين المياه والتحكم في الفيضانات وتصريف مياه الأمطار وتنسيق الحدائق الحضرية. أما البنية التحتية الاجتماعية فتحصل على 9 مليارات درهم من خلال 8 مشاريع في الرياضة والصحة والتعليم.

يكشف هذا التوزيع أن البرنامج يخدم حركة الأشخاص والسلع، أمن المدينة ومرونتها المناخية والخدمية، وجودة الحياة والمهارات والخدمات الاجتماعية.

البنية التحتية كأداة لإنتاج النمو

في جوهره، يمثل البرنامج اختباراً متقدماً لفكرة أن البنية التحتية لم تعد مجرد إنفاق عام سابق للنمو، وإنما أصبحت جزءاً من منظومة إنتاج النمو نفسها. فالطرق الأسرع تخفض كلفة الحركة وتزيد كفاءة سلاسل الإمداد. وتحمي شبكات تصريف المياه والتحكم في الفيضانات الأصول وتقلص خسائر التعطل. وتزيد المدارس والجامعات والمرافق الصحية والرياضية من جاذبية الإمارة للمواهب والشركات والعائلات. وعندما تُنفذ هذه المشاريع عبر نموذج تعاقدي طويل الأجل يربط الدفع بالأداء، تصبح البنى التحتية العامة جزءاً من اقتصاد ذات كفاءة عالية.

رأس المال الخاص داخل رؤية أبوظبي الاقتصادية

ترتبط هذه المقاربة مباشرة برؤية أبوظبي الاقتصادية 2030 التي تسعى إلى بناء بيئة أعمال منفتحة وفعالة ومندمجة عالمياً، مع سياسة مالية منضبطة وقدرة أكبر على تنويع مصادر الدخل والنشاط.

وهنا تخدم الشراكة مع القطاع الخاص هدفين متوازيين هما تسريع الاستثمار في الأصول التي يحتاجها الاقتصاد، والحفاظ في الوقت نفسه على مرونة الموارد العامة.

تملك أبوظبي قدرة مالية كبيرة واحتياطيات سيادية ضخمة، لكنها تستخدم هذه القوة بطريقة أكثر انتقائية. فهي لا تعتمد على التمويل الخاص لأنها مضطرة، وإنما لأنها تريد توزيع رأس المال والمخاطر والخبرات بطريقة ترفع كفاءة التنفيذ وتحافظ على الموارد السيادية للاستثمارات الأكثر استراتيجية.

وهذه نقطة أساسية في فهم البرنامج. فالشراكات بين القطاعين العام والخاص ليست خصخصة مقنعة للبنية التحتية، وليست انسحاباً للدولة من دورها. يقوم النموذج الأفضل منها على دولة أكثر قدرة على التخطيط والتنظيم والمراقبة، وقطاع خاص يتحمل جزءاً من التمويل والتنفيذ والتشغيل وفق عقود واضحة.

في التجارب الناجحة، تبقى الحكومة صاحبة الرؤية والمعايير والمساءلة، بينما يدخل المستثمرون والمقاولون والممولون لإدارة مخاطر محددة يستطيعون تسعيرها وتحملها. لذلك، ستكون جودة العقود وتوزيع المخاطر والشفافية أهم من قيمة البرنامج نفسها.

تخفيف عبء الميزانية وتحسين تخصيص المخاطر

من زاوية مالية، يخفف النموذج الضغط المباشر على الميزانية في فترة البناء. فبدلاً من أن تدفع الحكومة كامل كلفة المشروع مقدماً عبر الإنفاق الرأسمالي التقليدي، يقوم الرعاة والمقرضون بتمويل جزء كبير من الإنشاء، ثم يحصلون على مدفوعات طويلة الأجل مرتبطة بتوافر الخدمة وجودة الأداء.

هذا يحول جزءاً من الكلفة إلى التزامات سنوية قابلة للتوقع والإدارة. غير أن هذه الميزة تحمل معها تحدياً معروفاً في تجارب الشراكة عالمياً هو أن الالتزامات المؤجلة تبقى التزامات عامة حتى عندما لا تظهر بالشكل نفسه في الميزانية. ولذلك، يحتاج نجاح البرنامج عادة إلى إفصاح مالي واضح، وتقييم دقيق للقيمة مقابل المال، وقدرة مؤسسية عالية على إدارة العقود طوال عمرها.

تتمتع أبوظبي بميزة مهمة في هذا المجال، وهي أنها لا تبدأ من الصفر. قانون الشراكة في الإمارة منذ 2019 أعطى إطاراً مؤسسياً لدور مكتب أبوظبي للاستثمار في الموافقة والطرح والإشراف على المشاريع.

كما أن سجل الإمارة في مشاريع المياه والكهرباء وفر للمستثمرين نموذجاً مألوفاً يقوم على أطراف مقابلة قوية، عقود طويلة، آليات دفع واضحة، وتوزيع مفهوم للمخاطر. تساعد هذه الخبرة على خفض كلفة التعلُم وترفع قابلية المشاريع للتمويل، خاصة عندما تدخل قطاعات جديدة تحتاج إلى بناء سوابق تعاقدية.

اختبار التوسع خارج قطاعات المرافق

يمثل توسيع نموذج الشراكة خارج قطاعات المرافق خطوة طبيعية في تطور تجربة أبوظبي، ويفتح في الوقت نفسه مرحلة أكثر تنوعاً من حيث طبيعة المشاريع وآليات تنفيذها وتمويلها. فمشاريع الطرق والأنفاق والتقاطعات تختلف في خصائصها التشغيلية والتمويلية عن محطات الكهرباء والمياه.  كما أن مشاريع المدارس والمرافق الصحية والرياضية تختلف عن مشاريع تصريف الأمطار والسدود.

لكل فئة من هذه الأصول نمط خاص من المخاطر، يتصل بالبناء والتشغيل والطلب والصيانة وتطور المعايير الخدمية على مدى زمني طويل.

وتزداد قابلية هذه المشاريع للتمويل عندما تكون المخاطر محددة بوضوح، وموزعة بطريقة متوازنة بين القطاع العام والقطاع الخاص، وقابلة للتسعير ضمن عقود طويلة الأجل. فوضوح المسؤوليات وآليات الدفع ومعايير الأداء يساعد على خفض كلفة رأس المال، ويعزز ثقة المستثمرين والممولين، ويدعم الحصول على عروض تنافسية ذات جودة أعلى.

لذلك، ستكون مرحلة الطرح والتسلسل من العوامل المهمة في نجاح البرنامج. فقد أعلنت أبوظبي عن 24 مشروعاً خلال عامين، وهو ما يمنح البرنامج زخماً كبيراً، ويستدعي في الوقت نفسه إدارة دقيقة لقدرة السوق على الاستيعاب، سواء لدى المقاولين أو المستشارين أو المصارف أو الجهات الحكومية المعنية بالتنفيذ والإشراف.

وسيساعد توفير القدرة التنفيذية والهندسية والتمويلية الكافية على تحويل هذا الزخم إلى دورة مشاريع منظمة وفعالة. كما أن الطرح المتدرج، وتحديد الأولويات بوضوح، وإتاحة الوقت الكافي للمستثمرين لدراسة المخاطر وبناء التحالفات، ستشكل عناصر مهمة لحماية المنافسة، وتحسين جودة العروض، وضمان تنفيذ المشاريع ضمن أطر زمنية ومالية منضبطة.

وتملك أبوظبي خبرة واسعة في تنفيذ المشاريع الكبرى والمعقدة في قطاعات متعددة، إلى جانب أطر مؤسسية ومالية متقدمة، ما يمنحها قاعدة قوية للتعامل مع متطلبات هذا التوسع وتحقيق النتائج المرجوة من البرنامج.

تفاعل المحركات الاقتصادية في أبوظبي

ينبغي النظر إلى البرنامج أيضاً ضمن صورة أوسع للاقتصاد الذي تبنيه أبوظبي. فالإمارة لا تتحرك عبر محرك واحد، وإنما عبر تفاعل متزايد بين عدة محركات أهمها الطاقة، الصناعة، التمويل، التكنولوجيا، التجارة، العقار، البنية التحتية، الصناديق السيادية، والمواهب.

تستهدف استراتيجية أبوظبي الصناعية مضاعفة حجم القطاع الصناعي إلى 172 مليار درهم بحلول 2031، وزيادة الصادرات غير النفطية، وخلق وظائف نوعية. ويحتاج هذا الهدف إلى موانئ وطرق ومناطق لوجستية وطاقة موثوقة وخدمات حضرية عالية الكفاءة. كما أن صعود أبوظبي كمركز مالي من خلال "أبوظبي العالمي" يحتاج إلى أصول استثمارية محلية قابلة للتمويل والتوريق وإعادة التمويل، بحيث تتحول البنية التحتية إلى فئة أصول تجذب صناديق التقاعد والتأمين ومديري الأصول والمستثمرين السياديين.

تظهر أهمية هذا الترابط في توقيت البرنامج. فاقتصاد أبوظبي غير النفطي يواصل توسيع مساهمته في الناتج، والقطاعات غير النفطية أصبحت تمثل أكثر من نصف الناتج المحلي في بعض الفترات الحديثة.

هذا التحول يحتاج إلى بنية تحتية تتقدم على الطلب بدلاً من أن تلحق به. المدن التي تطمح إلى جذب الشركات العالمية والمواهب ورأس المال طويل الأجل لا تكتفي بالحوافز الضريبية أو المناطق الحرة. هي تحتاج إلى جودة حركة، جودة سكن، جودة تعليم، جودة صحة، جودة خدمات، وقدرة على الصمود أمام المخاطر المناخية والجيوسياسية والتشغيلية. برنامج الشراكة يلامس هذه العناصر جميعاً.

من تمويل المشاريع إلى تعميق سوق رأس المال

كما أن البرنامج يساعد على تعميق سوق التمويل المحلي والإقليمي. فمشاريع الشراكة الكبيرة تخلق طلباً على تمويل المشاريع، وترتيبات الدين طويل الأجل، وإعادة التمويل عبر أسواق رأس المال، وربما أدوات مرتبطة بالاستدامة أو البنية التحتية الخضراء في مراحل لاحقة. ومع توسع قاعدة الأصول، يمكن لأبوظبي أن تطور سوقاً أكثر عمقاً لتمويل البنية التحتية، تستفيد منه المصارف المحلية، والمستثمرون المؤسسيون، ومديرو الأصول في "أبوظبي العالمي". هذا مهم لأنه يحول جزءاً من التنمية من إنفاق حكومي مباشر إلى منظومة مالية واستثمارية متكاملة.

متطلبات التنفيذ وإدارة المخاطر

يحمل البرنامج طموحاً كبيراً، ويتطلب في المقابل إدارة دقيقة لجوانب التنفيذ والتمويل والمتابعة طويلة الأجل. فنجاح الشراكات بين القطاعين العام والخاص يرتبط بقدرتها على تحسين كفاءة الإنفاق وجودة الأصول والخدمات، مع الحفاظ على وضوح الالتزامات المالية المستقبلية ضمن إطار منضبط وشفاف.

وتبرز في هذا السياق أهمية التوازن في توزيع المخاطر بين القطاعين العام والخاص، بحيث يتحمل كل طرف المخاطر التي يستطيع إدارتها وتسعيرها بكفاءة. فكلما كانت العقود واضحة في تحديد المسؤوليات وآليات الدفع ومعايير الأداء، زادت قدرة المشاريع على جذب عروض تنافسية وتمويل طويل الأجل بكلفة مناسبة.

كما تمثل المتابعة بعد توقيع العقود عنصراً أساسياً في نجاح البرنامج، لأن قيمة الشراكات تظهر على مدى سنوات التشغيل والصيانة وجودة الخدمة، وليس عند إنجاز البناء وحده.

وتكتسب المنافسة كذلك أهمية خاصة مع اتساع حجم البرنامج وتنوع مشاريعه، بما يساعد على توسيع قاعدة المقاولين والممولين والمشغلين، وتحقيق أفضل قيمة ممكنة من السوق.

لا تقلل هذه المتطلبات من أهمية البرنامج، وإنما تحدد الشروط العملية لتعظيم أثره. وتملك أبوظبي من الخبرة المؤسسية والمالية والتنفيذية ما يؤهلها لإدارة هذه الجوانب بكفاءة، وتحويل البرنامج إلى منصة أوسع لتطوير البنية التحتية وتعزيز مساهمة القطاع الخاص في الاقتصاد.

 رسم ملامح علاقة جديدة بين الدولة والسوق

يقود التقييم الأعمق للبرنامج يقود إلى خلاصة واضحة مفادها أن  أبوظبي تستخدم الشراكة كأداة لإعادة هندسة العلاقة بين الدولة والسوق داخل مشروع التنويع. الدولة تبقى صاحبة الميزانية والرؤية والسيادة التنظيمية، لكنها تفتح مساحة أوسع لرأس المال الخاص كي يشارك في بناء الأصول التي يحتاجها الاقتصاد الجديد.

تنسجم هذه المقاربة مع نموذج أبوظبي الأوسع، حيث تتقاطع قوة الصناديق السيادية مع سياسة صناعية نشطة، ومركز مالي صاعد، واستثمارات في التكنولوجيا والطاقة والبنية التحتية.

ينتظر أن يصبح البرنامج نقطة تحول في سوق البنية التحتية الخليجية. فهو يقدم نموذجاً لإمارة غنية بالموارد تستخدم ثروتها لا لإلغاء دور رأس المال الخاص، وإنما لجذبه وتنظيمه وتوجيهه نحو أولويات تنموية.

لا تكمن أهمية برنامج الـ55 مليار درهم في عدد الطرق والمدارس والمرافق التي سيبنيها بقدر ما تكمن في الإشارة التي يرسلها وهي أن اقتصاد أبوظبي المقبل يبنى عبر شبكة مترابطة من الدولة والمستثمرين والمؤسسات المالية والقطاعات الإنتاجية، حيث تصبح البنية التحتية منصة للنمو، وجاذبية المدينة، ومرونة الاقتصاد، ومكانة الإمارة في خريطة رأس المال العالمي.