37 % من اللبنانيين
يرغبون في الهجرة
نزيف الشباب والكفاءات يعمّق الأزمة

19.06.2026
Twitter icon
Facebook icon
LinkedIn icon
e-mail icon
شارك هذه الصفحة مع آخرين
Print Friendly, PDF & Email

أصدر المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات تقدير موقف بعنوان "كلفة الحرب والأزمات على لبنان: واحد من كل ثلاثة لبنانيين يرغب في الهجرة". وكشف الاستطلاع عن مؤشرات مقلقة بشأن مستقبل التركيبة السكانية في لبنان، إذ أظهرت نتائجه أن 37  في المئة من اللبنانيين يرغبون في الهجرة والاستقرار في الخارج، وهي نسبة تُعد من أعلى معدلات الرغبة في الهجرة عالميًا. ولا تعكس هذه النسبة المرتفعة حالة الغضب الراهنة فحسب، بل تشير أيضًا إلى عمق أزمة الثقة بالمستقبل وتزايد الشعور بعدم اليقين في ظل الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية الصعبة التي يمر بها لبنان.

الشباب والكفاءات في دائرة الاستنزاف

تتركز الرغبة في الهجرة بشكل لافت لدى الفئات الشابة والناشطة اقتصاديًا، التي تمثل الرأسمال البشري والقوة المنتجة في المجتمع. فقد سجلت الفئة العمرية (18-24  سنة) نسبة رغبة بلغت 37.2  في المئة، تلتها الفئة العمرية (25-34  سنة) بنسبة 32.7  في المئة) . وبالمقابل، تراجعت هذه النسبة تدريجيًا مع التقدم في العمر، لتصل إلى 28.3  في المئة لدى الفئة العمرية ( 45-54  سنة)، و17.7 في المئة لدى الفئة العمرية ((55-64 سنة)و17 في المئة لمن هم فوق 65 سنة). ويعني هذا التوزيع العمري أن الهجرة تستنزف الطاقات الشابة التي يفترض بها قيادة مرحلة التعافي والإعمار.

وعلى صعيد المستوى التعليمي، أظهرت البيانات أن الميل إلى الهجرة ليس حكرًا على الأقل تعليمًا، بل يمتد ليشمل الفئات المتعلمة، ما ينذر بهجرة عقول وكفاءات. فقد بلغت نسبة الراغبين في الهجرة بين حملة شهادة الماجستير 36.2  في المئة، تلاهم أصحاب التعليم المهني بنسبة 35.6  في المئة، وحملة الإجازة الجامعية بنسبة 32.6  في المئة. في المقابل، سجل أصحاب التعليم الثانوي نسبة 26.5  في المئة، بينما بلغت النسبة لدى من هم أقل من الثانوي 31.4  في المئة، وحملة الدكتوراه 20.5  في المئة.

ظاهرة وطنية عابرة للطوائف

فيما يتعلق بالتوزيع بين الجنسين، أظهرت النتائج تباينًا محدودًا، مع ارتفاع ملحوظ في اتجاه الإناث نحو الهجرة مقارنة بالسنوات الماضية. فقد أبدى 34.4 في المئة من الذكور المستطلعين رغبتهم في الهجرة، مقابل 28.6 في المئة من الإناث.

أما على صعيد الطوائف، كشفت نتائج الاستطلاع أن الرغبة في الهجرة لم تعد مرتبطة بطائفة أو فئة اجتماعية محددة، بل أصبحت ظاهرة وطنية تعكس أزمة ثقة عميقة بالمستقبل. كما أظهرت النتائج ارتفاع نسب الراغبين في الهجرة بين الطوائف الإسلامية، ولا سيما السنّة 38.5 في المئة ، يليهم الشيعة 32.3 في المئة والدروز  26.9 في المئة، مقابل نحو 25.9  في المئة لدى المسيحيين. ويؤكد ذلك أن الهجرة لم تعد مرتبطة تاريخيًا بفئة محددة، بل أصبحت اتجاهًا عابرًا للطوائف والانتماءات الاجتماعية، بما يستدعي تحركًا وطنيًا شاملًا لمعالجة الأسباب البنيوية للأزمة.

فجوة بين الرغبة والسعي الفعلي

رغم ارتفاع نسب الرغبة في الهجرة، فإن الفجوة بين الرغبة والسعي العملي تبقى كبيرة. فقد أفاد 9.3  في المئة فقط من المستطلعين بأنهم سعوا فعليًا للهجرة خلال الأشهر الستة الماضية، مقابل 90.7  في المئة لم يتخذوا أي خطوة عملية. ويفسر التقرير هذه الفجوة بوجود "مخزون هجرة" كبير، أي أعداد واسعة جاهزة للمغادرة بانتظار توفر الفرص، ما قد يحول هذا الميل الصامت إلى موجة خروج فعلية واسعة إذا تحسنت الظروف المالية أو الأمنية.

أوروبا تتصدر الوجهات المفضلة

تُظهر خريطة الوجهات المفضلة لدى اللبنانيين الراغبين في الهجرة استمرار جاذبية الغرب، مع تصدّر أوروبا كوجهة أولى بنسبة 38.1 في المئة، تليها الولايات المتحدة وكندا بنسبة 20.5 في المئة، ثم دول الخليج العربي بنسبة 18.6 في المئة، وأفريقيا بنسبة 6.8 في المئة. وتعكس هذه الأرقام تحولًا في أنماط الهجرة اللبنانية، حيث لم تعد الوجهات التقليدية البعيدة، ولا سيما الولايات المتحدة وكندا، تحتل الموقع الأول لدى الأجيال الجديدة.

ويظهر هذا التحول بوضوح لدى الشباب دون 25 عامًا، إذ جاءت أوروبا في المرتبة الأولى بنسبة 36.9 في المئة، تلتها دول الخليج العربي بنسبة 25 في المئة، مقابل 16.3 في المئة فقط للولايات المتحدة وكندا. في المقابل، ترتفع جاذبية الولايات المتحدة وكندا لدى الفئات الأكبر سنًا (فوق 65 عامًا) لتصل إلى 43.5 في المئة.

وعلى المستوى الطائفي، تحافظ أوروبا على موقعها كخيار أول لدى مختلف الفئات، إذ اختارها 43.1 في المئة من الشيعة، و35.7 في المئة من السنّة، و33.8 في المئة من المسيحيين. بينما تظهر فروق في الوجهات البديلة، حيث يزداد تفضيل الولايات المتحدة وكندا لدى المسيحيين ( 27.1 في المئة)، ودول الخليج العربي لدى السنّة  (24.4  في المئة)، وأفريقيا لدى الشيعة( 13.1 في المئة).

وتشير هذه المعطيات إلى أن خريطة الهجرة اللبنانية تشهد إعادة تشكيل، إذ أصبحت أوروبا ودول الخليج أكثر حضورًا في تطلعات الشباب باعتبارهما وجهتين توفران فرصًا مهنية وتعليمية واستقرارًا طويل الأمد، فيما تتراجع تدريجيًا جاذبية الوجهات البعيدة التي ارتبطت تاريخيًا بموجات الهجرة اللبنانية السابقة.

الهجرة نتيجة تراكم الأزمات

تأتي الرغبة المرتفعة في الهجرة في سياق موجة هجرة متصاعدة شهدها لبنان منذ عام 2019 نتيجة تراكم الأزمات الاقتصادية والمالية والاجتماعية، من انهيار سعر صرف الليرة وتراجع القدرة الشرائية إلى تدهور الخدمات العامة، وجائحة كورونا، وانفجار مرفأ بيروت، والحروب المتلاحقة. وقد تحولت الهجرة إلى إحدى أبرز الاستجابات الاجتماعية لهذه الضغوط المتراكمة.

وتشير البيانات إلى ارتفاع غير مسبوق في أعداد المغادرين، إذ غادر نحو 215,653 لبنانيًا البلاد بين عامي 2017 و2021، مع قفزة كبيرة في عام 2021 بلغت 79,134 مغادرًا مقارنة بـ 17,721 في عام 2020، أي بزيادة قدرها 346 في المئة. كما تضاعف متوسط الخروج السنوي من نحو 25 ألف شخص بين 1997 و2018 إلى نحو 78 ألف شخص بين 2018 و2023، ما يعكس تحول الهجرة إلى ظاهرة ديموغرافية مستمرة وليست موجة ظرفية مؤقتة.

كما ساهمت التطورات الأمنية الأخيرة، ولا سيما الحرب منذ خريف 2024، في تعزيز حركة المغادرة، حيث رصدت المنظمة الدولية للهجرة اتساعًا في حركة خروج اللبنانيين، وتشير قراءة بيانات حركة الحدود بين 23 أيلول 2024 و2026 إلى أن نحو 242 ألف لبناني غادروا ولم يعودوا خلال هذه الفترة.

استنزاف استراتيجي للبنان

تكشف هذه المعطيات أن الهجرة في لبنان لم تعد مجرد خيار فردي أو استجابة مؤقتة للأزمات، بل أصبحت مؤشرًا على أزمة أعمق تمس قدرة الدولة على الاحتفاظ بطاقاتها البشرية وبناء مستقبل اقتصادي واجتماعي مستدام. فقد أدت السنوات الأخيرة إلى استنزاف متزايد للفئات الشابة والكفاءات والقدرات الإنتاجية، فيما يشير استمرار رغبة قسم كبير من المقيمين في المغادرة إلى أن أسباب الهجرة ما تزال قائمة ولم تتم معالجتها جذريًا.

وعليه، يقف لبنان أمام تحدٍ استراتيجي يتمثل في خطر تحول الهجرة إلى مسار دائم لفقدان رأس المال البشري، بما يحمله ذلك من تداعيات على النمو الاقتصادي، وسوق العمل، والتوازنات الديموغرافية والاجتماعية. لذلك، فإن الحد من هذا النزيف لا يتطلب فقط معالجة الظروف الآنية، بل يستدعي استعادة الثقة بالمستقبل وخلق بيئة قادرة على توفير فرص العمل والاستقرار للشباب اللبناني داخل الوطن.