من الحرب إلى إدارة المخاطر:
مذكرة هرمز بين النفط والنووي
ولبنان وأمن الخليج

19.06.2026
Twitter icon
Facebook icon
LinkedIn icon
e-mail icon
شارك هذه الصفحة مع آخرين
Print Friendly, PDF & Email

بقلم: د. خالد عيتاني*

لم تكن مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران نهاية حرب بالمعنى التاريخي، ولا إعلان سلام بالمعنى السياسي العميق، بل وثيقة اضطرار استراتيجي فرضها النفط بقدر ما فرضتها الدبلوماسية، وكتبها مضيق هرمز بقدر ما كتبتها واشنطن وطهران. فالوثيقة، كما عرضتها Reuters وThe National وAl Arabiya  ووسائل غربية وخليجية أخرى، تقوم على وقف العمليات العسكرية، بما في ذلك لبنان، واحترام السيادة، وفتح مهلة تفاوضية من ستين يومًا، ورفع الحصار البحري عن إيران خلال ثلاثين يومًا، وضمان المرور التجاري عبر هرمز، وفتح مسار لإنهاء العقوبات، ومعالجة الملف النووي تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وإطلاق الأموال المجمدة، والحديث عن خطة إعادة إعمار وتنمية لا تقل عن 300 مليار دولار، ثم اعتماد الاتفاق النهائي بقرار ملزم من مجلس الأمن. هذه ليست تفاصيل تقنية؛ إنها خريطة سياسية–اقتصادية جديدة للمنطقة.

قوة المذكرة أنها أوقفت الحرب. وخطورتها أنها لم تُنهِ أسبابها. فهي لم تحسم الملف النووي نهائيًا، ولم تُدخل الصواريخ الباليستية وشبكة الوكلاء في صلب الحل، ولم تمنح لبنان ضمانة سيادية واضحة بقدر ما جعلته بندًا داخل تفاوض أميركي–إيراني. من هنا، فإن السؤال الأهم ليس: لماذا وقّع ترامب فقط؟ بل ماذا وقّع فعلًا؟ ومن يملك القدرة على تحويل الستين يومًا المقبلة إلى اتفاق نهائي لا إلى استراحة قصيرة بين حربين؟

في القراءة الغربية، بدت Reuters أكثر تركيزًا على البنية التنفيذية للاتفاق: وقف الحرب، مهلة الستين يومًا، رفع الحصار، فتح هرمز، ولبنان. أما The Guardian فذهبت إلى المعنى السياسي: واشنطن تراجعت عن سقوف أعلى، خصوصًا في الملف النووي، حيث لم يعد المطلوب تفكيكًا كاملًا وفوريًا بقدر ما أصبح تفاوضًا على التخفيض والرقابة. هنا تصبح الوكالة الدولية للطاقة الذرية عنصرًا حاسمًا: فإذا بقي دورها تقنيًا محدودًا، تحوّل التعهد النووي إلى عبارة سياسية؛ وإذا مُنحت رقابة صارمة، أصبح الاتفاق قابلًا للتحقق لا مجرد وعد. Financial Times توقفت عند سؤال الـ300 مليار: هل هي صندوق استثماري مشروط، أم تعويض غير مباشر، أم إطار تمويل لا تدفعه الخزانة الأميركية وحدها؟ أما Washington Post وWall Street Journal فركّزتا على المأزق الأميركي الداخلي: الاتفاق يوقف الحرب، لكنه يفتح معركة سياسية حول ما إذا كان ترامب قد قيّد إيران أم منحها مخرجًا اقتصاديًا.

السبب الأول الذي دفع ترامب إلى المذكرة هو النفط. لم تعد الحرب مع إيران حرب مواقع ومنشآت فقط، بل تحولت إلى حرب أسعار. مضيق هرمز ليس ممرًا بحريًا عاديًا؛ إنه شريان تمر عبره نسبة ضخمة من تجارة النفط العالمية، وقد قدّرت بيانات الطاقة الأميركية تدفقاته في 2024 بنحو 20 مليون برميل يوميًا، أي ما يقارب خمس استهلاك السوائل النفطية عالميًا. عندما يضطرب هرمز، لا تتأثر إيران وأميركا فقط؛ تتأثر الصين والهند واليابان وكوريا، وتتأثر صادرات الخليج، وتتأثر محطات الوقود الأميركية. لذلك لم يكن هرمز بندًا في الاتفاق، بل كان قلب الاتفاق.

ترامب لم يذهب إلى المذكرة لأنه وثق بإيران، بل لأنه أراد منع الحرب من التحول إلى عبء انتخابي واقتصادي. ارتفاع النفط يعني ارتفاع البنزين، وارتفاع البنزين يعني ضغطًا على الناخب، وعلى التضخم، وعلى الأسواق، وعلى الاحتياطي الفيدرالي. في السياسة الأميركية، قد لا تسقط الحرب في الجبهة؛ قد تسقط في محطة الوقود. لذلك حاول ترامب أن يبيع الاتفاق كـ“نصر”: فتح هرمز، خفض المخاطر، تهدئة الأسواق، ووقف الحرب. لكنه في العمق كان يدير كلفة حرب بات استمرارها أخطر من وقفها.

غير أن الداخل الأميركي لا يقتصر على الناخب والأسواق. فالمعركة الثانية ستكون في واشنطن نفسها: داخل الكونغرس، والحزب الجمهوري، والمؤسسة الأمنية. فإذا بدا الاتفاق كأنه يفرج عن أموال إيرانية أو يسمح بعودة النفط الإيراني أو يؤجل النووي دون ضمانات، فسيصبح مادة صراع داخلي. والأهم أن الكونغرس يستطيع تعطيل أو تقييد بعض مسارات رفع العقوبات والتمويل والرقابة، ما يجعل الاتفاق محتاجًا إلى شرعية داخلية لا تقل أهمية عن توقيعه الخارجي. لذلك سيحتاج ترامب إلى لغة مزدوجة: اتفاق للتهدئة في الخارج، وخطاب تشدد للاستهلاك الداخلي.

أما الخليج، كما عكسته The National وGulf News وAsharq Al-Awsat وAl Arabiya، فقرأ الاتفاق بقلق مزدوج: ارتياح لفتح هرمز ووقف الحرب، وخوف من أن تتحول إعادة تأهيل إيران اقتصاديًا إلى إعادة تمويل لنفوذها. الخليج لا يريد حربًا مفتوحة مع إيران على حدوده ومياهه ومنشآته، لكنه لا يريد أيضًا إيران أقوى بأموال جديدة وقيود أقل. غير أن الخليج ليس كتلة واحدة؛ فعُمان ترى في الاتفاق امتدادًا لدورها الوسيط، وقطر قناة اتصال، والسعودية تنظر إليه من زاوية حماية الاستقرار ورؤية 2030، والإمارات من زاوية الموانئ والتجارة، والكويت بحساسية أمنية وجغرافية أعلى.

هنا يجب التمييز بين ثلاثة مسارات مالية لا يجوز خلطها: الأموال الإيرانية المجمدة، وهي أصول قائمة تطالب طهران بالوصول إليها؛ إعفاءات تصدير النفط، وهي باب لتدفق دخل جديد؛ وصندوق الـ300 مليار، وهو إطار سياسي–استثماري لإعادة الإعمار والتنمية. الخلط بين هذه المسارات يضعف القراءة الاقتصادية. فالأموال المجمدة قد تمنح إيران سيولة سريعة، والنفط يمنحها دخلًا مستمرًا، أما الـ300 مليار فهي سؤال سياسي قبل أن تكون خطة مالية: هل هي صندوق استثماري؟ قروض؟ ضمانات؟ تعويض غير مباشر؟ أموال خليجية؟ ومن يراقب استخدامها؟ إيران تراه حقًا في التنمية، الخليج يخشى أن يكون فاتورة سياسية، إسرائيل تراه وقودًا لإعادة بناء القوة الإيرانية، وواشنطن تحاول تقديمه كحافز مشروط لا كتنازل مباشر.

الصين حضرت بصمت السوق لا بضجيج البيانات. فهي من أكبر المستفيدين من النفط الإيراني واستقرار هرمز، ومن أكثر المتضررين من اضطراب الطاقة. لم تكن بكين جالسة مباشرة على الطاولة، لكنها كانت حاضرة في ناقلات النفط وفي معادلة الطلب العالمي. أما روسيا فدورها أكثر التباسًا؛ فهي تريد بقاء إيران ضمن هامشها الاستراتيجي، لكنها لا تخسر دائمًا من التوتر وارتفاع أسعار النفط وتشتيت الضغط الأميركي عن أوكرانيا. لذلك موسكو لا تدفع بالضرورة نحو سلام كامل، بل نحو توازن يبقيها داخل اللعبة.

إيرانيًا، قدّمت Press TV وTehran Times وMehr News الاتفاق بوصفه اعترافًا بقوة إيران لا تنازلًا منها. في هذه الرواية، طهران لم تُهزم، بل صمدت حتى اضطر الخصم إلى التفاوض معها. لكن هذه القراءة لا تلغي أن إيران تحتاج إلى بيع النفط، ورفع العقوبات، والأموال المجمدة، وإعادة الإعمار. الاتفاق إذن ليس انتصارًا كاملًا ولا استسلامًا؛ إنه مقايضة بين ضغط أميركي لم يحقق حسمًا، وصمود إيراني لا يستطيع الاستمرار بلا أوكسجين اقتصادي.

إسرائيليًا، جاءت القراءة الأكثر قلقًا. Times of Israel وJerusalem Post وHaaretz وYnet رأت أن الاتفاق لا يحسم النووي، ولا يعالج الصواريخ والوكلاء، وقد يقيّد حرية إسرائيل في لبنان. الأخطر بالنسبة إلى تل أبيب أن واشنطن بدت وكأنها انتقلت من إدارة الحرب مع إسرائيل إلى إدارة التهدئة رغم إسرائيل. ترامب لا يتخلى عن أمن إسرائيل، لكنه يضع فوق الطاولة أولوية أخرى: النفط، الاقتصاد، والناخب الأميركي. لذلك تخشى إسرائيل أن تحصل إيران على الوقت والمال والشرعية قبل تفكيك مصادر الخطر.

وهنا يدخل لبنان إلى قلب المسألة. فالمذكرة تتحدث عن وقف الحرب واحترام سيادة لبنان، لكنها لا تحدد من يضمن ذلك. هل تلتزم إسرائيل؟ هل تضبط إيران حزب الله؟ هل الدولة اللبنانية طرف مقرر أم ساحة مذكورة في اتفاق الآخرين؟ حزب الله هو الثغرة التنفيذية الأخطر. فأي اغتيال، أو رد صاروخي، أو عملية إسرائيلية واسعة، قد يحول لبنان من بند في المذكرة إلى أداة تفجير لها. لذلك على لبنان أن يحوّل ذكره في الاتفاق إلى مطلب دولي لتثبيت السيادة، وتفعيل القرار 1701، وحصر قرار الحرب والسلم بالدولة، وإلا سيبقى عنوانًا جميلًا في نص لا يملك أدوات تنفيذه.

اقتصاديًا، لا يكفي أن تعود إيران إلى بيع النفط كي تعود فعلًا إلى السوق. فالعقوبات الثانوية الأميركية صنعت خوفًا عميقًا لدى البنوك وشركات التأمين والطاقة والشحن. حتى لو صدرت إعفاءات، ستسأل الشركات: هل هي دائمة؟ هل يعرقلها الكونغرس؟ هل يعاقَب من تعامل مع إيران لاحقًا؟ لذلك رفع العقوبات قانونيًا شيء، وعودة الثقة التجارية شيء آخر. كذلك فإن عودة النفط الإيراني قد تخفض الأسعار وتخدم الصين والهند، لكنها قد تخلق حسابات جديدة داخل أوبك+ وبين المنتجين الخليجيين وروسيا. وفتح هرمز لا يعني النفط فقط، بل التأمين البحري، الشحن، الغاز المسال، وسلاسل التوريد.

السيناريو الأكثر احتمالًا ليس سلامًا كاملًا ولا انهيارًا فوريًا، بل اتفاق ناقص يدير الأزمة ولا يحلها. تحصل إيران على بعض النفط والمال والوقت، تحصل واشنطن على فتح هرمز وانخفاض المخاطر وتعهد نووي عام، يحصل الخليج على تهدئة مؤقتة، وتبقى إسرائيل قلقة من أن التهديد لم يُفكك. هذا هو أخطر أنواع الاستقرار: هدوء فوق قنبلة مؤجلة. وإذا أُقر الاتفاق النهائي في مجلس الأمن، فسيحصل على غطاء قانوني دولي؛ أما إذا بقي تفاهمًا سياسيًا بلا تثبيت أممي وآليات رقابة، فسيسهل خرقه أو الالتفاف عليه.

في المحصلة، لم يذهب ترامب إلى المذكرة لأن الحرب انتهت سياسيًا، بل لأن استمرارها أصبح أعلى كلفة من وقفها. ضغط هرمز على النفط، وضغط النفط على الناخب الأميركي، وضغط الخليج خوفًا من انتقال النار، وضغطت الصين بصمت السوق، وناورت روسيا في الخلفية، فيما أدركت واشنطن أن الحسم العسكري الكامل لن يأتي سريعًا ولا رخيصًا. هذه ليست مذكرة ثقة؛ إنها مذكرة ضرورة. أوقفت الحرب، لكنها لم تُنهِ الصراع. وما ستقرره الستون يومًا المقبلة لن يكون مصير العلاقة بين واشنطن وطهران فقط، بل شكل الشرق الأوسط بين النفط والنووي ولبنان والخليج وإسرائيل.

اما الجملة الأخيرة في هذه المذكرة لم تُكتب بعد؛ ستكتبها أسعار النفط، وصواريخ الوكلاء، ومفاوضات النووي، ومياه هرمز، وحدود لبنان.

رئيس لجنة الطوارئ الاقتصادية*