وسيم منصور: Touch وAlfa في عين صندوق النقد:
حوكمة الشركات المملوكة من الدولة قبل أي تلزيم جديد

17.06.2026
Twitter icon
Facebook icon
LinkedIn icon
e-mail icon
شارك هذه الصفحة مع آخرين
Print Friendly, PDF & Email

كتب وسيم منصور. خبير الإتصالات، والمدير العام السابق لشركة "تاتش"، مقالاً في المذكرة القانونية، جاء فيه:

 نُشر تقرير لصندوق النقد الدولي حول الحوكمة والفساد في لبنان (المعروف بـ Diagnostic of Governance and Corruption ) في 1 حزيران 2026. وهو تقرير لا يجب التعامل معه كتشخيص عامّ فقط، بل كخريطة طريق عملية لإصلاحات عدة منها إصلاح عدد من المؤسسات والشركات المملوكة من الدولة، أو ما يعرف اختصاراً بالـ SOEs. ومن بين هذه الكيانات، يبرز قطاع الخليويّ تحديداً، لأنّ التقرير لا يكتفي، ضمن محوره المتعلّق بهذه الشركات، بالحديث العام عنها، بل يذكر Touch وAlfa  صراحةً كنموذج عن الخلل في الحوكمة.

وكان قد سبق لي أن نشرتُ ورقة "إصلاح حوكمة قطاع الخليوي في لبنان" في 14 آب 2025، بالتعاون مع منظمة “سمكس”، بعد نقاشات مع نواب وخبراء من بينهم النواب حليمة القعقور، بولا يعقوبيان، وياسين ياسين، و“المفكرة القانونية”. وتبنّاها النواب المشاركون، وجرى تسليمها إلى رئيس لجنة الإعلام والاتصالات النيابية، لإدراجها في المسار البرلماني المتعلق بإصلاح حوكمة القطاع.

من هنا، يهدف هذا المقال بالدرجة الأولى إلى بناء جسرٍ بين توصيّات صندوق النقد الدولي وورقة إصلاح حوكمة شركتي الخليوي، لإظهار أن إصلاح MIC1 و MIC2 ليس ملفاً قطاعياً منفصلاً، بل يشكل تطبيقاً عملياً ومباشراً لجزء أساسي من الإصلاحات البنيوية للدولة.

توصية صندوق النقد بإقرار قانون عام للشركات والمؤسسات المملوكة من الدولة

يضع تقرير صندوق النقد إصلاح الإطار القانوني للـSOEs  ضمن التوصيات البنيوية الأساسية، ولا يتعامل معه كإجراء إداري جزئي. فالمطلوب، بحسب التقرير، هو إقرار قانون عام وحديث يضع إطارًا موحّدًا للحوكمة، ويحدد بوضوح مبررات الملكية العامة، ويفصل بين دور الدولة كمالك، ودورها كمنظّم، ودورها كواضع للسياسات العامة  (تقرير صندوق النقد، ص.12، ص.45/البند 90، وص.47–48).

وتكمن أهميّة هذه التوصية في أنّها تنقل النقاش من معالجة كلّ مؤسسة على حدة إلى بناء قاعدة قانونيّة مشتركة، تحدّد قواعد التعيين وصلاحيات مجالس الإدارة ومسؤولية المديرين التنفيذيين أمام المجالس لا أمام السلطات السياسية ومعايير التقارير المالية والتدقيق والإفصاح ومنع تضارب المصالح وآليات الرقابة والمساءلة.

والمسؤولية هنا لا تقع فقط على السلطة التنفيذيّة، بل أيضًا على مجلس النواب، لأنّ الإصلاح البنيويّ المطلوب يحتاج إلى قانون عامّ يُقرّ في البرلمان، بالتّوازي مع دور مجلس الوزراء في تحضير المشروع ودفعه.

غير أنّ هذه التوصية لا تعني إبقاء الواقع القائم كما هو إلى حين صدور القانون. فالتقرير يعتمد مقاربة مرحليّة، تجمع بين الإصلاح التشريعي البنيوي وإجراءات فوريّة لتعزيز الشفافية والمساءلة في المؤسسات والشركات الكبرى المملوكة من الدولة (راجع أيضاً ص.45، البند 89). وبهذا يصبح المطلوب مسارين متوازيين لا متعارضين: مسار تشريعي يقوده مجلس النواب، ومسار تنفيذي تقوده الحكومة فوراً.

التشخيص العامّ لصندوق النقد لحوكمة الشركات والمؤسسات المملوكة من الدولة

بعد توصيّته بإقرار قانون عامّ، يُقدّم التقرير تشخيصاً واضحاً للخلل القائم. فالمشكلة، بحسب التقرير، ليست ضعفاً إدارياً عابراً، بل خللٌ بنيويّ ناتج عن إطار قانونيّ ومؤسسيّ مجزّأ، يضعف قدرة الدولة على ممارسة دورها كمالكٍ واعٍ ومهنيّ، ويفتح المجال أمام سوء الإدارة وتضارب الصلاحيات ومخاطر الفساد وتراجع الأداء المالي والتشغيلي (تقرير صندوق النقد، ص.41–44).

ويشير التقرير إلى أنّ هذه الكيانات تؤدّي دورًا مهمًا في الاقتصاد وفي تقديم خدمات عامّة أساسيّة، إلا أنّ ضعف الإشراف عليها ينعكس مباشرةً على المالية العامة وجودة الخدمات وثقة المواطنين. كما يلفت إلى أنّ الإطار القانونيّ الحالي لا يميّز بوضوح بين الكيانات التجارية وغير التجارية، رغم أن المؤسّسات ذات الطابع التجاري تحتاج إلى قواعد أكثر صرامة في المحاسبة والتقارير والتدقيق ومراقبة المخاطر.

ويُبرز التقرير أن تضخّم صلاحيات الوزارات القطاعية يضعف استقلاليّة مجالس الإدارة ويطمس خطوط المسؤولية. فأدوار الدولة كمالك، ومنظّم، وواضع للسياسات، وجهة رقابية، تتداخل في كثير من الحالات، بما يؤدّي إلى قرارات غير واضحة المسؤولية، ومجالس إدارة محدودة الفاعلية، وإدارات تنفيذية غير محمية من التدخل السياسي.

ذكر Touch وAlfa  كنموذج واضح للخلل في حوكمة الـ SOEs

ينتقل التقرير من التشخيص العام إلى مثال محدد، فيذكر شركتي Touch وAlfa بوصفهما شركتي اتصالات مملوكتين من الدولة وتُداران مباشرةً من وزير الاتصالات، خلافاً لمبادئ الحوكمة الجيدة للشركات المملوكة من الدولة (التقرير، ص.43).

وتكمن أهمية هذا المقطع في أن التقرير لا يكتفي بوصف الملكيّة العامّة للشركتين، بل يحدد جوهر الخلل الحوكمي: تركّز وظائف الملكية والرقابة وبعض صلاحيات مجلس الإدارة والإدارة التنفيذية في يد الجهة السياسية نفسها. ويشير التقرير إلى أنّ كل نفقة أو عملية أو عقد يتجاوز 50 ألف د.أ يحتاج إلى موافقة الوزير، وأن مجالس الإدارة تضم أعضاء تنفيذيين فقط وتؤدي دوراً أقرب إلى الدور البروتوكولي.

بهذا المعنى، تصبح مشكلة Touch وAlfa  مشكلة مؤسسية لا تشغيلية فقط. فهي لا تتعلق حصراً بالأداء المالي أو نوعية الخدمة، بل بنموذج إدارة يخلط بين الملكيّة والإدارة والرقابة، ويجعل المحاسبة غير واضحة: من يقرّر؟ من يُراقب؟ ومن يُحاسب؟

انطلاقاً من هذا التشخيص، لا يجوز التعامل مع أي تلزيم جديد لإدارة وتشغيل شركتي الخليوي كبديل عن إصلاح الحوكمة أو عن إقرار قانون جديد للـSOEs. فهذا النوع من العقود، بحدّ ذاته، لا يحلّ المشكلة البنيوية إذا بقيت قواعد الملكية، الرقابة، التعيينات، الإفصاح، والتدقيق خاضعة للغموض أو للتدخل السياسي.

فالهدف في قطاع حيوي كالخليوي يجب أن يكون تهيئته لتحرير منضبط وخلق منافسة فعليّة يستفيد منها المستخدمون، بما يفتح الباب لاحقاً أمام إدخال شريك استراتيجيّ يستثمر في شركاتٍ مصنّفة ومنظّمة وشفّافة، تخضع لمجلس إدارة فعلي، وتقارير منشورة، وتدقيق مستقل، ومؤشرات أداء واضحة. عندها فقط تصبح مشاركة القطاع الخاص أداة استثمار وتطوير، لا بديلاً عن الحوكمة.

التوصيات التنفيذية المرحلية قبل اكتمال الإصلاح التشريعي

كما ذُكر أعلاه، لا يجعل التقرير القانون العام شرطاً مسبقاً لكل تحرّك. وهو يؤكّد أن معالجة الخلل البنيوي يمكن أن تبدأ بإجراءات ضمن الصلاحيات القائمة، من دون انتظار تغيير الطبيعة القانونية لهذه الكيانات أو تحويلها إلى شركات وفق نموذج corporatization. وهذا مهم في الحالة اللبنانية، لأن انتظار الإصلاح التشريعي الشامل قد يؤدي عملياً إلى إبقاء الواقع القائم كما هو، فيما يتيح الإطار الحالي اتّخاذ خطوات أولية ولكن حاسمة.

وتشمل هذه الخطوات، بحسب التقرير: الجرد والتصنيف والفرز بين الكيانات التجارية وغير التجارية وتحسين التقارير المالية والشفافية واعتماد معايير عالية في المحاسبة والتدقيق والإفصاح ونشر معايير واضحة لتعيين أعضاء مجالس الإدارة على أساس الكفاءة والاستقلالية والنزاهة ووضع اتّفاقات أداء مع أكبر الشركات المملوكة من الدولة، تتضمن أهدافاً محددة، مؤشرات أداء، آليات تمويل، التزامات إفصاح، وموجبات شفافية استباقية. كما يشدد التقرير على إلزام كبار المديرين وأعضاء مجالس الإدارة بتقديم تصاريح الذمة والمصالح، ووضع خطة عمل شاملة للتطبيق التدريجي للقانون الجديد بعد إقراره.

نقاط التقاطع العملية بين توصيات الصندوق وورقة حوكمة الخليوي

يمكن قراءة ورقة إصلاح حوكمة شركتي الخليوي على ضوء تقرير صندوق النقد من ثلاث زوايا متكاملة: الإطار القانوني، والحوكمة المؤسسية، والشفافية والمساءلة.

على صعيد الإطار القانوني، يوصي صندوق النقد بإقرار قانون عامّ جديد للشركات والمؤسسات المملوكة من الدولة، يضع إطاراً موحّداً للملكية والحوكمة والرقابة. ولا تأتي ورقة حوكمة الخليوي بديلاً عن هذا القانون، بل تقترح إطاراً انتقالياً خاصاً بحوكمة MIC1 وMIC2، من خلال مشروع مرسوم تنظيمي قابل للتطبيق فوراً إلى حين إقرار القانون العام. وبهذا تُجسّد الورقة المقاربة المرحلية التي يدعو إليها التقرير نفسه: مسار تشريعي يقوده البرلمان، ومسار تنفيذي تباشره الحكومة من دون انتظار.

على صعيد الحوكمة المؤسسّية، يشدّد التقرير على ثلاثة عناصر مترابطة: فصل وظائف الدولة كمالك ومنظّم ومشرف وتمكين مجالس الإدارة واعتماد معايير شفافة لتعيين أعضائها وجعل النزاهة ومنع تضارب المصالح في صلب أيّ إصلاح. وتعالج الورقة هذه العناصر الثلاثة في آنٍ واحد: تحصر دور وزارة الاتصالات بالملكية والإشراف غير التشغيلي، وتقترح إنشاء مجلس إدارة فعليّ ومهنيّ يعيّن الإدارة التنفيذيّة ويراقب أداءها، مع فرض الإفصاح المُسبق وتصاريح المصالح ومدونة سلوك ملزمة لأعضاء المجالس والإدارة. وبذلك تنهي الخلط القائم اليوم بين الوزارة كمالك والوزارة كمشغّل ومراقب في الوقت نفسه.

على صعيد الشفافية والمساءلة، يدعو التقرير إلى ثلاث أدوات متكاملة: تحسين التقارير المالية والتشغيلية واعتماد مؤشّرات أداء قابلة للقياس وفرض تدقيق خارجيّ مستقلّ وموثوق ووضع اتّفاقات أداء مع أكبر الشركات المملوكة من الدولة. وتتبنّى الورقة هذه الأدوات الثلاث عبر إلزام الشركتين بنشر الموازنات والتقارير الدورية ومؤشرات الأداء، وفرض تدقيق خارجي مستقلّ ترسل نتائجه إلى الجهات الرقابية المختصة، واعتماد عقود إداريّة مرجعيّة تحدّد الأهداف والنتائج وموجبات الإفصاح والمساءلة. وبهذا تتحوّل العلاقة بين الدولة والشركتيْن من تدخّل إداريّ مباشر إلى علاقة قائمة على أهداف قابلة للقياس والمحاسبة.

وتتقاطع الورقة مع التقرير أيضاً في تحديد ما لا يُعدّ إصلاحاً: فمشاركة القطاع الخاصّ لا يجب أن تكون بديلاً عن بناء منظومة الحوكمة. وهناك فرق جوهريّ، في قطاع الخليويّ تحديداً، بين عقد إدارة يدخل في ظلّ غياب الإطار المؤسسي فيعيد إنتاج الخلل نفسه، وبين شريك استراتيجي يدخل بعد بناء إطار الحوكمة والتصنيف والشفافية، فيصبح أداة استثمار وتطوير حقيقية. وهذا التمييز ليس ترفاً نظرياً، بل شرط عملي لأي إصلاح قابل للاستدامة.

خلاصة

تقرير صندوق النقد لا يضع إصلاح الشركات المملوكة من الدولة في خانة التشخيص فقط، بل يفتح مسارين متوازيين: قانون عام للـ SOEs، وإجراءات تنفيذية فورية لتحسين الحوكمة والشفافية والمساءلة. وبما أن التقرير ذكر Touch وAlfa صراحةً، يصبح إصلاح حوكمة شركتي الخليوي اختباراً عملياً لجدية الحكومة في تطبيق هذه التوصيات.

فإذا أرادت الحكومة نتيجة سريعة وقابلة للقياس، فالبداية تكون من MIC1 وMIC2 عبر مرسوم تنظيمي واضح، بالتوازي مع إعداد قانون عام للشركات والمؤسسات المملوكة من الدولة.