لماذا تستمر حرب السودان رغم عبثيتها؟

17.06.2026
Twitter icon
Facebook icon
LinkedIn icon
e-mail icon
شارك هذه الصفحة مع آخرين
Print Friendly, PDF & Email

بروفيسور مكي مدني الشبيلي*

بعد أكثر من ثلاث سنين من الاحتراب تكبد السودان خسائر بشرية واقتصادية وإنسانية كارثية. فقد قُتل عشرات الآلاف، ونزح ولجأ الملايين، وتعرض الاقتصاد الوطني ومؤسسات الدولة والبنية الاجتماعية لتدمير شامل.

 ويتساءل الناس: إذا كانت هذه الحرب قد ألحقت هذا القدر من الضرر بالسودان والسودانيين، فلماذا لا تتوقف؟ فطالما ظل المتحاربون يعتقدون أن بإمكانهم تحقيق مكاسب عسكرية أو سياسية أو اقتصادية من استمرار القتال، فإن الحرب تظل خياراً مطروحاً لديهم مهما بلغت كلفتها الوطنية. ومع مرور الوقت، نشأت حول الحرب في السودان شبكات مصالح واقتصادات موازية تستفيد من استمرارها بصورة مباشرة أو غير مباشرة. وهنا صارت الحرب أكثر من مجرد مواجهة عسكرية؛ إذ تحولت إلى منظومة قائمة بذاتها يصعب تفكيكها دون معالجة جذور مصالحها.

وفي المقابل، يتحمل المدنيون العبء الأكبر للحرب. فهم الذين يفقدون الأمن والمأوى والتعليم والخدمات وسبل العيش، بينما تستمر الأطراف المتحاربة في حساب مكاسبها وخسائرها وفق معايير مختلفة. ولهذا فإن إنهاء الحرب لا يتحقق بالمناشدات الأخلاقية، ولا بمجرد التنديد بفظائعها، بل يتطلب تغيير المعادلة التي تجعل استمرارها ممكناً. ومن هنا فإن مفتاح السلام في السودان يتمثل في تجفيف مصادر اقتصاد الحرب، ووقف تدفقات التمويل والتسليح، ورفع كلفة استمرار القتال على جميع الأطراف، بالتوازي مع توفير مسارات آمنة وواقعية للخروج من الحرب. فالسلام لا يبدأ عندما يقتنع السودانيون بأن الحرب كارثة؛ فهم يعلمون ذلك حقاً قبل اندلاعها. بل يتحقق عندما يدرك المتحاربون أن السلام أصبح أكثر جدوى من استمرار الحرب.


*باحث مشارك، كلية الدراسات الشرقية والأفريقية (SOAS)، جامعة لندن.
المدير التنفيذي - مركز المدارية للدراسات الاستراتيجية (CCSS).