وقعت شركة أبوظبي لطاقة المستقبل "مصدر" اتفاقية مع شركة الطاقة الإسبانية "ريبسول" تستحوذ بموجبها على حصة تبلغ 49.99 في المئة في محفظة مشروعات للطاقة المتجددة في إسبانيا، في صفقة قُدّرت قيمتها بنحو 3.62 مليار درهم، أي ما يعادل 849 مليون يورو. وتمثل الصفقة خطوة إضافية في توسع "مصدر" داخل السوق الأوروبية، وتعكس توجهاً واضحاً لدى الشركة الإماراتية نحو بناء محفظة عالمية واسعة من الأصول التشغيلية في أسواق ناضجة، تجمع بين العائد المستقر، والشراكات مع شركات طاقة كبرى، وفرص النمو في التخزين والمشروعات الهجينة.
وتضم المحفظة الإسبانية مشروعات قيد التشغيل بقدرة إجمالية تبلغ 705 ميغاواط، موزعة بين 13 محطة لطاقة الرياح بقدرة 402 ميغاواط، و6 مشروعات للطاقة الشمسية الكهروضوئية بقدرة 303 ميغاواط.
ودخلت هذه الأصول مرحلة التشغيل خلال عام 2025 والربع الأول من عام 2026، ما يمنح الصفقة أهمية خاصة من زاوية التدفقات النقدية، إذ تستحوذ "مصدر" على حصة في أصول منتجة وقريبة من دورة العائد الفعلي. وتشير بيانات الصفقة أيضاً إلى وجود إمكانات نمو إضافية بنحو 565 ميغاواط عبر تطوير مشروعات هجينة تجمع بين طاقة الرياح والطاقة الشمسية ونظم بطاريات تخزين الطاقة.
وتفتح الصفقة أمام "مصدر" مساراً إضافياً لتوسيع القيمة داخل المحفظة نفسها. فإضافة التخزين إلى مشروعات الرياح والطاقة الشمسية أصبحت جزءاً متزايد الأهمية في أسواق الكهرباء الأوروبية، لأنها تساعد على التعامل مع تقلب الإنتاج المتجدد، وتزيد قدرة المشروعات على تلبية الطلب في أوقات الذروة، وتدعم استقرار الشبكات الكهربائية. وفي سوق مثل إسبانيا، حيث تملك الطاقة الشمسية والرياح موقعاً متقدماً في مزيج الكهرباء، تصبح القدرة على دمج أكثر من تقنية في الموقع نفسه عاملاً مهماً لتعزيز الربحية ورفع كفاءة استخدام البنية التحتية.
إسبانيا بوابة أساسية للتوسع الأوروبي
تأتي الصفقة في سياق توسع متسارع لـ"مصدر" في شبه الجزيرة الإيبيرية. فالشركة عززت وجودها في إسبانيا والبرتغال خلال الفترة الأخيرة عبر صفقات وشراكات مع شركات كبرى، من بينها صفقة "سايتا" التي أصبحت منصة مهمة لنموها في السوقين، إلى جانب شراكتها مع "إنديسا" في محفظة مشروعات شمسية.
وذكرت "مصدر" في تشرين الأول/أكتوبر 2025 أن استثمارها في محفظة شمسية مع "إنديسا" أضاف 446 ميغاواط إلى محفظتها الأوروبية ورفع قدرتها الإجمالية التشغيلية في شبه الجزيرة الإيبيرية إلى 3.2 غيغاواط في ذلك الوقت.
ومع استكمال صفقة "ريبسول"، سترتفع القدرة الإنتاجية لمشروعات "مصدر" قيد التشغيل في شبه الجزيرة الإيبيرية إلى 4.1 غيغاواط، إلى جانب مشروعات قيد التطوير بنحو 1 غيغاواط. وهذا الرقم يوضح أن إسبانيا أصبحت واحدة من قواعدها الأوروبية الرئيسية، خصوصاً أن السوق الإسبانية تجمع بين وفرة الموارد الشمسية والريحية، وعمق سوق التمويل، ووجود شركات طاقة كبرى تسعى إلى تدوير الأصول وإدخال شركاء ماليين واستراتيجيين.
وتعزز الصفقة موقع "مصدر" كمستثمر طويل الأمد في أصول الطاقة النظيفة داخل أوروبا، في وقت تواجه فيه شركات الطاقة المتجددة تحديات مرتبطة بارتفاع كلفة التمويل، وضغط أسعار الكهرباء في بعض الأسواق، والحاجة إلى تطوير التخزين والشبكات. ومن هنا تكتسب الصفقة معناها الاستراتيجي في دخول شريك يمتلك قدرة مالية وخبرة دولية إلى أصول تشغيلية يملكها طرف أوروبي كبير، مع الاحتفاظ بإمكانات نمو مستقبلية داخل المحفظة.
ماذا تحقق "ريبسول" من الصفقة؟
بالنسبة إلى "ريبسول"، تنسجم الاتفاقية مع استراتيجية تدوير الأصول في قطاع الطاقة المتجددة. فالشركة الإسبانية تحتفظ بدور رئيسي في المحفظة، وفي الوقت نفسه تحرر جزءاً من رأس المال وتدعم هيكلها المالي، بما يتيح لها تمويل مشروعات جديدة والتركيز على الأصول الأكثر ربحية. وتشير التقديرات إلى أن العملية يمكن أن تساهم في خفض صافي ديون "ريبسول" بنحو 700 مليون يورو عند إتمامها.
وتعد هذه العملية ثامن صفقة تدوير لأصول الطاقة المتجددة تنفذها "ريبسول"، بقدرة إجمالية تبلغ 3,850 ميغاواط في إسبانيا والولايات المتحدة. وهذا يوضح أن بيع حصص أقلية في محافظ تشغيلية أصبح جزءاً من نموذج التمويل لدى شركات الطاقة الكبرى، حيث يتم تطوير الأصول أو تشغيلها، ثم إدخال شركاء لبلورة قيمتها وتحرير السيولة، مع الاحتفاظ بدور تشغيلي أو استراتيجي في بعض الحالات.
وتأتي الصفقة بعد تعديل "ريبسول" بعض أهدافها في الطاقة المتجددة ومنتجات الطاقة منخفضة الكربون لعام 2030، في ظل ارتفاع تكاليف التطوير والتمويل وتركيز الشركة على الاستثمارات الأكثر ربحية. وكانت "ريبسول" قد خفضت هدفها للطاقة المتجددة لعام 2030 من 20 غيغاواط إلى 10 غيغاواط، مع تركيز أكبر على إسبانيا والولايات المتحدة.
الشراكة والتوسع العالمي
تأسست "مصدر" في أبوظبي عام 2006، وتطورت من مبادرة إماراتية للطاقة النظيفة إلى شركة عالمية للاستثمار والتطوير والتشغيل في قطاع الطاقة المتجددة. وتملك الشركة اليوم ثلاثة مساهمين رئيسيين هم "أدنوك" و"طاقة" و"مبادلة"، بما يمنحها قاعدة رأسمالية واستراتيجية تجمع بين الطاقة التقليدية، والمرافق، والاستثمار السيادي.
ويقوم نموذج أعمال "مصدر" على الاستثمار في أصول قائمة أو شبه جاهزة للتشغيل في أسواق ذات بنية تنظيمية واضحة، وتطوير مشروعات جديدة بالشراكة مع شركات محلية ودولية، وتوسيع الحضور عبر تنويع التقنيات بين الشمس والرياح والتخزين والهيدروجين الأخضر. لذلك تتحرك الشركة كشركة طاقة نظيفة تبحث عن محفظة عالمية متنوعة جغرافياً وتقنياً، وتستفيد من شراكات طويلة مع شركات مثل "ريبسول" و"إنديسا" و"توتال إنرجيز" وغيرها.
وقد أعلنت "مصدر" في كانون الثاني/يناير 2026 أن قدرتها العالمية وصلت إلى 65 غيغاواط، أي نحو ثلثي هدفها البالغ 100 غيغاواط بحلول عام 2030، وأنها استثمرت 45 مليار دولار حتى الآن، مع خطط لاستثمار 30 إلى 35 مليار دولار إضافية خلال هذا العقد. وتعكس صفقة "ريبسول" هذه الفلسفة بوضوح. فالأصول قائمة، والسوق أوروبية ناضجة، والشريك شركة طاقة كبرى، والمحفظة تحمل قابلية للتوسع نحو نموذج هجين مع التخزين.
بناء نفوذ طاقوي عالمي
تحمل الصفقة بعداً يتجاوز حسابات القدرة الإنتاجية. فهي تؤكد أن أبوظبي تستخدم شركاتها الكبرى لبناء موقع عالمي في قطاع الطاقة الجديد، كما فعلت تاريخياً في قطاع النفط والغاز.
ويربط وجود "مصدر" في أوروبا، وآسيا، والولايات المتحدة، وأسواق نامية أخرى، الإمارات بسلاسل جديدة من الاستثمار والتمويل والتكنولوجيا، ويمنحها دوراً متقدماً في مرحلة انتقال الطاقة.
وهذا ما يجعل إسبانيا سوقاً ذات دلالة خاصة. فهي من أكبر أسواق الطاقة المتجددة في أوروبا، وتمتلك موارد طبيعية قوية، وتحتاج في السنوات المقبلة إلى مزيد من التخزين وتطوير الشبكات لاستيعاب المزيد من الكهرباء النظيفة. لذلك فإن استثمار "مصدر" في محفظة "ريبسول" يمنحها موطئ قدم إضافياً في سوق تتجه نحو مرحلة أكثر تعقيداً من التحول الطاقوي، حيث تزداد الحاجة إلى إدارة مرنة للإنتاج والتخزين والربط مع الطلب الصناعي.
ومن المتوقع إتمام الصفقة في نهاية عام 2026 بعد الحصول على الموافقات التنظيمية اللازمة. وعند إغلاقها، ستكون "مصدر" قد أضافت إلى محفظتها الأوروبية أصولاً تجمع بين العائد التشغيلي الحالي وإمكانات النمو المستقبلي، فيما تكون "ريبسول" قد واصلت تحسين هيكلها المالي وتدوير جزء من أصولها المتجددة.
أما المعنى الأوسع للاتفاقية، فيتمثل في ترسيخ حضور رأس المال الخليجي داخل قطاع الطاقة النظيفة الأوروبي، وتحول "مصدر" إلى واحدة من الأدوات الرئيسية التي تستخدمها أبوظبي لبناء موقع مؤثر في اقتصاد الطاقة الجديد.




