د. سوليكا علاء الدين
لم يعد مضيق هرمز يقتصر على كونه شرياناً حيوياً لتدفق صادرات النفط العالمية، بل أصبح اليوم إحدى أهم نقاط الارتكاز في البنية التحتية الرقمية للاقتصاد العالمي. ففي عصر تحولت فيه البيانات إلى مورد حيوي ومحرك للنمو الاقتصادي والابتكار التكنولوجي، بات المضيق يمثل نقطة اختناق مزدوجة تجمع بين أمن الطاقة وأمن المعلومات. فإلى جانب مرور نحو 25 في المئة من تجارة النفط المنقولة بحراً عبره، تمر في قاعه شبكة من كابلات الألياف الضوئية البحرية المحورية التي تنقل جزءاً كبيراً من حركة الإنترنت والاتصالات والبيانات بين آسيا وأوروبا ودول الخليج العربي.
ومع تصاعد حدة التوترات الجيوسياسية، اتسعت المخاوف لتشمل ليس فقط احتمال تعطل إمدادات الطاقة، بل أيضاً تعرض البنية التحتية الرقمية العالمية لمخاطر متزايدة. إذ برزت في الآونة الأخيرة نقاشات حول إمكانية فرض رسوم على كابلات الإنترنت البحرية أو تشديد الرقابة على عمليات تشغيلها وصيانتها، بما يعكس الأهمية الاستراتيجية المتنامية لهذه الشبكات. ويُعد ذلك تحولاً في موازين القوة العالمية، إذ لم تعد الهيمنة على مصادر الطاقة كافية وحدها، بل باتت السيطرة على تدفقات البيانات والاتصالات عنصراً موازياً في تحديد النفوذ، ليتحول المضيق إلى نقطة حساسة في معادلة أمن الطاقة والاقتصاد الرقمي معاً.

هرمز: عقدة الاقتصاد الرقمي العالمي
يعتمد الاقتصاد الرقمي العالمي بصورة شبه كاملة على الكابلات البحرية الممتدة في أعماق البحار والمحيطات. فوفقاً للاتحاد الدولي للاتصالات، وكالة الأمم المتحدة المتخصصة في التكنولوجيا الرقمية، تنقل الكابلات البحرية نحو 99 في المئة من حركة بيانات الإنترنت في العالم، بما يشمل المعاملات المصرفية، والخدمات السحابية، والتجارة الإلكترونية، والأسواق المالية، إضافة إلى الاتصالات الحكومية والعسكرية.
ويمر عبر مضيق هرمز عدد من أبرز الكابلات البحرية في العالم، من بينها كابل "آسيا ـ أفريقيا ـ أوروبا 1" المعروف بـ AAE-1، الذي يربط جنوب شرق آسيا بأوروبا عبر مصر مع نقاط وصول في الإمارات وعُمان وقطر والسعودية، وشبكة "فالكون" التي تربط الهند وسريلانكا بدول الخليج والسودان ومصر، ونظام "غالف بريدج إنترناشيونال" الذي يربط دول الخليج، إضافة إلى كابلات أخرى تصل الخليج العربي بالهند وأوروبا وشرق آسيا. وتشكل هذه الشبكات العمود الفقري للاتصالات الرقمية في المنطقة، إذ تنقل جزءاً مهماً من حركة البيانات بين أوروبا وآسيا والشرق الأوسط، كما تؤمّن القسم الأكبر من اتصالات دول الخليج بالعالم الخارجي.
وتزداد حساسية هذه الكابلات نتيجة تمركزها داخل ممر بحري ضيق نسبياً، خصوصاً في الجانب العُماني من المضيق، ما أدى إلى تركّز عدد كبير من المسارات البحرية ضمن نطاق جغرافي محدود. ويخلق هذا الواقع ما يشبه "عنق الزجاجة الرقمي"، بحيث يمكن لأي خلل تقني أو حادث بحري أو استهداف متعمّد أن يؤثر بصورة مباشرة على تدفقات البيانات الدولية.
وفي هذا السياق، اكتسبت التهديدات الإيرانية المرتبطة بالكابلات البحرية أبعاداً اقتصادية وسياسية متزايدة خلال الفترة الأخيرة، حيث تم طرح فكرة فرض رسوم عبور رقمية على الشركات المشغلة لهذه الكابلات، بما في ذلك شركات التكنولوجيا العالمية الكبرى مثل غوغل ومايكروسوفت وميتا وأمازون. كما أشارت تقديرات إيرانية إلى إمكانية تحقيق عائدات قد تصل إلى نحو 15 مليار دولار سنوياً من هذه الرسوم، في محاولة لتحويل الموقع الجغرافي للمضيق إلى مصدر قوة اقتصادية جديدة.
ولا تقتصر المخاطر على فرض رسوم أو أعباء مالية مباشرة، بل تمتد إلى إمكانية استخدام البنية التحتية الرقمية كأداة ضغط جيوسياسي. فالكابلات البحرية، التي تشكل العمود الفقري للاتصالات العالمية، تعتمد على عمليات صيانة وإصلاح دورية تنفذها سفن متخصصة، ما يمنح الدول المشرفة على الممرات البحرية هامشاً للتأثير في هذه العمليات، ولا سيما خلال فترات التوتر والأزمات. وفي مثل هذه الظروف، قد يؤدي تأخير أعمال الصيانة أو إبطاء إجراءات منح التصاريح اللازمة إلى تفاقم أعطال تقنية محدودة وتحويلها إلى اضطرابات واسعة النطاق تطال شبكات الاتصالات وتدفقات البيانات على المستوى العالمي.
تداعيات اقتصادية تهدد الأسواق العالمية
تكمن خطورة أي اضطراب في الكابلات البحرية العابرة لمضيق هرمز في تداعياته الاقتصادية الواسعة، إذ تعتمد الأسواق المالية العالمية على سرعة تنفيذ العمليات والتداولات، فيما ترتكز البنوك والشركات ومراكز البيانات على اتصال مستمر وآمن بالشبكات الدولية. وأي انقطاع أو تباطؤ كبير في الإنترنت من شأنه أن يربك أنظمة المدفوعات والتحويلات المالية والخدمات السحابية والتجارة الإلكترونية، إلى جانب رفع تكاليف التشغيل نتيجة إعادة توجيه البيانات عبر مسارات بديلة أقل كفاءة وأكثر تكلفة.
ويكتسب هذا التهديد بعداً إضافياً بالنسبة لدول الخليج العربي، التي توسّع استثماراتها في الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات الضخمة ضمن مساعي تنويع اقتصاداتها بعيداً عن النفط، حيث يعتمد نجاح هذه الخطط على بنية تحتية رقمية مستقرة وذات سعة عالية تضمن ارتباط المنطقة بالأسواق العالمية ومراكز التكنولوجيا الدولية. وفي هذا الإطار، ضخت كل من دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية استثمارات بمليارات الدولارات في مجالات الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية، وأنشأتا كيانات وطنية متخصصة تعتمد بدرجة أساسية على الكابلات البحرية بوصفها قناة رئيسة لتدفق البيانات وربطها بالشبكات العالمية.
وتأتي هذه المخاوف في ظل اضطرابات إقليمية أوسع، إذ أدت الحرب إلى اختلالات في إمدادات الطاقة والبنية التحتية، شملت تضرر بعض مراكز البيانات في البحرين والإمارات، في حين لم تُسجل أضرار مباشرة في الكابلات البحرية. ومع ذلك، يحذر خبراء من مخاطر غير مباشرة تتمثل في احتمال تعرض هذه الكابلات للقطع عرضاً نتيجة اصطدام مراسي السفن المتضررة بها أثناء الجنوح أو السحب، خصوصاً في بيئة العمليات العسكرية النشطة التي ترفع من احتمالات الحوادث غير المقصودة. كما يشير البعض إلى أن إصلاح الكابلات في مناطق النزاع يواجه تحديات إضافية تتعلق بإجراءات التصاريح والمخاطر الأمنية واعتبارات شركات التأمين، ما قد يؤدي إلى تأخير أعمال الصيانة وتعقيد استعادة الخدمة بسرعة.
وتعزز حوادث سابقة هذه المخاوف، إذ أدى انقطاع عدد من الكابلات البحرية في البحر الأحمر خلال عام 2024 إلى اضطرابات في حركة البيانات والاتصالات، ما دفع شركات الاتصالات إلى إعادة توجيه البيانات عبر مسارات أطول وأكثر تكلفة، وأثار مخاوف من تكرار سيناريو مشابه في ممرات استراتيجية مثل مضيق هرمز.
الكابلات البحرية والحروب الحديثة
تُعد الكابلات البحرية اليوم جزءاً متقدماً من منظومة الأمن القومي في عدد من الدول الغربية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، التي عززت في السنوات الأخيرة آليات حماية البنية التحتية الرقمية الحيوية عبر لجنة مشتركة بين وزارة العدل الأميركية ووزارة الأمن الداخلي الأميركية، إلى جانب مناقشات في الكونغرس عام 2023 بشأن تشريعات تستهدف الحد من مشاركة جهات تُصنّف كـ"خصوم أجانب" في بناء أو تشغيل الكابلات المرتبطة بالشبكات الأميركية، ضمن توجه أوسع لتعزيز أمن البنية التحتية الرقمية.
ويتقاطع هذا المسار مع التحولات المتسارعة في طبيعة الأمن العالمي، إذ باتت الكابلات البحرية عنصراً محورياً في البنية التحتية الاستراتيجية الحديثة، لاعتماد أنظمة القيادة والسيطرة، والاتصالات العسكرية، والطائرات المسيّرة، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي على تدفق آمن ومستمر للبيانات، ما جعلها جزءاً أساسياً من معادلات القوة في الصراعات الجيوسياسية المعاصرة.
ويحذر خبراء الأمن السيبراني من تصاعد ما يُعرف بـ"حروب الاتصال"، حيث تتحول البنية التحتية الرقمية إلى هدف محتمل في النزاعات الحديثة عبر التخريب المادي أو الهجمات السيبرانية أو تعطيل شبكات البيانات. وتزداد هذه المخاطر تعقيداً في البيئات البحرية الحساسة التي تتقاطع فيها مسارات الملاحة التجارية مع الكابلات الحيوية، ما يرفع مستوى التحديات المرتبطة بتأمينها. ومع توسع الاعتماد العالمي على التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي، فإن أي اضطراب في هذه الشبكات قد ينعكس بسرعة على الاقتصادات والأسواق المالية والأنظمة الدفاعية، محدثاً تأثيرات واسعة النطاق تتجاوز البعد التقني إلى مستويات استراتيجية وأمنية أعمق.
هل توجد بدائل حقيقية؟
ورغم تزايد الحديث عن بدائل للكابلات البحرية، وفي مقدمتها خدمات الإنترنت الفضائي والأقمار الصناعية، فإن هذه التقنيات لا تزال بعيدة عن منافسة الكابلات من حيث السعة الهائلة وسرعة نقل البيانات وكفاءة التشغيل. لذلك، يبقى الاقتصاد الرقمي العالمي معتمداً بشكل أساسي على البنية التحتية البحرية التي تشكل العمود الفقري لربط القارات وتدفق البيانات بينها. وفي المقابل، تواجه البدائل البرية المحتملة تحديات جيوسياسية وأمنية معقدة، إذ تمر مساراتها عبر دول ذات حساسيات استراتيجية مثل روسيا وتركيا وإيران، ما يحدّ من قدرتها على توفير مسارات مستقرة وموثوقة قادرة على تعويض الدور الحيوي الذي تؤديه الممرات البحرية، وفي مقدمتها مضيق هرمز.
ومع أن وجود شبكات ومسارات بديلة من شأنه أن يقلل من احتمالات الانقطاع الكامل في حال تعرض بعض الكابلات للأعطال، فإن الخبراء يؤكدون أن الأقمار الصناعية لا تمثل بديلاً واسع النطاق للشبكات البحرية، نظراً لمحدودية قدرتها الاستيعابية وارتفاع تكاليف تشغيلها.وبحسب الخبراء، لا يشكل الاعتماد على الأقمار الصناعية انتقالاً مباشراً أو بديلاً مكافئاً للكابلات البحرية، إذ تعتمد هذه المنظومات بدورها على بنى تحتية أرضية، وتُستخدم بصورة رئيسية لدعم الاتصالات المتنقلة في الطائرات والسفن، أكثر من استخدامها كشبكة عالمية قادرة على استيعاب الحجم الهائل من حركة البيانات الدولية.

شريان الطاقة والبيانات
في ضوء هذه التحولات، لم يعد مضيق هرمز مجرد ممر استراتيجي لنقل النفط والغاز، بل أصبح جزءاً من منظومة عالمية تتقاطع فيها اعتبارات أمن الطاقة مع أمن البيانات والاتصالات. فمع تزايد اعتماد الاقتصاد العالمي على التدفقات الرقمية، اكتسبت الكابلات البحرية أهمية متنامية بوصفها الشرايين التي تنقل معظم حركة البيانات الدولية، ما جعلها أحد الأصول الاستراتيجية الأكثر حساسية في النظام الاقتصادي العالمي.
وعليه، يتجه العالم نحو مرحلة جديدة من "الجغرافيا الرقمية"، حيث لم تعد معادلات القوة ترتبط فقط بالقدرات العسكرية أو حجم الموارد الطبيعية، بل باتت تعتمد بصورة متزايدة على القدرة على حماية البنية التحتية الرقمية وضمان انسياب المعلومات. واليوم، تبرز الكابلات البحرية وشبكات الاتصالات كركائز أساسية للأمن القومي والاستقرار الاقتصادي، ما يرجح تحوّلها إلى إحدى جبهات التنافس الاستراتيجي الرئيسية خلال العقود المقبلة، تماماً كما شكّلت الممرات البحرية وخطوط الطاقة محاور حاسمة في الصراعات والحروب التقليدية.




