تونس: اقتصادياً إلى أين؟

29.05.2026
Twitter icon
Facebook icon
LinkedIn icon
e-mail icon
شارك هذه الصفحة مع آخرين
Print Friendly, PDF & Email
يمر الاقتصاد التونسي بمرحلة دقيقة، فمن جهة هناك هشاشة كبيرة على مستوى النمو الاقتصادي وأزمة مديونية داخلية وخارجية، ومن جهة أخرى توجد عناصر قوة لا يمكن الاستهانة بها. هذا التناقض بين التوجهين نابع من عدة عوامل مرتبطة بطبيعة الاقتصاد التونسي القائم بالأساس على منطق الخدمات والمناولة، وهي قطاعات حساسة جدا تتأثر بصورة مباشرة بالأوضاع الاقتصادية الدولية.
فإذا نظرنا إلى الاقتصاد التونسي من زاوية عناصر القوة، فإننا نلاحظ توفر تونس على جملة من المزايا، أهمها على الإطلاق رأس المال البشري، مع تحكم في المسألة الديمغرافية بصورة أفضل مما هو عليه الحال في كل من مصر والجزائر.
ويعد رأس المال البشري، الذي تجمع كافة المنظمات الدولية على أنه من أهم نقاط القوة، من أبرز العوامل التي تتيح إمكانية كبيرة للتعاون مع الشركات العالمية في إنتاج السلع والخدمات الأساسية في مجالات المقاولة من الباطن، والتي تعد من أساسيات نموذج التنمية التونسي منذ الاستقلال، خاصة أن تونس تتميز بالقرب الجغرافي من السوق الأوروبية، أضخم أسواق المقاولة في المنطقة. وتظهر هذه المسائل بصورة واضحة في قطاعات صناعة الملابس، والصناعة الميكانيكية، وصناعة المعدات المرتبطة بصناعة السيارات.
وعلى مستوى آخر، فإن قطاع الخدمات السياحية يعد أحد ركائز الاقتصاد التونسي، حيث يمثل القطاع حوالي 70 في المئة من الناتج الداخلي الخام. كما يشكل القطاع الفلاحي قاطرة مهمة في الاقتصاد التونسي، إذ يمثل 10 في المئة من الناتج الداخلي الخام، وتعد تونس أحد أهم مصدري زيت الزيتون في العالم.
ولكن، على أهمية القطاع الفلاحي، فإن موجة الجفاف وشح المياه في المنطقة أثرت بصورة مباشرة على أداء الزراعة في تونس.
واعتماد الاقتصاد التونسي على عاملي الزراعة والسياحة كان له تأثير بالغ على المسار الاقتصادي، نظرا لارتباط تلك القطاعات بعوامل خارجية، كتساقط الأمطار بالنسبة للفلاحة، وارتباط السياحة بالمزاج العام في الدول الأوروبية، التي تعد المورد الأساسي للسياح القادمين إلى تونس بعد الجزائريين، الذين يعتبرون أكثر الشعوب زيارة لتونس للسياحة، خاصة في موسم الصيف.
هذا الارتباط بالعوامل الخارجية جعل النمو الاقتصادي يتأثر بصورة كبيرة، حيث لم يتجاوز في بعض الأحيان 2.5 في المئة سنويا، وهي نسبة منخفضة لا تمكن الاقتصاد التونسي من استيعاب الوافدين الجدد إلى سوق العمل، على اعتبار أن البطالة، على غرار ما يحدث في كل المنطقة، تمثل تحديا حقيقيا للسلطات التونسية على المديين المتوسط والطويل، وتتراوح نسبة البطالة في تونس ما بين 15 و16 في المئة.
وغياب معدلات نمو قوية ومستمرة جعل تونس تدخل في أزمة مالية كبيرة، حيث إن الدين العام يقارب 80 في المئة من الناتج الداخلي الخام التونسي، ومع غياب اتفاق إطار مع صندوق النقد الدولي، نظرا للخلافات بين صندوق النقد والسلطات التونسية حول محتوى الاتفاق، أصبح ولوج تونس إلى أسواق المال معقدا منذ مدة.
وما عقّد الوضعية المالية في تونس هو عدم قدرة السلطات على القيام بإصلاحات مالية، والحد من الإنفاق وترشيده، كما تنصح المؤسسات الدولية. وغياب هذه الإصلاحات، أو عدم الاتفاق الداخلي حولها، يشكل أحد أهم المعوقات التي تعرقل الاقتصاد التونسي.
وفي تونس، يتمثل التساؤل المطروح على لسان الجميع، حكومة ومعارضة وعمال، في: هل تتمكن السلطات من تحويل مزايا تونس الاقتصادية إلى نقاط قوة تنعكس في خفض معدل البطالة، وتحكم أفضل في التضخم، وتحقيق معدلات نمو مستمرة ودائمة تفوق المعدلات الحالية لتجاوز الأزمة المالية الراهنة؟
ويرى الخبراء أن ذلك يمر عبر اتفاق سياسي واجتماعي داخلي، وجلوس كافة الأطراف إلى طاولة الحوار والتفاوض حول نموذج تونسي جديد، يأخذ بعين الاعتبار تحديات الواقع الدولي والمحلي والجهوي.