الجزائر- فرنسا:
بين الإرث التاريخي
والمصالح المشتركة

24.05.2026
Twitter icon
Facebook icon
LinkedIn icon
e-mail icon
شارك هذه الصفحة مع آخرين
Print Friendly, PDF & Email

الجزائر: الإقتصاد والأعمال

في الجزائر تزامن صدور قانون تجريم الاستعمار مع عودة النبض الى العلاقات الجزائرية الفرنسية مما اثار عدة تساؤلات حول ديمومة النبض العائد لعلاقة فرنسية جزائرية مرت بأزمة عاصفة كادت أن تؤدي الى قطيعة غير مسبوقة.

إذا كانت التساؤلات مشروعة نظراً لخصوصية العلاقة بين البلدين وهي علاقات تتجاوز اطار العلاقات العادية بين الدول بالنظر الى الإرث التاريخي الذي يحكم مسار العلاقات الجزائرية الفرنسية، والتي تشمل كل الجوانب، ففيها السياسي والتاريخي والبشري والاجتماعي والإنساني وكل جانب يؤثر بصورة ما على الجوانب الأخرى.

السؤال : هل يؤثر صدور القانون الخاص بتجريم الاستعمار على رغبة كل من الرئيس الفرنسي ماكرون والرئيس الجزائري تبون في إعادة العلاقة الجزائرية الفرنسية الى مسار عادي حتى لا نقول طبيعي ؟

في البداية من الضروري التأكيد على ان الأسابيع الأخيرة شهدت زخماً سياسياً بين البلدين تمثل في زيادة وتيرة الزيارات الفرنسية للجزائر على اكثر من صعيد،  شمل المستوى الاقتصادي من خلال أرباب العمل الفرنسيين،  وانتقل الى المستوى السياسي بزيارة وزير الداخلية الفرنسي، والوزيرة المنتدبة  لدى وزيرة الجيش وقدماء المحاربين الفرنسي، والتي شاركت في تخليد ذكرى مجازر 08 ماي 1945 في الجزائر، وبحضور السفير الفرنسي والذي سجل عودته الى الجزائر بعد غياب قارب سنة كاملة.

وقد توج هذا الزخم بزيارة وزير العدل الفرنسي والذي يجسد إسمه ومساره العائلي جيرالد موسى ديرمانه كل التناقضات والطموحات المرتبطة بالعلاقات الجزائرية الفرنسية، وتجدر الإشارة الى أن كل هذه الوفود الفرنسية حظيت باستقبال من القيادات الجزائرية وعلى رأسهم الرئيس عبد المجيد تبون بالإضافة الى تغطية إعلامية رسمية لافتة.

ومن خلال كل هذه الوفود الفرنسية الحاضرة الى العاصمة الجزائرية يتضح رغبة فرنسية في إعادة ربط العلاقة مع الجزائر على أسس تعتمد بالدرجة الأولى على ترقية المصالح المشتركة بينهما وهي كثيرة ومتعددة.

وأمام هذا السعي لتجاوز الخلافات بين الطرفين يعود قانون تجريم الاستعمار الى الواجهة ليوحي أننأ قد عدنا الى المربع الأول، مربع الخلافات والحملات المتبادلة والتي تعكر مسار العلاقات الجزائرية الفرنسية بصورة دورية.

الواقع أن هذه القراءة قراءة سطحية للمسائل، الذي يعرف الولوج الى ما بين السطور، خاصة فيما يتعلق لمحتوى قانون تجريم الاستعمار والذي ظل مطلباً سياسياً جزائرياً منذ عدة سنوات، ومر مشروع القانون بعدة مراحل، قبل ان يتم إصداره بصورة رسمية. مراحل تميزت بالصعود الى الواجهة تارة وبوضع المشروع برمته في دهاليز ورفوف أروقة السياسة الجزائرية تارة أخرى.

وهذا الصعود والاختفاء لقانون جزائري يحظى بإجماع داخلي يعبر عن ادراك الساسة في الجزائر الى حساسية الموضوع من الناحية الجيوسياسية. فمن جهة هناك الإرث التاريخي الدموي والذي من المستحيل القفز عليه ومن جهة أخرى هناك المصالح العليا للجزائر ورغبتها في أن تلعب الدور المنوط بها بصورة كاملة.

بالإضافة الى ذلك فإن كل الطبقة السياسية في الجزائر تعي أن داخل فرنسا هناك أوساط مازالت لم تهضم فكرة الجزائر المستقلة وتستعمل الورقة الجزائرية كأداة لتحقيق اهداف على المستوى الداخلي، وخير مثال على ذلك وزير الداخلية الفرنسي السابق برونو روطايو  والطامح لكرسي الرئاسة في فرنسا في 2027 والذي اقام مجده السياسي كله على العداء لكل ما هو جزائري، بل اكثر من ذلك أوحى لجمهور متابعيه ان الجزائر شأن داخلي فرنسي مما عمق الأزمة مع الطرف الجزائري.

هذا المشهد السياسي المعقد بين الجزائر وفرنسا المحكوم بمسارات متعددة ومركبة يجعل من الضروري قراءة أخرى لمحتوى قانون تجريم الاستعمار، قراءة  تأخذ يعين الاعتبار محددات العلاقة الفرنسية الجزائرية وهنا فأن دراسة قانون تجريم الاستعمار الصادر يعد قفزة حقيقية في الطرح الجزائري فيما يتعلق بالتعاطي مع الإرث الاستعماري والجرائم المرتبطة به.

فحتى الان كانت مشاريع القوانين التي تسعى لتجريم الاستعمار تقوم على ثلاثية : التجريم  والاعتذار والتعويض. وهي متلازمات طبعت المسعى الجزائري المعلن داخل أروقة البرلمان الجزائري والذي اخذ على عاتقه اقتراح  وحمل مشروع القانون على المستوى السياسي والإعلامي وكان ذلك بمساندة السلطة تارة وبتجاهل السلطات الرسمية تارة أخرى. وهذا الأسلوب مكن الجزائر دائما من التحكم السياسي في ملف تجريم الاستعمار.

القانون الصادر مؤخرا يركز على تجريم الاستعمار واعتبره جريمة لا تمحى بالتقادم، بل تظل ماثلة امام اعين الشعوب التي مازالت تعاني من تأثيراته السياسية والاجتماعية والإنسانية.

 ولكن في المقابل لم يحمل القانون الصادر مسائل التعويض والاعتذار وكأن الجزائر بهذا المسعى تريد تكريس قانونياً تجريم الاستعمار، وحفر المسألة في ذاكرة الإنسانية، أي الانتقال من مسائل التعويض والاعتذار الى الذاكرة وكأن لسان حال كل جزائري، من خلال نصوص هذا القانون يقول: الاستعمار جريمة لا يمكن فيها التعويض ولا الاعتذار، لأنها لا تسقط  مطلقا بالتقادم.

 وهذا الموقف يظهر بصورة واضحة في غياب كلي للآليات القانونية لطلب التعويض او الاعتذار.  بعبارة أوضح الجزائر من احد توصيف ما عانته البلاد خلال الفترة الاستعمارية جريمة لا يسقطها تعويض او اعتذار.

تطور الموقف الجزائري من خلال اصدار هذا القانون يمكن حسب العديد من الأطراف إعادة النبض الى علاقات جزائرية مريضة، بعقد الماضي وتحديات المستقبل والقانون في جوهره من وجهة نظر الجزائر، هو العمل على تكريس مفهوم أساسي، وهو أنه لا توجد ذاكرة مشتركة بين من ذاق ليل الاستعمار الطويل ومن كان السبب في ظلام هذا الليل الطويل، وغياب الاتفاق على الذاكرة وما فيها من جراح لم تندمل، بعد لا يعني مطلقاً غياب علاقات متوازنة بين طرفين يجمعهما القرب الجغرافي والإنساني والمصالح المشتركة.

ولعل أفضل تعبير على هذا المقاربة الجزائرية الجديدة ما قاله رئيس الأركان نائب وزير الدفاع الجزائري، عند لقائه مع الوزيرة المنتدبة لدى وزيرة الدفاع الفرنسية، حيث حرص على التأكيد عن أن على البلدين الجزائر وفرنسا، العمل سوياً ومعاً لتجاوز آثار الماضي الاستعماري، دون نسيانه والتطلع الى مستقبل يقوم على الاحترام المتبادل مع السعي معاً الى تحقيق المصالح المشتركة ورفع التحديات التي تشهدها الساحة الدولية والجهوية.

هذا التصريح لشخصية محورية في منظومة الحكم في الجزائر يعبر عن جوهر المقاربة الجزائرية فيما يخص العلاقة مع فرنسا، مقاربة تقوم على العمل على بناء علاقات جيدة مع المستعمر القديم مع الاحتفاظ بالذاكرة كما هي ذاكرة تؤكد من خلال قانون واضح ان الاستعمار جريمة لا تسقط بالتقادم.