فيصل أبوزكي
جاءت فعاليات "اصنع في الإمارات" هذا العام في توقيت لا يشبه الدورات السابقة. فالمنصة التي تقودها وزارة الصناعة والتكنولوجيا المتقدمة وتجمع مختلف الإمارات تحت مظلة اتحادية واحدة، انعقدت بعد اختبار عسكري واقتصادي ولوجستي غير مسبوق تعرضت له الدولة خلال حرب إيران. ولذلك اكتسب الحدث هذا العام أبعاداً تتجاوز الصناعة والتكنولوجيا والاستثمار، ليصبح مساحة للإمعان في الطريقة التي تعاملت بها الإمارات مع صدمة الحرب، وكيف بدأت تحويل هذه التجربة إلى أجندة جديدة لتعزيز المناعة الاقتصادية والصناعية والتكنولوجية.
فرضت الحرب ضغوطاً مباشرة على الدولة واقتصادها وبنيتها التحتية. فقد أعلنت وزارة الدفاع الإماراتية بعد وقف إطلاق النار أن الدفاعات الجوية تعاملت منذ بداية الحرب مع 549 صاروخاً باليستياً و29 صاروخاً جوالاً و2260 طائرة مسيرة. كما تعرضت منشآت ومواقع مختلفة لضربات مباشرة، من بينها موانئ ومصانع ومنشآت نفطية، فيما أدى إغلاق مضيق هرمز والاضطرابات العسكرية إلى تعطيل حركة الملاحة والطيران والتجارة لفترات متفاوتة.
الفجيرة: أصل استراتيجي خارج مضيق هرمز
ويكتسب استهداف ميناء الفجيرة أهمية خاصة لأنه يمثل أحد أهم الأصول الاستراتيجية في البنية النفطية واللوجستية الإماراتية. فالميناء يقع خارج مضيق هرمز، وهذا ما جعله خلال السنوات الماضية جزءاً أساسياً من استراتيجية الدولة لتقليل الاعتماد على الممرات البحرية الحساسة. كما يشكل الميناء المحطة النهائية لخط أنابيب حبشان - الفجيرة الذي تبلغ طاقته نحو 1.7 مليون برميل يومياً، ويضم منشآت ضخمة لتخزين النفط الخام والمنتجات البترولية، إضافة إلى دوره كمركز عالمي لتزويد السفن بالوقود والخدمات البحرية. واظهر استهدافه خلال الحرب حجم الضغط الذي تعرضت له البنية الاقتصادية والطاقوية للدولة، كما أبرز أهمية الاستثمارات التي ضختها الإمارات لبناء بدائل لوجستية وطاقوية أكثر مرونة.
قوة النموذج الإماراتي
واجهت الموانئ اضطرابات تشغيلية، وحركة الشحن تعرضت لضغوط كبيرة، والطيران المدني شهد تعديلات وإغلاقات متكررة للمجال الجوي، فيما اضطرت الشركات إلى إعادة تنظيم سلاسل التوريد ومسارات النقل والتخزين والتأمين. وحتى القطاعات التي واصلت العمل، فعلت ذلك ضمن ظروف تشغيلية استثنائية رفعت الكلفة وضغطت على الكفاءة وسرعة الإنجاز. ومن هنا برزت إحدى أهم خلاصات الحرب وهي أن قوة النموذج الإماراتي ظهرت في القدرة على إدارة التعطل واحتواء آثاره ومنع تحوله إلى أزمة اقتصادية ومالية شاملة.
من التنويع إلى الأمن الاقتصادي
كما كشفت الحرب تحولاً أعمق في نظرة الدولة إلى مفهوم الأمن الاقتصادي. فملفات الصناعة والذكاء الاصطناعي وسلاسل الإمداد التي كانت ترتبط سابقاً بالتنويع الاقتصادي والنمو المستقبلي، أصبحت اليوم مرتبطة بصورة مباشرة بالسيادة والجاهزية والقدرة على العمل تحت الضغط. فإغلاق مضيق هرمز، واضطراب الطيران، وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، أظهرت أن الاقتصادات المفتوحة يمكن أن تواجه اختناقات حقيقية خلال الأزمات الجيوسياسية الكبرى، وأن امتلاك قاعدة صناعية وتكنولوجية متقدمة لم يعد مسألة نمو فقط، بل جزءاً من الأمن الوطني والقدرة على الصمود والاستمرار.
استجابة اتحادية متعددة المسارات
وخلال الحرب، تحركت الحكومة الاتحادية وحكومات الإمارات المختلفة على أكثر من مستوى في وقت واحد. المسار الأول كان دفاعياً وأمنياً لحماية السكان والمنشآت والبنية التحتية والمجال الجوي. والثاني مالياً ومصرفياً للحفاظ على الاستقرار والسيولة واستمرارية الأعمال. والثالث لوجستياً وخدمياً لضمان تدفق السلع الأساسية وتقليل الاختناقات في سلاسل الإمداد. أما المسار الرابع فكان صناعياً وتكنولوجياً، واكتسب أهمية متزايدة بعد الحرب باعتباره جزءاً من الأمن الاقتصادي والسيادي للدولة.
تعدد المراكز الاقتصادية كمصدر للمرونة
ساهمت كل هذه االتطورات على ابراز طبيعة النموذج الإماراتي القائم على تعدد المراكز الاقتصادية وتوزيع الأدوار بين الإمارات المختلفة تحت مظلة اتحادية واحدة. فأبوظبي لعبت دور العمق السيادي والمالي والصناعي، مستفيدة من قدراتها الاستثمارية وصناديقها السيادية ومكانتها في قطاعات الطاقة والصناعة والتكنولوجيا المتقدمة. ومن هنا أيضاً جاء الثقل الكبير الذي تتمتع به في “اصنع في الإمارات”، سواء من خلال المشاريع الصناعية الكبرى أو التمويل أو الصناعات الدفاعية والتكنولوجية.
في المقابل، لعبت دبي دور مركز الأعمال والتجارة والخدمات والمال واللوجستيات، وهو دور أصبح أكثر حساسية خلال الحرب مع اضطراب خطوط الملاحة والطيران في المنطقة. وقد واجهت الإمارة تحدياً حقيقياً في الحفاظ على استمرارية الأعمال وحركة الشركات والخدمات المالية وسلاسل التجارة، في وقت كانت فيه المنطقة كلها تعيش حالة من عدم اليقين. كما برزت أهمية الموانئ والمناطق الحرة والبنية الرقمية والخدماتية في احتواء جزء من آثار الاضطراب وإعادة تنظيم التدفقات التجارية.
أما الشارقة والإمارات الشمالية، فقد ظهر دورها بصورة أوضح من خلال المناطق الصناعية والموانئ والبنية التشغيلية المساندة، بما عزز قدرة الاقتصاد الإماراتي على توزيع الضغوط وعدم تركز النشاط الاقتصادي في نقطة واحدة. وكانت هذه إحدى النقاط المهمة التي كشفتها الحرب بوضوح وهي أن الاقتصاد الإماراتي يقوم على شبكة مترابطة من المراكز الاقتصادية المتخصصة، لا على مركز واحد فقط.
حزم المصرف المركزي ودبي لدعم الاقتصاد
وفي مواجهة التداعيات الاقتصادية للحرب، أقر مصرف الإمارات العربية المتحدة المركزي في مارس حزمة استباقية لتعزيز مرونة المؤسسات المالية، مستنداً إلى قطاع مصرفي تتجاوز أصوله 5.4 تريليون درهم واحتياطيات أجنبية تفوق تريليون درهم. وشملت الحزمة تسهيلات سيولة بالدرهم والدولار، وتخفيفاً مؤقتاً لبعض متطلبات السيولة والتمويل المستقر، وإتاحة مرونة للبنوك في التعامل مع العملاء المتأثرين بالظروف الاستثنائية.
أما في دبي، فقد اعتمد الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم، ولي عهد دبي، تسهيلات بقيمة مليار درهم للقطاع الاقتصادي، شملت تأجيل تحصيل رسوم مرتبطة بالفنادق والسياحة، وتسهيلات في إجراءات الإقامات وانتقال العمالة، في محاولة لحماية القطاعات الأكثر تعرضاً لتداعيات اضطراب السفر والتجارة. كما أعلنت دبي الجنوب حزمة دعم للشركات الصغيرة والمتوسطة تضمنت مرونة في الدفعات والإيجارات وبعض الرسوم التشغيلية. وكذلك فعل مركز دبي المالي العالمي وسلطته التنظيمية.
صندوق المرونة الصناعية والمحتوى الوطني
لكن التحول الأهم جاء بعد ذلك في قرارات مجلس الوزراء المرتبطة بالصناعة والتكنولوجيا والمحتوى المحلي. ففي أواخر أبريل، اعتمد مجلس الوزراء إنشاء الصندوق الوطني للمرونة الصناعية بقيمة مليار درهم، بهدف توطين الصناعات الحيوية وتعزيز مرونة سلاسل الإمداد وتسريع استخدام الذكاء الاصطناعي في الإنتاج والتخطيط الصناعي. كما تم توسيع نطاق برنامج القيمة الوطنية المضافة ليصبح إطاراً أوسع لتوجيه الطلب الحكومي وشبه الحكومي نحو المنتجات والخدمات الوطنية.
سردية اقتصادية جديدة
دفعت الحرب الإمارات أيضاً إلى إعادة صياغة سرديتها الاقتصادية العالمية. فالمراكز الاقتصادية واللوجستية والتكنولوجية بات يُنظر الى قدرتها على العمل وإدارة المخاطر خلال الأزمات الكبرى، وليس فقط الى تمكنها من تحقيق النمو السريع والانفتاح وسهولة الأعمال . ولذلك دخلت الإمارات مرحلة جديدة تركز على الجمع بين الانفتاح الاقتصادي والمرونة التشغيلية والجاهزية الاستراتيجية.
وهنا تبرز الأهمية المتزايدة التي اكتسبتها منصة “اصنع في الإمارات” بعد الحرب. فالحدث بات يعكس توجهاً لبناء صناعات متقدمة ذات محتوى معرفي وتكنولوجي أعلى، ترتبط بالذكاء الاصطناعي، والحوسبة، والبيانات، والتصنيع الذكي، والأتمتة، وسلاسل الإمداد الرقمية. ويتجاوز الهدف تعزيز الإنتاج المحلي وصولاً إلى ربط الاقتصاد الإماراتي بصورة أعمق بالاقتصادات المتقدمة والقطاعات الأعلى نمواً وتأثيراً في الاقتصاد العالمي.
التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي كمحرك للنمو
أصبح من الواضح أن التكنولوجيا تتحول إلى محرك رئيسي للنمو وإعادة تشكيل الاقتصاد. وهي تختلف عن القطاعات التقليدية المرتبطة بالموقع الجغرافي أو الممرات التجارية أو الموارد الطبيعية، لأن الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية ومراكز البيانات تعمل ضمن فضاء عابر للحدود، وتمنح الدول القادرة على تطويرها حضوراً وتأثيراً يتجاوز حدودها الجغرافية التقليدية.
ولهذا تضخ الإمارات استثمارات ضخمة في البنية الرقمية ومراكز البيانات والحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي والتصنيع المتقدم، بالتوازي مع استمرار توسعها في الموانئ والطاقة والممرات التجارية والمالية. وقد أصبحت هذه الاستثمارات جزءاً من بنية استراتيجية تهدف إلى تعزيز قدرة الاقتصاد والخدمات والتجارة على العمل في بيئات عالمية شديدة الاضطراب.
جي42 وMGX وجامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي
وقد برزت جي42 (G42) كلاعب محوري في هذا المسار عبر استثمارات وشراكات عالمية في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية والنماذج اللغوية، فيما تشكل جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي إحدى أهم ركائز بناء القدرات البحثية والعلمية في هذا المجال على مستوى المنطقة. كما برز إم جي إكس كأحد أكبر الصناديق الاستثمارية المتخصصة عالمياً في الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية وأشباه الموصلات، في مؤشر إلى أن الإمارات تسعى إلى التموضع كمستثمر ومطور وشريك في الاقتصاد العالمي الجديد القائم على الذكاء الاصطناعي.
الذكاء الاصطناعي الوكيلي وإدارة الدولة تحت الضغط
والأهم أن الذكاء الاصطناعي في الرؤية الإماراتية أصبح جزءاً من البنية التشغيلية للدولة نفسها. فقد أبرزت الحرب أهمية القدرة على تحليل البيانات بسرعة، وإدارة الموارد، ومراقبة سلاسل الإمداد، والتنبؤ بالاختناقات، وتحسين توزيع المخزون، وإدارة الطاقة والخدمات والنقل تحت الضغط. ولذلك يكتسب التحول نحو الذكاء الاصطناعي الوكيلي بعداً استراتيجياً يتجاوز رفع الكفاءة الإدارية التقليدية.
وقد اعتمدت الحكومة الإماراتية مؤخراً خطة تستهدف تحويل 50 في المئة من العمليات والخدمات الحكومية الاتحادية خلال عامين إلى منظومات تعتمد على الذكاء الاصطناعي الوكيلي، بما يشمل التشغيل والتحليل واتخاذ القرار وإدارة الخدمات. وهذا ناتج عن تصور أوسع لدور التكنولوجيا في رفع كفاءة الدولة وقدرتها على إدارة الموارد والأزمات والخدمات في بيئة عالمية أكثر تعقيداً واضطراباً.
"اصنع في الإمارات" كمنصة للمناعة الاقتصادية
تكتنز النسخة الخامسة من "اصنع في الإمارات" هذا الطموح الاتحادي بصورة واضحة، مع مشاركة واسعة من مختلف الإمارات والقطاعات، وتوجه نحو توطين منتجات وصناعات استراتيجية وتقليل الاعتماد على مصدر واحد للتوريد، في وقت أصبح فيه الأمن الاقتصادي جزءاً أساسياً من النقاش العالمي بعد جائحة كورونا وحرب أوكرنيا وأخيرا حرب إيران والاضطرابات وتعطل سلاسل الإمداد ااتي نتجت عنها.
إن القيمة التحليلية الأعمق هنا هي أن الإمارات اصبحت تتمتع بمنظومة متعددة الابعاد. هناك طبقة اتحادية تشمل الدفاع والسياسة النقدية والسياسة الصناعية والتشريعات وسلاسل الإمداد والذكاء الاصطناعي. وهناك طبقة محلية لكل إمارة تتمثل بأبوظبي بثقلها الصناعي والسيادي والتكنولوجي، ودبي بحزمها الموجهة للأعمال والسياحة والخدمات والاقتصاد الرقمي، والشارقة والإمارات الشمالية عبر القواعد الصناعية واللوجستية المساندة. لقد أصبح هذا التعدد أحد أهم مصادر المرونة في النموذج الإماراتي.
من إدارة الصدمة إلى بناء المناعة والمرونة
أظهرت الحرب حجم التعرض الذي يواجهه اقتصاد مفتوح ومندمج عالمياً مثل الاقتصاد الإماراتي، لكنها كشفت أيضاً سرعة الدولة في بناء استجابات متوازية تضمنت استجابة دفاعية لحماية المجال والبنية التحتية، ومالية لحماية السيولة والائتمان، ولوجستية لضمان استمرار التدفقات التجارية، وصناعية وتكنولوجية لتحويل دروس الحرب إلى برنامج طويل الأجل لتعزيز المناعة والمرونة الاقتصادية. ومن هنا يكتسب "اصنع في الإمارات" معناه الحقيقي هذا العام. انه منصة تعكس كيف تحاول الإمارات بناء اقتصاد قادر على النمو والاستمرار والتكيف في عالم أكثر اضطراباً وتنافساً وانقساما وعدم يقين.




