التكنولوجيا والاستثمارات الخليجية
ترسم خريطة جديدة لتجارة الزراعة العالمية

21.05.2026
Twitter icon
Facebook icon
LinkedIn icon
e-mail icon
شارك هذه الصفحة مع آخرين
Print Friendly, PDF & Email

الاقتصاد والأعمال

في عالم يزداد اضطراباً بفعل تغير المناخ، والحروب، والتقلبات التجارية، لم تعد تجارة السلع الزراعية مجرد نشاط تقليدي يقوم على شراء المحاصيل وبيعها عبر الحدود. هذا ما تحاول "شركة ماكينزي آند كومباني " الاستشارية إظهاره في تقريرها الجديد حول مستقبل تجارة الزراعة، والذي يذهب إلى أن القطاع يقف أمام إعادة هيكلة عميقة تقودها المرونة التشغيلية والذكاء الاصطناعي والتحليلات المتقدمة.

التقرير يحمل عنوان "كيف يمكن للمرونة والذكاء الاصطناعي إعادة تشكيل تجارة الزراعة"، لكنه في الواقع يتناول أكثر من التكنولوجيا.

فهو يشرح كيف تغيّر البيئة الجيوسياسية والاقتصادية قواعد اللعبة في أسواق الغذاء العالمية، وكيف باتت شركات تجارة الحبوب والزيوت والبذور والأسمدة مطالبة بالتحول من نماذج عمل تقليدية إلى شبكات عالمية مرنة وقائمة على البيانات.

وترى ماكينزي أن السنوات الأخيرة كشفت هشاشة سلاسل الإمداد الزراعية العالمية، بدءاً من جائحة كورونا، مروراً بحرب أوكرانيا، وصولاً إلى اضطرابات الشحن والطاقة والتجارة.

وبذلك، أصبحت ميزة الشركات الكبرى مرتبطة بحجم المخزون وعدد الموانئ والسفن وبقدرتها على قراءة البيانات بسرعة، وربط الأسواق العالمية ببعضها، واتخاذ قرارات فورية مدعومة بالذكاء الاصطناعي.

 

من تجارة السلع إلى إدارة سلاسل القيمة العالمية

ويشير التقرير إلى أن تجارة السلع الزراعية تدخل مرحلة جديدة أصبحت فيها الأسواق أكثر ترابطاً وتعقيداً. فأسعار القمح أو الذرة أو الزيوت النباتية لم تعد تتحرك فقط بفعل العرض والطلب التقليدي، إنما أيضاً بفعل الخوارزميات، والتداولات الرقمية، والطقس، والقيود التجارية، وحتى الحروب التي قد تغلق ممراً بحرياً أو تعطل إنتاج الأسمدة والطاقة. وهذا ما يجعل المرونة عاملاً حاسماً في القدرة على تحقيق الأرباح وإدارة المخاطر.

ومن أبرز الأفكار التي يطرحها التقرير الانتقال من مفهوم "التجارة الإقليمية" إلى "تحسين سلاسل القيمة العالمية". بمعنى أن الشركات لم تعد تدير نشاطها كسلسلة منفصلة من العمليات، بقدر ما تديره كنظام عالمي مترابط يشمل الزراعة، والتخزين، والنقل، والمعالجة، والتسعير، والتوزيع. وفي هذا النموذج الجديد، تصبح البيانات الأصل الأكثر أهمية.

وترى ماكينزي أن الذكاء الاصطناعي سيغيّر القطاع جذرياً خلال السنوات المقبلة، خصوصاً في مجالات التنبؤ بالأسعار، وتحليل أنماط الطقس والإنتاج، وإدارة المخاطر، وتحسين العمليات اللوجستية، وحتى تنفيذ العمليات بعد إتمام الصفقات مثل التسويات والمطابقات المحاسبية.

وتشير تقديرات التقرير إلى أن الشركات التي استثمرت في التحليلات التنبؤية وتحسين سلاسل القيمة رفعت ربحيتها بين 200 و500 نقطة أساس، فيما يمكن للذكاء الاصطناعي الوكيلي أن يرفع إنتاجية بعض العمليات بنسبة تتراوح بين 30 و60 في المئة خلال السنوات المقبلة.

لكن التقرير يتعامل مع التكنولوجيا كوسيلة لإعادة توزيع القوة داخل القطاع وليس فقط كأداة لتحسين الكفاءة. فالشركات التي تمتلك البيانات والبنية الرقمية والقدرة على التحليل السريع قد تصبح أكثر قدرة على التحكم بالتدفقات التجارية العالمية، حتى لو لم تكن الأكبر من حيث الأصول التقليدية. وهذا يفتح الباب أمام صعود جيل جديد من الشركات الزراعية والتكنولوجية والهجينة.

الأمن الغذائي يتحول إلى ملف استراتيجي

وفي خلفية هذا التحول، يبرز عامل الأمن الغذائي كأحد أهم الدوافع وراء موجة الاستثمارات العالمية في الزراعة والتكنولوجيا الغذائية.

فالدول باتت تنظر إلى الغذاء بوصفه قضية استراتيجية لا تقل أهمية عن الطاقة أو الدفاع. ولهذا السبب، تشهد السنوات الأخيرة سباقاً عالمياً على الاستثمار في الأراضي الزراعية، وسلاسل الإمداد، وشركات الحبوب، والخدمات اللوجستية، والتكنولوجيا الزراعية.

وهنا يظهر الحضور الخليجي والعربي بصورة متزايدة. فدول الخليج، التي تعتمد تاريخياً على الاستيراد لتأمين الجزء الأكبر من احتياجاتها الغذائية، بدأت خلال العقد الأخير ببناء حضور عالمي في سلاسل الغذاء والزراعة.

وتجاوز الأمر شراء أراضٍ أو عقود توريد ليمتد إلى الاستثمار في شركات تجارة عالمية، وبنى تحتية، وتقنيات زراعية، ومنصات لوجستية متقدمة.

السعودية تنتقل من تأمين الواردات إلى بناء نفوذ عالمي

تُعد شركة "سالك"، الذراع الزراعية التابعة لصندوق الاستثمارات العامة السعودي، من أبرز اللاعبين في هذا المجال. فإلى جانب رفع حصتها في شركة "أولام أغري" السنغافورية إلى 80 في المئة ضمن صفقة بلغت قيمتها نحو 1.88 مليار دولار، تمتلك الشركة استثمارات تمتد عبر أستراليا وأوكرانيا والبرازيل والهند وتشمل الحبوب واللحوم وسلاسل الأعلاف والخدمات اللوجستية الغذائية.

وتعكس هذه الاستراتيجية انتقال السعودية من مفهوم تأمين الواردات إلى بناء حضور مباشر داخل التجارة الزراعية العالمية نفسها.

وتملك "أولام" عمليات تمتد عبر آسيا وأفريقيا والشرق الأوسط وتشمل الحبوب والأرز والزيوت والبذور والأعلاف والخدمات اللوجستية، الأمر الذي يجعل الصفقة جزءاً من استراتيجية أوسع تهدف إلى بناء نفوذ سعودي داخل سلاسل الغذاء العالمية.

كما تُبرز الصفقة تحولاً مهماً في فلسفة الاستثمار الخليجي في الزراعة. فبدلاً من التركيز فقط على الإنتاج الزراعي الخام، أصبح الاهتمام موجهاً نحو التحكم بمراحل القيمة المضافة والتجارة والنقل والمعالجة والتوزيع.

وفي السعودية أيضاً، توسعت "المراعي" في الاستثمار الزراعي الخارجي لتأمين الأعلاف وسلاسل الإمداد المرتبطة بإنتاج الألبان والدواجن. وتمتلك الشركة مزارع وأصولاً زراعية في الأرجنتين والولايات المتحدة، إضافة إلى ارتباطها سابقاً باستثمارات زراعية في السودان بعد استحواذها على "حائل الزراعية".

وقد جاء هذا التوسع في سياق السياسة السعودية الرامية إلى خفض استهلاك المياه والتوقف التدريجي عن زراعة الأعلاف كثيفة الاستهلاك للمياه داخل المملكة.

أما "نادك"، فقد ركزت بصورة أكبر على السودان ومصر كمراكز للتوسع الزراعي الخارجي، خصوصاً في الأعلاف والإنتاج الحيواني. كما ارتبط اسم الشركة بمشاريع زراعية في توشكى في مصر، ضمن توجه سعودي أوسع لبناء مصادر إنتاج غذائي خارجية أكثر استدامة مائياً.

كذلك، تملك "صافولا" حضوراً إقليمياً واسعاً في قطاع الصناعات الغذائية والزيوت والسكر، عبر استثمارات وشركات تابعة في مصر والسودان وتركيا وأسواق أخرى في شمال أفريقيا والشرق الأوسط، ما يجعلها جزءاً من شبكة الغذاء الإقليمية التي بنتها الشركات السعودية خلال العقود الماضية.

الإمارات تربط بين الاستثمار الزراعي وبناء منظومة غذائية وتكنولوجية متكاملة

أما في الإمارات، فتعد شركة "الظاهرة الزراعية" من أبرز الأمثلة على التحول الخليجي نحو الاستثمار الزراعي العالمي المتكامل. فالشركة تمتلك وتدير مزارع وأراضي زراعية تمتد عبر مصر وصربيا ورومانيا والولايات المتحدة وإسبانيا وأستراليا، إضافة إلى نشاط واسع في تجارة الحبوب والأعلاف والخدمات اللوجستية الزراعية. وتدير أكثر من 100 ألف هكتار من الأراضي الزراعية وتخدم أكثر من 40 سوقاً عالمية.

والمهم في نموذج "الظاهرة" أنه يقوم على امتلاك الأراضي وعلى بناء شبكة عالمية تشمل الزراعة، والتخزين، والشحن، والتصنيع الغذائي، والتوزيع، وحتى التكنولوجيا الزراعية وإدارة المياه. وهذا يتقاطع مع التحول الذي تتحدث عنه ماكينزي نحو إدارة سلاسل قيمة غذائية عالمية أكثر تعقيداً وترابطاً.

لكن المقاربة الإماراتية للأمن الغذائي تتجاوز الاستثمار الزراعي التقليدي. فقد ركزت الإمارات خلال السنوات الأخيرة بصورة متزايدة على الاستثمار في التكنولوجيا الزراعية والذكاء الاصطناعي والبنية الرقمية المرتبطة بالغذاء وسلاسل الإمداد.

وتحولت أبوظبي ودبي إلى منصتين لاستقطاب شركات الزراعة الذكية، والزراعة العمودية، وتقنيات إدارة المياه، وتحليل البيانات الزراعية، والروبوتات الزراعية، مدعومة بصناديق استثمار ومناطق حرة وبرامج حكومية تستهدف بناء قطاع غذائي عالي التقنية.

ويرتبط هذا التوجه أيضاً بالاستراتيجية الإماراتية الأوسع لبناء منظومة متكاملة للذكاء الاصطناعي، تشمل الاستثمار في النماذج اللغوية، والبنية التحتية الحاسوبية، ومراكز البيانات، والطاقة اللازمة لتشغيلها. فالإمارات لا تنظر إلى الذكاء الاصطناعي كقطاع منفصل، بل كبنية تحتية اقتصادية عابرة للقطاعات، من التمويل والطاقة إلى اللوجستيات والزراعة والأمن الغذائي. ولهذا، فإن الاستثمار في الزراعة الذكية أصبح جزءاً من مشروع إماراتي أكبر لبناء اقتصاد قائم على البيانات والذكاء الاصطناعي.

كما بدأت الإمارات تربط الأمن الغذائي بالبنية اللوجستية. فشركات مثل "موانئ دبي العالمية" ومجموعة موانئ أبوظبي توسعت في موانئ أفريقيا ومراكز التخزين والخدمات اللوجستية المرتبطة بالحبوب والمواد الغذائية. وهذا ما يعكس رؤية تعتبر أن السيطرة على الممرات التجارية وسلاسل النقل جزء من منظومة الأمن الغذائي.

وفي الإمارات أيضاً، برزت شركة "إنفيكتوس للاستثمار" كلاعب إقليمي متنامٍ في التجارة الزراعية والاستثمارات الغذائية في أفريقيا. وخلال العامين الماضيين، وسّعت الشركة حضورها في القارة عبر سلسلة استحواذات واستثمارات شملت موزامبيق والمغرب وأنغولا، إلى جانب توسعها في تجارة الحبوب والأسمدة والخدمات اللوجستية الزراعية. ويعكس هذا التوسع اهتماماً متزايداً ببناء حضور متكامل في سلاسل الغذاء الأفريقية، وليس فقط تجارة المحاصيل الخام.

ففي موزامبيق، عززت "إنفيكتوس" حضورها في تجارة الحبوب والبنية اللوجستية الزراعية، بينما استهدفت استثماراتها في المغرب قطاع المدخلات الزراعية والخدمات المرتبطة بالإنتاج الغذائي، في وقت تزداد فيه أهمية أفريقيا كمصدر استراتيجي للغذاء والأسمدة والأسواق الزراعية المستقبلية.

ولا يقتصر الحضور الإماراتي الخارجي على هذه الشركات. فشركة "أغذية" تحولت خلال السنوات الأخيرة من شركة غذائية محلية إلى منصة غذائية إقليمية متكاملة ذات حضور متنامٍ في مصر وتركيا والسعودية والأردن، عبر سلسلة استحواذات في قطاعات المياه والبروتين والوجبات الخفيفة والصناعات الغذائية.

كما برزت "إيليت أجرو" سابقاً كإحدى أبرز المنصات الزراعية الإماراتية في أوروبا الشرقية وأفريقيا قبل دمجها ضمن منظومة “الظاهرة الزراعية”، مع تركيز خاص على الحبوب والأعلاف والإنتاج الحيواني.

قطر تركز الأمن الغذائي كاستثمار طويل الأجل

وفي قطر، تلعب شركة "حصاد الغذائية"، التابعة لجهاز قطر للاستثمار، دوراً مشابهاً. فقد بنت الشركة استثمارات زراعية وغذائية في أستراليا والسودان وتركيا وعُمان، إلى جانب تطوير مشاريع زراعة محلية متقدمة تعتمد على البيوت المحمية والتقنيات الحديثة لرفع الاكتفاء الغذائي.

وبرزت التجربة القطرية بقوة بعد أزمة الحصار عام 2017، حين تسارعت الاستثمارات في الإنتاج المحلي والتكنولوجيا الزراعية واللوجستيات الغذائية، بما في ذلك الزراعة الصحراوية والبيوت المبردة وتقنيات ترشيد المياه. وهذا ساهم في تحويل الأمن الغذائي من ملف استيراد إلى ملف استثمار استراتيجي طويل الأجل.

 

الخليج يتجه نحو الزراعة الذكية

وفي الوقت نفسه، يتسارع الاستثمار العالمي في التكنولوجيا الزراعية والغذائية، من الذكاء الاصطناعي والروبوتات الزراعية إلى الزراعة الدقيقة، وإنترنت الأشياء، وتقنيات تتبع الغذاء وسلاسل الإمداد. وتشير دراسات وأبحاث متخصصة إلى أن القطاع يتجه نحو نموذج "الزراعة 4.0" القائم على البيانات والتحليلات الفورية والأتمتة.

ومن المرجح أن يصبح الخليج لاعباً أكبر في هذا المجال خلال السنوات المقبلة كممول وكمركز استثماري وتقني يربط بين أسواق آسيا وأفريقيا وأوروبا.

فالدول الخليجية تمتلك رأس المال، والبنية اللوجستية، والمنظومات الرقمية، والعلاقات التجارية، بينما تحتاج الأسواق الزراعية العالمية إلى تمويل طويل الأجل وقدرات متقدمة في إدارة المخاطر والبيانات.

ولهذا، فإن تقرير ماكينزي لا يبدو مجرد دراسة عن الذكاء الاصطناعي في تجارة الزراعة، بل أقرب إلى خريطة مبكرة لاقتصاد غذائي عالمي جديد، تتحول فيه البيانات والتكنولوجيا والمرونة التشغيلية إلى عناصر نفوذ استراتيجية، تماماً كما كانت الطاقة والموانئ والممرات التجارية في العقود الماضية.