أفاد بنك عودة في تقريره الأسبوعي، استنادًا إلى معطيات البنك الدولي، بأن الاقتصاد اللبناني يواجه تحديات متزايدة تهدد التعافي الهش، في ظل التصعيد الأخير للصراع في الشرق الأوسط، والذي يُتوقع أن يؤدي إلى تعطيل زخم الإصلاحات وإلحاق أضرار كبيرة بالنمو الاقتصادي.
إصلاحات بطيئة وتعافٍ هش
وأوضح التقرير أن السلطات اللبنانية كانت قد بدأت قبل اندلاع الصراع بالسعي إلى تنفيذ إصلاحات أساسية، إلا أن التقدم في استعادة استدامة الدين العام ووضع مرساة مالية عبر إطار مالي متوسط الأجل بقي بطيئًا. كما أشار إلى أن النزوح الداخلي واسع النطاق، والذي تجاوز عدد النازحين فيه 800 ألف شخص، إلى جانب التأثير السلبي للصراع على القطاع السياحي وارتفاع أسعار النفط، سيؤدي إلى ضغوط كبيرة على النشاط الاقتصادي وزيادة معدلات التضخم.
ولفت التقرير إلى أن النشاط الاقتصادي شهد تسارعًا خلال النصف الثاني من عام 2025، حيث أظهرت المؤشرات الاقتصادية عالية التواتر حتى كانون الأول/ ديسمبر 2025 تحسنًا ملحوظًا في الزخم الاقتصادي. فقد ارتفعت قيمة الشيكات المقاصة بالليرة اللبنانية والدولار الأميركي بنحو 49.5 في المئة و29 في المئة على التوالي مقارنة بالنصف الأول من العام نفسه.
كما سجّل قطاع البناء انتعاشًا ملحوظًا، مع ارتفاع تراخيص البناء وتسليمات الإسمنت بنسبة 12.8 و14 في المئة مقارنة بالنصف الأول من عام 2025، فيما ارتفع عدد الوافدين إلى لبنان، كمؤشر على النشاط السياحي، بنسبة 24.5 في المئة
وبالمقارنة مع عام 2024، ارتفعت تسليمات الإسمنت بنسبة 36 في المئة على أساس سنوي، كما زادت تراخيص البناء بنسبة 29.3 في المئة، في حين ارتفعت الإضاءة الليلية، التي تُستخدم كمؤشر بديل للنشاط الاقتصادي، بنسبة 30 في المئة على أساس سنوي.
وعلى صعيد المالية العامة، أظهرت نتائج عام 2025 تحقيق فائض أولي وفائض إجمالي بقيمة 1.87 مليار دولار و1.55 مليار دولار على التوالي، على أساس نقدي، وذلك نتيجة ارتفاع الإيرادات الرسمية بنسبة 49 في المئة، متجاوزة زيادة الإنفاق التي بلغت 27 في المئة.
وفي ما يتعلق بالتضخم، أوضح التقرير أنه رغم الارتفاع الطفيف في أسعار المستهلك خلال النصف الثاني من عام 2025، تراجع معدل التضخم السنوي إلى 14.6 في المئة. وسجل قطاعا التعليم والإيجارات أعلى معدلات الارتفاع ضمن سلة مؤشر أسعار المستهلك، بنسبة 38.8 في المئة و27 في المئة على التوالي على أساس سنوي، بينما ارتفعت أسعار المواد الغذائية والمشروبات غير الكحولية بنسبة 20.4 في المئة.
وأشار البنك الدولي إلى أن معدلات التضخم المحلية لا تزال أعلى بكثير من المعدلات العالمية، رغم استقرار سعر الصرف منذ آب/أغسطس 2023.
تراجع محدود في الفقر وانعدام الأمن الغذائي
وفي الجانب الاجتماعي، ذكر التقرير أن معدلات الفقر بين اللبنانيين بقيت مرتفعة خلال عام 2025، لكنها أظهرت استقرارًا نسبيًا بعد بلوغها ذروتها في عام 2024 نتيجة تداعيات الصراع والانكماش الاقتصادي. وأظهرت التقديرات انخفاض معدل الفقر بشكل طفيف في خمس محافظات من نحو 37 في المئة عام 2024 إلى 36 في المئة عام 2025.
كما تراجع انعدام الأمن الغذائي من ذروة بلغت 24 في المئة في أواخر عام 2024 إلى نحو 13 في المئة في مطلع عام 2026، قبل اندلاع الصراع، إلا أنه لا يزال مرتفعًا مقارنة بالمعدلات التاريخية.
مخاطر تهدد التعافي
وعلى صعيد القطاع الخارجي، اتسع عجز تجارة السلع إلى 17.4 مليار دولار في عام 2025، أي ما يعادل 56.8 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، نتيجة ارتفاع الواردات بنسبة 24.7 في المئة على أساس سنوي، مقابل نمو الصادرات بنسبة 34.4 في المئة.
وأوضح التقرير أن جزءًا من هذا الاختلال في تجارة السلع يتم تعويضه عبر التحويلات المالية من الخارج، والتي يُعتقد أنها أكبر من الأرقام الرسمية بسبب عدم احتساب القنوات غير الرسمية، إضافة إلى إيرادات القطاع السياحي.
كما ارتفع الاستثمار الأجنبي المباشر بنسبة 7.3 في المئة خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025 ليصل إلى نحو 1.5 مليار دولار، إلا أنه لا يزال غير كافٍ لتغطية احتياجات التمويل الخارجي الإجمالية.
وأشار التقرير أيضًا إلى أن أوجه القصور في إحصاءات ميزان المدفوعات تؤدي إلى تشويه التقديرات الرسمية لعجز الحساب الجاري، كما تفسر جزئيًا تراكم الاحتياطات الأجنبية بقيمة 1.7 مليار دولار رغم العجز الكبير في الحساب الجاري.
وأكد البنك الدولي أن التعافي الاقتصادي الهش في لبنان من المتوقع أن يتعرض لضغوط شديدة خلال المرحلة المقبلة، مع تصاعد المخاطر بشكل حاد نحو الجانب السلبي. ولفت إلى أن الصراع والاضطرابات الناتجة عنه في حركة الطيران عبر المنطقة من المتوقع أن يؤديا إلى توقف النشاط السياحي، الذي يشكل أحد المحركات الأساسية للنمو الاقتصادي.
كما توقع التقرير أن يؤدي النزوح الداخلي الواسع وارتفاع مستويات عدم اليقين إلى التأثير سلبًا على الاستهلاك والاستثمار، في حين يُرجح أن تكون الأضرار التي لحقت برأس المال البشري والمادي في لبنان كبيرة.
وأشار إلى أن واردات الطاقة شكّلت نحو 29 في المئة من إجمالي فاتورة الواردات في عام 2025، ومع استمرار الاعتماد على النفط في توليد الكهرباء وقطاع النقل، فإن ارتفاع أسعار النفط سيزيد من عجز الحساب الجاري واحتياجات التمويل الخارجي.
وختم التقرير بالتحذير من أن ارتفاع أسعار النفط وتكاليف الشحن سيؤدي إلى زيادة الضغوط التضخمية، فيما سيؤدي ارتفاع الطلب على الإنفاق الطارئ وتمويل إعادة الإعمار إلى وضع الموازنة المعتمدة لعام 2026، والتي تستهدف تحقيق توازن مالي، تحت ضغوط متزايدة.




