الحياد اللبناني:
من الجسر إلى خشبة النجاة

18.05.2026
Twitter icon
Facebook icon
LinkedIn icon
e-mail icon
شارك هذه الصفحة مع آخرين
Print Friendly, PDF & Email

جميل كامل مروة

منذ أن صاغ ميشال شيحا في ثلاثينيات القرن الماضي فلسفة لبنان “الوسيط الحضاري”، وفكرة الحياد تسكن الخيال السياسي اللبناني كوعدٍ لم يتحقق ولم يُنسَ. ثم جاء الميثاق الوطني عام 1943 ليُرسّخ هذا الوعد في تسوية مؤسِّسة: المسيحيون يتخلّون عن الحماية الغربية، والمسلمون يتخلّون عن الوحدة مع المحيط العربي. كان الحياد آنذاك معادلة بنائية، جسراً معلّقاً بين ضفّتين، يحمل الطرفين نحو مصلحة مشتركة لا يبلغها أيٌّ منهما وحده.

لكن بيننا وبين تلك اللحظة التأسيسية ثمانون عاماً من الكوارث المتراكمة. وما يستوقفني اليوم ليس أن الحياد فكرة خاطئة، بل أن شيئاً جوهرياً تبدّل في الأرضية التي تقوم عليها، وأن هذا التبدّل يستوجب إعادة النظر في توقيت الفكرة قبل إعادة النظر في مضمونها.

من الجسر إلى خشبة النجاة

في الخمسينيات حين ضغط مبدأ أيزنهاور من جهة وعبد الناصر من جهة أخرى، ظلّ الجدل حول الحياد جدلاً بين رؤى سياسية متنافسة تقوم على أرضية دولة قائمة. ريمون إدّه حين طالب بالحياد كان يتكلّم من منبر برلماني، وكمال جنبلاط حين رفضه كان يردّ من داخل منظومة تتنازع ولا تنهار. حتى أزمة 1958 الدامية انتهت إلى تسوية سياسية وتداول سلمي للسلطة. كانت الأرضية السياسية مستقرّة نسبياً، والدولة، بكل هشاشتها، حاضرةً كفاعل. في ذلك السياق كان الحياد جسراً يُغري بالعبور.

ثم تتالت المصائب. اتفاقية القاهرة عام 1969 أعطت جزءاً من السيادة اللبنانية لمنظمة مسلّحة غير لبنانية — وكان ذلك أول اعتراف رسمي بعجز الدولة عن إدارة ساحتها. ثم الحرب الأهلية التي لم تكن حرباً بين لبنانيين فحسب بل كانت ساحة لحروب الآخرين فوق الجسد اللبناني. ثم الاجتياح الإسرائيلي. ثم الوصاية السورية. ثم الاغتيالات التي طالت زهرة قيادات البلد. ثم انهيار الدولة اقتصادياً في 2019 بما لم يشهده العالم إلا نادراً في زمن السلم. ثم انفجار المرفأ الذي جعل من بيروت رمزاً للدولة التي تقتل مواطنيها بإهمالها. ثم الحرب الأخيرة التي أعادت الجنوب واضطرّت مئات الآلاف إلى النزوح.

في خضمّ كل هذا الركام، يعود الحياد إلى الواجهة. لكنه لا يعود بالزيّ ذاته. لم يعد جسراً معلّقاً بين ضفّتين راسختين، بل صار خشبة نجاة يتعلّق بها الغريق. يُطلب من الحياد اليوم ما لم يُطلب منه في عهد شيحا ولا في عهد شهاب: أن يكون جرّافةً تزيل ركام السنين، وطريقاً سريعاً إلى الخلاص، ومخرجاً من كابوس مديد وعميق لا يبدو له قرار.

وهنا بالضبط يكمن الخلل.

الحياد بندرٌ لا أساس

ثمة فارق جوهري بين الحياد كعقيدة دولة والحياد كبديل عن الدولة. سويسرا التي يُستحضر اسمها في كل نقاش عن الحياد اللبناني لم تُعلن حيادها لأنها كانت ضعيفة وممزّقة، بل أعلنته لأنها كانت دولةً راسخة تريد أن تصون نفسها من الصراعات الخارجية بعد أن أتمّت بناءها الداخلي. الحياد السويسري بُني على جيش يدافع عن كل متر من الأرض، وعلى مؤسسات تمنح المواطن ثقةً كاملة بانتمائه إلى الدولة قبل أي هوية أخرى، وعلى اقتصاد يجعل الحياد مصلحةً ملموسة لا شعاراً رومانسياً.

الحياد إذن بندرٌ يُرفع فوق سارية دولة قائمة، لا المسمار الذي يُثبّت السارية في فراغ.

حين نطالب اليوم بحياد لبنان دون أن نطرح قبله سؤال إعادة تأسيس الكيان اللبناني، نكون كمن يختار ورق الحائط قبل أن يحدّد هندسة البيت. أو أسوأ من ذلك: كمن يرسم ديكوراً على جدران دمّرة.

ما ينقص الحياد قبل الحياد

ما تحتاجه اللحظة اللبنانية الراهنة ليس تشذيب فكرة الحياد وتهذيبها، بل الإجابة على سؤال سابق: ما الكيان الذي سيعلن هذا الحياد؟

إعادة بناء هذا الكيان تعني في المقام الأول إعادة المواطن إلى الدولة، لا بالخطاب، بل بالثقة. ثقته في القضاء الذي يُنصفه، وفي المؤسسة العسكرية التي تحمي أرضه وحدها دون سواها، وفي الاقتصاد الذي يمنحه سبب البقاء في وطنه وفسحة الطموح. وهذه الثقة لا يصنعها إعلان الحياد، بل يصنعها العمل الدقيق المتوازي في إصلاح مؤسسات الدولة معنوياً وأخلاقياً وسياسياً في الوقت ذاته.

الحياد اللبناني الذي يستحق أن يُبنى عليه مستقبل هو الذي يأتي في مرحلة لاحقة، حين يكون لبنان قد أعاد تعريف علاقته بالسلاح غير الشرعي على أرضه، وبالمصالح الإقليمية التي تتقاطع فيه، وبالدين العام الذي يُثقل كاهل أجيال لم تختر هذا الإرث. حينها يُصبح الحياد قراراً سيادياً يصدر عن دولة تعرف ما تريد، لا تعويذةً يلوذ بها مجتمع فقد اتجاهه.

الجسر الذي لم يكتمل

كتب جورج نقاش عام 1949 أن اللبنانيين “متّحدون على لا… لا على نعم"، المفارقة المؤلمة أن فكرة الحياد في صيغتها الراهنة تعيد إنتاج هذه المعادلة: نعم للحياد لأنه لا للآخرين، لا للمحور الإيراني، ولا للمحور الأميركي، ولا للهيمنة السورية، ولا للاعتداء الإسرائيلي. لكن السلبيات لا تبني أمّة، كما قال نقاش، ولا تُشيّد دولة.

الجسر الذي تخيّله شيحا لم يكتمل لأن الضفّتين ارتجّتا قبل أن تستوي أعمدته. المهمة اليوم ليست إعادة رسم الجسر، بل ترسيخ الضفّتين أوّلاً: دولة لها مؤسسات وقانون وجيش واقتصاد ومواطن يثق بانتمائه. حين تستوي هاتان الضفّتان يصبح الحياد خياراً ناضجاً لا وهماً عزيزاً.

حتى ذلك الحين، يبقى الحياد ما كان دائماً في التاريخ اللبناني: وعداً معلّقاً في المسافة بين ما نطمح إليه وما نستطيعه.