موانئ دبي العالمية تدخل إلى طرطوس
وسوريا تعود إلى خريطة الممرات البحرية

14.05.2026
Twitter icon
Facebook icon
LinkedIn icon
e-mail icon
شارك هذه الصفحة مع آخرين
Print Friendly, PDF & Email
بهيج أبو غانم

يمثل الاجتماع الذي عقد مؤخرا بين عيسى كاظم، رئيس مجلس إدارة مجموعة موانئ دبي العالمية، وقتيبة أحمد بدوي، رئيس الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية، لمتابعة تسريع تنفيذ مشروع تطوير ميناء طرطوس، خطوة تتجاوز متابعة مشروع بنية تحتية بحري.

فاللقاء يعكس دخول العلاقات الاقتصادية بين الإمارات وسوريا مرحلة أكثر عمقاً ترتبط بإعادة بناء البنية اللوجستية والتجارية السورية وربطها مجدداً بالممرات البحرية الإقليمية والدولية.

وجاء الاجتماع لمراجعة تقدم تنفيذ اتفاقية الامتياز الممتدة لـ30 عاماً التي وقعتها "موانئ دبي العالمية" مع الحكومة السورية في يوليو 2025، والتي تتعهد المجموعة بموجبها باستثمار 800 مليون دولار لتطوير ميناء طرطوس وتحديث بنيته التحتية وأنظمة التشغيل والمناولة والخدمات اللوجستية.

ولهذا السبب، شمل البحث خلال الاجتماع توسعة الأرصفة ورفع الطاقة الاستيعابية للميناء وكذلك تطوير مراكز شحن داخلية وممرات عبور ومناطق لوجستية مرتبطة بالمرفأ، في إشارة إلى أنه يُنظر إلى المشروع  كمنصة تجارية متكاملة يمكن أن تتحول مستقبلاً إلى نقطة ربط بين شرق المتوسط وبلاد الشام والخليج وشمال أفريقيا.

 

مشروع يتجاوز تطوير مرفأ

يتجاوز المشروع إعادة تأهيل منشأة بحرية تعرضت سنوات طويلة للإهمال وضعف الاستثمار نتيجة الحرب والعقوبات، ليمثل محاولة إعادة إدخال سوريا تدريجياً إلى خريطة التجارة الإقليمية في وقت تشهد فيه المنطقة تغيرات واسعة في مسارات النقل وسلاسل الإمداد.

فقد دفعت الحروب التي شهدتها المنطقة خلال العامين الماضيين، لا سيما حرب إيران وما رافقها من اضطرابات في حركة الشحن عبر الخليج والبحر الأحمر، دولاً وشركات كبرى إلى التفكير بصورة أوسع في تنويع الممرات التجارية وتطوير بدائل لوجستية إضافية تربط الخليج والشرق الأوسط بالبحر المتوسط وأوروبا.

ومن هنا تكتسب طرطوس أهمية خاصة. فالميناء يقع على الساحل الشرقي للبحر الأبيض المتوسط، ويملك موقعاً يسمح له نظرياً بأن يتحول إلى بوابة بحرية تربط التجارة القادمة من الخليج والعراق والأردن بطرق التجارة الأوروبية والمتوسطية، إذا ما جرى تطوير شبكات النقل البرية واللوجستية المرتبطة به.

لماذا طرطوس تحديداً؟

يُعد ميناء طرطوس ثاني أكبر موانئ سوريا بعد ميناء اللاذقية، وكان قبل الحرب يشكل أحد المنافذ الأساسية للتجارة السورية، خصوصاً للبضائع العامة والحبوب والمواد الأولية.

لكن سنوات الحرب والعقوبات وتراجع النشاط الاقتصادي أدت إلى تآكل جزء كبير من قدراته التشغيلية، فيما بقيت استثمارات التحديث محدودة مقارنة بما شهدته موانئ المنطقة خلال العقدين الماضيين.

وفي الوقت الذي كانت فيه موانئ الخليج وتركيا ومصر تضخ استثمارات ضخمة في التوسعة والأتمتة والتحول الرقمي، بقيت الموانئ السورية تعمل ببنية تحتية متقادمة نسبياً، مع ضعف في المعدات والقدرات التشغيلية والخدمات اللوجستية.

ولهذا تنظر "موانئ دبي العالمية" إلى المشروع باعتباره عملية إعادة بناء شبه كاملة لمنظومة تشغيل الميناء.

 

موانئ دبي العالمية… نموذج يقوم على بناء الممرات التجارية

تحولت "موانئ دبي العالمية" خلال العقدين الماضيين من شركة تشغيل موانئ إلى واحدة من أكبر المجموعات العالمية المتخصصة في الخدمات اللوجستية وسلاسل التوريد.

تدير الشركة اليوم شبكة واسعة من الموانئ ومحطات الحاويات والمناطق الحرة والمخازن والخدمات البرية والبحرية والمنصات الرقمية للتجارة، وتمتد عملياتها عبر أكثر من 80 دولة، فيما تتعامل مع ما يقارب 10 في المئة من حركة الحاويات العالمية.

وتقوم استراتيجية المجموعة على الاستثمار في الممرات التجارية والأسواق التي تمتلك إمكانات نمو طويلة الأجل، حتى في البيئات التي تحمل مستويات مرتفعة نسبياً من المخاطر السياسية أو الاقتصادية.

وقد ظهر ذلك في توسعاتها في أفريقيا وآسيا الوسطى والهند وأميركا اللاتينية، حيث تعمل الشركة على تشغيل المرافئ وتطوير منظومات اقتصادية ولوجستية متكاملة مرتبطة بها.

ومن هذا المنطلق، يبدو مشروع طرطوس جزءاً من رؤية أوسع تتعامل مع الساحل السوري كبوابة محتملة لحركة التجارة المستقبلية في شرق المتوسط، علاوة عللى كونه مرفأً محلياً يخدم السوق السورية.

سوريا تبحث عن منفذ للتعافي الاقتصادي

بالنسبة لسوريا، يمثل المشروع محاولة لإعادة تنشيط أحد القطاعات القليلة القادرة على جذب استثمارات أجنبية كبيرة نسبياً في المدى القريب.

فالاقتصاد السوري تعرض خلال أكثر من عقد لانكماش حاد أصاب قطاعات الإنتاج والصناعة والبنية التحتية والتجارة، فيما تراجعت قدرات الدولة على تمويل مشاريع تطوير كبيرة.

وفي هذا السياق، تبدو الموانئ والخدمات اللوجستية من القطاعات التي يمكن أن تشكل مدخلاً عملياً لعودة النشاط الاقتصادي، لأنها ترتبط مباشرة بالتجارة والاستيراد والتصدير وإعادة الإعمار وحركة العبور الإقليمية.

كما أن تطوير الموانئ يمنح سوريا فرصة للاستفادة من موقعها الجغرافي بين الخليج وتركيا وشرق المتوسط، وهو الموقع الذي تراجع دوره بصورة كبيرة خلال سنوات الحرب.

الإمارات تعزز حضورها الاقتصادي في سوريا

يعكس مشروع طرطوس أيضاً توجهاً إماراتياً أوسع لتعزيز الحضور الاقتصادي في سوريا عبر قطاعات التجارة والبنية التحتية والخدمات اللوجستية.

ويأتي ذلك في وقت تشهد فيه العلاقات الاقتصادية بين البلدين توسعا ملحوظاً، بعدما ارتفع حجم التبادل التجاري غير النفطي إلى نحو 1.4 مليار دولار خلال 2025، بزيادة تجاوزت 132 في المئة مقارنة بالعام السابق.

ويبدو أن الإمارات تراهن على أن مرحلة ما بعد الحرب ستفتح فرصاً استثمارية كبيرة في قطاعات النقل والموانئ والطاقة والعقارات والخدمات، فيما تمتلك الشركات الإماراتية خبرة واسعة في إدارة مشاريع البنية التحتية الكبرى في الأسواق الناشئة.

منافسة متصاعدة في شرق المتوسط

لكن مشروع طرطوس يدخل أيضاً في سياق تنافس متزايد على موانئ شرق المتوسط والممرات البحرية المرتبطة بها.

فتركيا عززت خلال السنوات الماضية قدراتها المينائية واللوجستية بشكل كبير، فيما ضخت مصر استثمارات ضخمة في موانئ قناة السويس والمنطقة الاقتصادية المحيطة بها. كما تسعى اليونان وقبرص إلى توسيع دور موانئهما في التجارة بين آسيا وأوروبا.

وفي المقابل، بقيت الموانئ السورية خارج هذا السباق لفترة طويلة بسبب الحرب والعقوبات وضعف التمويل.

ومن هنا، فإن إعادة تأهيل طرطوس تمثل محاولة استعادة موقع ضمن شبكة المنافسة اللوجستية في شرق المتوسط.

 

التحديات لا تزال كبيرة

ورغم أهمية المشروع، فإن نجاحه لن يعتمد فقط على تطوير الأرصفة والمعدات والأنظمة التشغيلية.

فهناك تحديات تتعلق بالأمن والاستقرار والعقوبات والتمويل والتأمين البحري، إضافة إلى الحاجة إلى تحديث شبكات النقل البرية والسكك الحديدية والخدمات الجمركية والبيئة التنظيمية.

كما أن جذب خطوط الشحن العالمية سيحتاج إلى استقرار اقتصادي وأمني طويل الأمد، وإلى قدرة الميناء على تقديم خدمات وأسعار تنافس الموانئ الإقليمية الأخرى.

لكن دخول لاعب عالمي بحجم "موانئ دبي العالمية" يمنح المشروع ثقلاً مختلفاً، لأنه يؤكد أن بعض الشركات الإقليمية والدولية بدأت تنظر إلى سوريا كسوق يمكن أن تستعيد تدريجياً جزءاً من دورها التجاري واللوجستي في المنطقة.

وفي حال نجح المشروع في تحقيق أهدافه، فقد يتحول ميناء طرطوس خلال السنوات المقبلة من مرفأ محلي متراجع إلى أحد أبرز مشاريع إعادة بناء الاقتصاد السوري وربطه مجدداً بحركة التجارة الإقليمية والدولية.